عادل احمد

الماركسية والشيوعية العمالية!

عندما قدم كارل ماركس نقده للنظام الراسمالي ذهب الى ابعد من النقد السطحي الذي كان سائدا في زمانه، وذهب حتى ابعد من افاق الحركات العمالية والحركة الاشتراكية انذاك. لقد نظر ماركس الى الحركة العمالية كنقد قسم اعظم من المجتمع وهي الطبقة العاملة لاسلوب الانتاج الراسمالي والذي كان في طور التطور وارضاخ العالم الى قوانينه. وعندما بدء ماركس نقده، حلل النظام الراسمالي القائم وشخص الاعمدة الرئيسية لهذا النظام ومن خلالها نظر الى المجتمع وحركاته ونظر الى الطبقات الرئيسية فيه، ومن خلال هذه التحليلات تعمق اكثر الى جذور عدم المساواة والويلات والفقر في المجتمع. ان ماركس رأى ان الافكار ونمط الحياة والتقاليد والقوانين ما هي الا انعكاس لاسلوب الانتاج الاجتماعي، وكشف قوانين الطبيعية لحركة المجتمع وتطوره. ان الطبقة العاملة بالنسبة لكارل ماركس هي موقعيتها الرئيسية الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الراسمالي وليس كطبقة فقيرة ومحرومة. ووجد فقر وحرمان الطبقة العاملة في النظام الراسمالي يكمن بسبب التناقض الحتمي في اسلوب الانتاج الراسمالي ونظامه السياسي. وعندما تعمق ماركس اكثر في النظام الرأسمالي كشف قوانين حركته وتطوره وكيفية زواله، ومن هنا وجد اهمية النضال الطبقي للعمال والذي كانت في طور التكوين السياسي بجانب الحركات الاجتماعية الاخرى. ان نقد كارل ماركس للنظام الرأسمالي كانت تعبيرا عن نقد الطبقة العاملة للنظام الرأسمالي. وماركس اعطى الصورة الواضحة والدقيقة لهذا النقد الاجتماعي من الناحية الفلسفية والسياسية والاقتصادية. ووضح افاق الحركة العمالية بأفق طبقي واضح وسلح هذه الطبقة بسلاح فكري اكثر جذرية واكثر راديكالية عن بقية الافكار التي كانت تدعي دعم الحركات العمالية انذاك.

 

كانت عمل ماركس بجانب توضيح صورة دقيقة وواضحة للنظام الراسمالي، عمل على تحليل دقيق لمصالح الطبقات الاجتماعية الاخرى والتي كانت تتحدث بأسم العمال وطبقتهم. وكشف المصالح السياسية لجميع الحركات التي تدعي بأسم الاشتراكية والعمال، كما وضح اكثر في الايدولوجية الالمانية ونقد برودون في بؤس الفلسفة ولاسال في رسائله والاشتراكيين الحقيقيين والاشتراكيين الرجعيين والاقطاعيين في البيان الشيوعي. ان دفاع ماركس عن الطبقة العاملة هو الدفاع عن حقيقة ما يجري في النظام الراسمالي وتسببه في تدمير البشرية، بسب الربح والمصالح الانانية لحفنة من الاغنياء وسيطرتهم على عقول وحياة المليارات من البشر على الكرة الارضية. ولكن البرجوازية وحركاتها تحاول دائما الاستفادة من الطبقة العاملة وافكارها الثورية لا لكي تتبناها، وانما لتبديلها وتفريغها من جوهرها الثوري وهو القضاء على العمل الماجور والملكية الخاصة للبرجوازية. ان تفريغ جوهر الثورية للماركسية استمر من قبل الحركات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة طوال القرن العشرين بعد فشل التجربة الروسية. وعندما ظهرت الحركة الشيوعية العمالية في الثمانينات، كانت بمثابة زمن كتابة البيان الشيوعي والتي فصلت بين الماركسية وبين المدعين باسمها..

