نادية محمود

كي لا ننسى - دروس من انتفاضة البصرة-

لقد اعطت انتفاضة البصرة دروس عديدة للتعلم منها. واول هذه الدروس هي حاجة الناس المحتجة، الشباب المتظاهر، الى الادراك والثقة بقدرتهم على احداث تغيير حقيقي، ثقتهم بقدرتهم على ادارة وتنظيم شؤونهم بنفسهم، بان بامكانهم ليس فقط السيطرة على شوارع المدينة، بل ان يمسكوا زمام وامور المدينة بايديهم، ولن تنقصهم القوة لفعل ذلك ان امنوا بضرورة القيام بهذه المهمة.

 

ان الطبقة المتحاصصة على حساب راحة الجماهير، والتي وصلت فيها درجة الحرمان الى حد فقدان الماء، وليس الكهرباء وفرص العمل، اثبتت المرة تلو الالف، بان ليس لديها ما تقدمه للاستجابة لمطالب الناس. فلا يكفيها حجم اطماعها وسعيها للنهب كبرجوازية محلية، بل ويساعدها في ذلك الرأسمالية العالمية حيث يدفعها صندوق النقد الدولي الى ان تخلي مسؤوليتها تجاه المواطن. بحجة تقوية الاقتصاد الرأسمالي الحر عبر تبني نظام الخصخصة واخلاء الدولة لمسؤولياتها في توفير فرص العمل وفي توفير الخدمات، وفي توفير الصحة وفي توفير التعليم. فهذه الحكومة والحكومة القادمة، سائرة وبشكل حثيث ومنظم على طريق "اخلاء مسؤولية الدولة". لتبقى موارد النفط لها وللشركات الاجنبية لتنعم بها. والمواطن ان احتج سيقمع!! لانهم تكرموا عليه بتوفير فرصة التعبير عن الرأي بالتصويت في الانتخابات لاحد مرشحيهم. هذا هو برنامجهم.

 

ولا يمكن ان يختلف اثنان على ان الطبقة السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003 ولحد جدال هذه الايام حول انتخاب رئيس البرلمان ونوابه، عاجزة عن حل مشاكلها الداخلية، فكيف سيكون بمقدورها حل مشاكل المجتمع ومطالب وحاجات الملايين من الناس في توفير مستلزمات العيش؟.

 

اذا كان النمط السائد هو ان رجالات وربما نساء الحكومة يشترون المواقع الحكومية "بزودهم" ولم يحصلوا عليها لا مجانا ولا بسعر رخيص ولا بانتخاب ناخبين، لا تغيير حقيقي يمكن ان ياتي على ايديهم. فشخوص هذه السلطة لا يروا الدولة سوى شركة كبيرة، يستثمروا الاموال فيها، لتدر عليهم المزيد من الاموال. فالموقع الحكومي بالنسبة لهم لايشكل لهم مكانا للخدمة بل هو مكانا للاستثمار. وبالنتيجة لا يعّدوا انفسهم مسؤوولين عن الاجابة على مطالب الناس، الامر الذي يفسر شراسة التنافس والصراع على توزيع المناصب الحكومية. لذا، هذه الطبقة المتسلطة على رقاب الجماهير، بهذه الوجوه، او بوجوه اخرى، ليس لديها ولن يكون لديها ما تقدمه للجماهير المليونية.

 

الا ان ما تقوم به الطبقة المتسلطة على رقاب الجماهير، هو جزء واحد في القضية. ان الجماهير هي في الكفة الاخرى، ولديها من القوة ما يمكنها ان تقلب الامور رأسا على عقب. ولكن من اجل ان تقلب الجماهير الامور وبشكل فعلي رأسا على عقب، هنالك عمل هائل وجاد يجب ان ينجز. بحاجة الى عمل هائل جاد وجدي بقدر جدية الطبقة الحاكمة في دفاعها المستميت عن مصالحها. فمن اجل احداث تغيير حقيقي على الارض من قبل الحركات الاحتجاجية الحالية او القادمة هو الاهمية القصوى لادراكها لقيمة واهمية وحجم قواها، ثقتها بنفسها ليس فقط هو ثقة باسقاط حكومات فحسب بل ادارة شؤونها بنفسها، ان تطرح نفسها بنفسها ولنفسها بديلا للسلطة السياسية. ان تغادرالخطاب الدارج مرة واحدة وللابد، الذي يقدس العفوية. ليست هنالك عفوية توصل الى نتائج لصالح الجماهير. ان الطبقة الحاكمة تخوض حربا مسلحة، تقتل وتغتال وتخطف وتسجن وتحرق مقرات بعضها البعض من اجل ان تدافع عن مصالحها وتستميت في الدفاع عنها، انها جادة وبالغة الجدية في عملها، فلا يمكن الارتكان الى العفوية وتقديس اللاتنظيم كانه منجى وسيوصل الى بر الخلاص. ان هذا تلاعب بحياة ومصير الناس. بامنهم وسلامتهم الشخصية وبدون طائل او مبرر. رفض التنظيم، ورفض التحزب، كانها علامات صحة لتلك التظاهرات، يجب ان يقر بانه نقص هائل ويقتل الحركة في قلبها وهو يقدم خدمة هائلة لا تقدر بثمن للطبقة الحاكمة.

 

السلطة الحاكمة تستعمل كل قواها وبشكل منظم، وكل من مكانه وكل من اجل مصلحته، اي نظمت ميلشياتها، واحزابها، ووسائل اعلامها، ومراجعها الدينية، واعضاءها من اجل ان تدافع عن مصالحها، لا يمكن عبر العفوية واللاتنظيم التوصل لاي شيء. ان هنالك دروس عديدة يمكن تعلمها من انتفاضة البصرة، وهذه الدروس كما يقال، يجب ان تكون ماثلة في اذهان الجماهير وان لا تنسى ابدا. لان الاحتجاجات والانتفاضات تكررت وستكرر حيث الارضية والاسباب التي دفعت الى تظاهرات 2011 و2015 و2018، ستدفع الجماهير ذاتها للانتفاض من جديد ستستمر. لذا، حين تهب الجماهير مرة اخرى، يجب ان نكون قد تعلمنا الدروس من ما قد حدث في البصرة 2018.

 

مقالات