نادية محمود

القمع ليس جوابا!

تهدد الميلشيات الاسلامية والحكومة وقواها الامنية بانهاء التظاهرات في البصرة عبر محاولة قمعها. في هذا الصدد يجب التذكير بامور اولية واساسية فيما يخص علاقة الدولة بالمواطن. وهنا لن اتحدث عن كون الدولة هي تعبير عن جهاز لصالح البرجوازية الحاكمة، لفرض هيمنتها على المجتمع فذلك اصبح في عداد البديهيات. بل ساشير بشكل سريع الى التغييرات الجديدة التي تحدث في العراق، كجزء من التغييرات والتحولات التي تسير على صعيد عالمي، والتي لها الاثر المباشر في الانتفاضات التي حدثت والتي ستحدث مستقبلا، ان لم يتم الاجابة على حاجات الناس. وهي:

 

اولا: ان الزمن الذي كانت تقايض فيه الدولة المواطنين بتقديمها للوظائف والخدمات لهم مقابل تقديم الولاء السياسي قد انتهى وولى عهده. في زمن نظام صدام حسين او حزب البعث كانت هنالك مقايضة سياسية اقتصادية اجتماعية واضحة المعالم، من جهة كان هنالك دور ناشط للدولة في توفير فرص العمل والتوظيف الحكومي المركزي، والصحة المجانية والتعليم المجاني، مقابل الولاء التام لحزب البعث من قبل المواطنين، وقمع اي معارض للنظام. جرى العمل على هذا النظام حتى انتهاء الحرب العراقية الايرانية والشروع بحرب الكويت وماتلاها من حصار اقتصادي وحروب وبقية التطورات التي يعرفها الجميع.

 

ثانيا: بتبني الحكومات في كل مكان في العالم تقريبا ومن ضمنها العراق، لسياسات الاقتصاد الحر الجديد او النيوليبرالية انتهى زمن تدخل الدولة ومسؤوليتها امام المواطنين. هذه السياسة في جوهرها تعني تقليص دور الدولة الاقتصادي من اجل توسيع دور السوق في تلبية حاجات الناس. في هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي، لا تقوم الدولة -افتراضا انها تقوم- الا بمسالة حماية الامن الخارجي والداخلي ومراقبة تنفيذ القانون، وهي تغطي تكلفة ذلك من موارد الدولة ذاتها. اما الماء والكهرباء وفرص العمل والخدمات والنظافة والتعليم والصحة هي ليست من مسؤولية الدولة، بل تلقى على كاهل المواطن.

 

وهذا يقودنا الى النقطة الثالثة، ان كانت الدولة غير مسؤولة عن توفير حاجات الناس الاساسية، وان هذه المهمة ملقاة على عاتق المواطن والمواطنة نفسها، الذين من المفترض ان يتنافسوا فيما بينهم ليجدوا لهم فرص عمل، وان يسدوا حاجاتهم من اجور عملهم، ماهي ضرورتها اساسا للمواطن؟ خاصة وان لا الامن الخارجي ولا الداخلي موجودان، ولا القانون، اي قانون ليس له وجود، غير قانون الغاب. خاصة وان كل ما يترشح عن هذه الدولة واعمالها وصيتها هو سرقة المال العام لاغراض شخصية. لماذا يتوجب على المواطن اقامة الاعتبار لهذه الهيئة الزائدة والاضافية والطفيلية التي لا تقدم شيء، بل تسرق منه المال العام فقط بقوة السلاح والقانون واسباغها على نفسها صفة دولة؟ لماذا يتوجب على المواطنين الاقرار بوجود هذه الدولة؟ لماذا يتوجب صيانة حرمة دولة من هذا القبيل؟.

 

رابعا: اذا كان مطلوبا من المواطن والمواطنة ان يتحملوا سد نفقات معيشتهم وان يتدبروا امرهم بانفسهم، وبان الدولة ليست مسؤولة عن اشباع حاجاتهم، اذن لماذا يجب ان تلام الجماهير اذا ماقرر الناس ان يقلبوا الطاولة على هكذا دولة، وان يتخلوا عنها وان يقفوا بوجهها؟ خاصة وان هذه الفئة طفيلية زائدة، بدون انتاج، لا تقدم اي شيء للمواطن، ومع هذا، تسرق المليارات وتعيش في ترف، بدون عمل، بل وعاطلة عن العمل؟ تريد ان تسرق وتنهب بل وان تقمع ايضا من يعترض طريقها.

 

قال العبادي في الايام الاولى من بدء الاعتراضات بان التظاهر هو حق كفله المواطن. شكرا السيد العبادي. لكن مشكلة الناس ليس ضمان حق التظاهر، بل ضمان وجود ماء وكهرباء وفرص عمل ودخل اساسي واولي ليشبعوا الناس ابسط حاجاتهم. دولة لا تضمن حصول مواطنيها على هذه الحقوق الاولية والاساسية، لا يمكن ان يلومها احد بالسؤال لماذا تنتفض؟ ناهيك عن استخدام القمع كعقوبة للمتظاهرين او ردعا لهم هو ليس حلا. فالناس ستظل تريد ماء، وستظل تريد كهرباء، وتريد دخل يؤمن لها حاجاتها الاساسية هذه. القمع ليس جوابا!

 

نقطة اخيرة، الاعتراضات على اخلاء الدولة لمسؤوليتها امام المواطن هي مسالة ليست محلية على الاطلاق، بل مسالة عالمية، وهي تعلن عن مواجهة المليارات من البشرية لنظام الاقتصاد الحر الرأسمالي الذي يفرض هيمنته على العالم برمته. واسوق هنا مثالين فقط: بينما المتظاهرون في شوارع البصرة ينادون الدولة بتوفير الماء والكهرباء وفرص عمل، خرج مئات الاباء والامهات في المدن الصينية يهتفون "لا لمدارس القطاع الخاص" احتجاجا على سوء التعليم، وحشر ابنائهم في صفوف مكتظة بالطلبة، واقتراح الحكومة عليهم ان يرسلوا اولادهم وبناتهم للتعلم في مدارس القطاع الخاص. انه رفض لسياسة الاقتصاد الحر ورفض لسياسة الخصخصة ورفض للنظام الراسمالي برمته. وبنفس السياق، وردا على اخلاء الدولة لمسؤوليتها عن توفير فرص عمل، تأسست حركة عالمية واسعة قبل اعوام تطلق على نفسها "شبكة الارض للدخل الاساسي". وهدف هذه الشبكة العالمية هو الضغط على حكومات كل الدول في العالم على توفير دخل اساسي واولي لكل انسان، رجل وامرأة وطفل، من اجل ان يتمكنوا من سد حاجاتهم الاساسية. وهكذا، العالم في غليان مستمر تحت وطأة النظام الراسمالي، والناس اي كانت درجة القمع، لن تسكت على الجوع، فهي فعلا وواقعا لم يتبقى لها ما تخاف ان تفقده في النضال ضد هذا النظام الرأسمالي الجشع والبشع في ان واحد.

 

مقالات