سمير عادل

حكومة الاسلام السياسي الجديدة وافاق الاحتجاجات

الصراع على السلطة السياسية خَدَّرَ الاحساس بخطورة وتداعيات الاحتجاجات الجماهيرية وخصوصا في البصرة كما اثر على انسجام تيار الاسلام السياسي الشيعي لإعادة انتاج سلطته وحكمه الفاسد لمرحلة جديدة. وعلى الرغم من ان هناك رؤيتين مختلفتين في صفوف الاسلام السياسي الشيعي لإدارة السلطة في العراق، الاولى هي رؤية قومية محلية "وطنية" مدعومة امريكيا وخليجيا يمثلها العبادي-الصدر، والثانية تجد قوتها من قوة النظام الاسلامي الحاكم في ايران متمثلة بالمالكي-العامري، الا ان المشترك بينهما هو منبعهما الأيديولوجي وهويتهما الطائفية التي تبرزها في الازمات السياسية مثلما يبرز المسافر هويته في نقاط التفتيش للعبور عبر المدن على طول العراق وعرضه. ومن نافل القول فأن جميع قوى الاسلام السياسي الشيعي لديها برنامج اقتصادي واحد ورؤية اقتصادية واحدة، وهي تحرير الاقتصاد، والتسليم باليات اقتصاد السوق، وخصخصة المصانع والمعامل وجميع القطاعات الخدمية من الصحة والكهرباء والتعليم وحتى الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز.

 

هناك خطى حثيثة لدرء الخطر الذي يحدق بسلطة الاسلام السياسي الشيعي تقودها المرجعية التي كانت دائما لها مجسات مفرطة بالحساسية وصمام امان لعدم انفلات السلطة السياسية وفرط عقدها من ايدي الاسلام السياسي الشيعي. وقد قامت بتعبيد الطريق امام الجميع مع التلميح بوجود عباءة من الممكن لملمة جميع القوى الاسلام السياسي الشيعي تحتها بعد ان حسمت الصراع لصالح شخص اخر من خارج دائرة المنافسين لنزع فتيل انفجار الصراع السياسي الى صراع مسلح وضياع السلطة والحكم منها. فما حدث من لقاء جمع بين جناحي الدعوة المالكي والعبادي في منزل علي الاديب للملمة اشلاء حزب الدعوة وتوحيد صفوفه، وفي الوقت نفسه جرى اتفاق بين قائمة الفتح الذراع السياسي للمليشيات الاسلامية الذي يقودها هادي العامري وبين سائرون التي تتخبط يمينا ويسارا بقيادة مقتدى الصدر لقضم اكبر حجم من السلطة والامتيازات لتشكيل الحكومة، وكان اول من اذعن للمرجعية هو العبادي اذ قال عبر بيان له، بأنه سينفذ تعليماتها ولن يتشبث بالسلطة.

 

المرحلة القادمة، اي بعد تشكيل الحكومة الاسلامية الطائفية الخامسة إذا صح التعبير، التغيير الذي يخيم على المشهد السياسي العراقي هو سيادة الاحتجاجات الجماهيرية بإشكال مختلفة على المجتمع. وان عوامل استمرار هذه الاحتجاجات تكمن في مسألتين، الاولى فشل قوى الاسلام السياسي الشيعي في ادامة وتسويق الاوهام حول حكومة بغض النظر عن تسميتها وطنية او تكنوقراط او اغلبية ستكون بمنأى عن الفساد والمحاصصة الطائفية القومية، وبإمكانها ان تقوم بتقديم الخدمات وتوفير فرص للعاطلين عن العمل. وعليه ان سلطة الاسلام السياسي الشيعي غير قادرة على خلق الانسجام السياسي في صفوفها بسبب ازمتها السياسية التي هي ازمة في تقديم بديل لإنقاذ البرجوازية كطبقة تخلق الاستقرار السياسي والامني التي هي ممثلتها لتأمين حاجات حركة ودوران الرأسمال. اي بعبارة اكثر وضوحا ليس بإمكانها لا القضاء على التشرذم السياسي في صفوف الطبقة الحاكمة بجميع اجنحتها القومية والطائفية، ولا بإمكانها تلبية الحاجات الاساسية للمجتمع، وفي اقصى حالاتها يمكن توظيف عدد من العاطلين عن العمل عن طريق تجنيدهم وتأسيس مليشيات جديدة مثلما اعلن عن استحداث جديد في الحشد الشعبي وهو تأسيس عشر الوية جديدة في البصرة وتحت عنوان حفظ الامن. في المقابل ان الجماهير هي الاخرى نفذ صبرها وغير قادرة على تحمل عبث هذه القوى بمصيرها. وليس هذا فحسب بل هناك استحقاقات لتلك السلطة مع المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهما الجهتان المسؤولتان عن ادامة تأهيل الاقتصاد العراقي ودمجه مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ويعني هذا، زيادة الاعباء الاقتصادية على كاهل العامل والعاطل عن العمل وجموع الشرائح الاجتماعية المسحوقة في المجتمع. فتكاليف فوائد قروض هذه المؤسسات ستدفع من اقتطاع الخدمات وتنصل الدولة من جميع مسؤوليتها تجاه المجتمع.

 

 

وفي خضم هذا التناقض الذي يعصف بسلطة الاسلام السياسي الشيعي، فان ذلك سيفتح الطريق امام القمع بكل اشكاله حيث دشن في احتجاجات ٨ تموز في البصرة قبل اجتياحها المدن الجنوبية وما نراه اليوم من حملة اعتقالات وانتشار المليشيات في الشوارع وفبركة الاتهامات المختلفة بحق المحتجين.

 

ويمكن ان نلخص ما ذكرناه كالاتي؛ ان مشكلة الوضع السياسي في العراق هي مشكلة الصراع على السلطة. وفي الوقت نفسه ان نقطة ضعف الاحتجاجات الجماهيرية تكمن في عفويتها لحد الان، اي تكمن في غياب التنظيم والقيادة التي تؤمن الارتقاء بكل اشكالها ومنحها افاق واضحة وسياسات عملية يومية تؤمن ادخار طاقتها وتجنب قمعها والتقليل من خسائرها البشرية عن طريق عمليات القتل والاعتقالات والترهيب. ومن هنا نستطيع ان نقول ان حظوظ القوى الاسلامية في استمرارها بالسلطة تكمن في ان هذه الاحتجاجات لم تتبلور وتأخذ ملامح معينة حتى الان بحيث تتحول الى حركة سياسية تطرح بديل يهدد سلطتهم . ولكن هذه الاوضاع ليست معناها انها قدر الجماهير ويجب الاستسلام لها. فهناك خيار بين المضي في احد الطريقين، الاول هو طريق الحرية والعيش الكريم ويجب الظفر بهما ويأتي هذا فقط بالمضي قدما بالاحتجاجات، او طريق الخنوع والاذعان لأحزاب الاسلام السياسي وميليشياته التي ليس امامها سوى القمع وافقار المجتمع. وكان الرد جاء من البصرة حيث علمتنا الجماهير هناك ان اي تردد او انتظار يعني المزيد من القمع والمزيد من المماطلة والمراوغة، فليس امامنا سوى تصعيد المجابهة مع قوى الاسلام السياسي.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018