 

ان الشيوعية العمالية لم تكن شيئا غير الدفاع عن الشيوعية التي أسسها كارل ماركس! اي الشيوعية المنتقدة للعمل المأجور والرأسمال والملكية الخاصة لوسائل الانتاج. كان ماركس يفصل الشيوعية التي كانت تمثل نقد العمال للعمل المأجور والرأسمال عن الاشتراكيات للطبقات الاخرى داخل العمال، والتي في احسن حالاتها كانت اصلاحية وطوباوية. ان الشيوعية العمالية النظرية لم تكن شيئا غير الدفاع عن اصل الماركسية وما تنتقده في النظام الراسمالي، ومن الناحية السياسية لم تكن الا النضال الطبقي لانهاء نظام العمل الناجور واقامة حكومة عمالية. ولكن اهمية الشيوعية العمالية جاءت بعد ان تخلت جميع الحركات البرجوازية عن فائدتها من اسم الشيوعية والطبقة العاملة، ليس هذا وحسب وانما اعلنوا افلاس الماركسية واعلنوا ازلية الديمقراطية والنظام الراسمالي لصالح البشرية.. ولكن ظهور حركة الشيوعية العمالية اي بصورة اخرى ظهور الشيوعية وما قصده كارل ماركس من جديد، كان بصيص امل لاحياء نقد ماركس للنظام الراسمالي من جديد في المجتمع بعد تشويشه بقصد او بدون قصد من قبل الحركات الغير عمالية.

 

براي من ينتقد الشيوعية العمالية لم يكن يوما موافقا لشيوعية كارل ماركس! ربما يأتي احد يقول وينقض ما اقوله.. ولكن اسأله بأن يأتيني بدليلا واحدا عن خلاف ما تقصده الشيوعية العمالية عن الشيوعية التي قصدها كارل ماركس!! وان يكون منصفا وان يكون حقا يحاول ايجاد الحقيقة وليس بالنقد الأعمى المليء بالكراهية وانما بالنقد العلمي والسياسي واظهار الأختلافات بينهما. ولهذا استطيع ان اقول بكل صراحة بأن الشيوعية العمالية هي الشيوعية التي قصدها كارل ماركس في البيان الشيوعي. وان اي ضعف في حركة الشيوعية العمالية ليس خللا في تعبيرها عن جوهر الثورية للماركسية، وانما يكمن الخلل في ممارسة هذا التعبير بشكل دقيق.. وان ممارسة وجوهر الثورية في الماركسية والشيوعية العمالية هي في ضعف القيادة وليس في الحركة نفسها. ان جميع كتابات الشيوعية العمالية التي كتبها الرفيق منصور حكمت لم تكن شيئا الا الدفاع عن الماركسية وروحها الثورية المتمثلة بنقد العامل لنظام العمل المأجور والرأسمال. ان هذا ليس مبالغا وليس حبا في النظرية بعينها، وانما حبا لروح النقد الثوري لكل ما هو قائم في الاشتراكيات الغير عمالية ولكل المقدسات فيما تروجه البرجوازية!

 

ان من يدافع عن النظام الرأسمالي يدافع عن وحشية وبربرية ما نشاهده من أقدام البرجوازية على تدمير العالم! وان من يخالف الماركسية يبرر بشكل او اخر ما تقوم به البرجوازية.. ومن ينتقد الشيوعية العمالية بنقد غير علمي وغير سياسي ويطرح بديله وتعبيره بشكل اخر للماركسية، فهو يعبر عن حقده الأعمى وجهله في السياسة ويوضح التناقضات في افكاره. اني لا اعبر في دفاعي عن الشيوعية العمالية كحقيقة مطلقة وانما كمنطق فكري وسياسي ومع ما نشاهده من البربرية الحالية في النظام الراسمالي الحالي. اذا لم يتحول المجتمع الى الاشتراكية فحتما سيتجه نحو البربرية.. وهذا ما يجب ان يكون في حسباننا ايها السياسيين والشيوعيين!!

 

مقالات