سمير عادل

الحرية والاصلاح والاحتجاجات

ان قضية الحرية على المحك في هذه الاوضاع. فليس عبثا ان تنزل مليشيات الاحزاب الاسلامية في الشوارع في مدن البصرة، لتقوم بحملة متواصلة من الاعتقالات والاختطافات وعمليات الترهيب في المجتمع. فتدرك الاحزاب الاسلامية ان اية خطوة نحو الاصلاح يعني خطوة نحو تراجع نفوذها وامتيازاتها. فليس امامها الا سلاح القمع، ومن الحماقة ان يفكر المرء بانه يمكن ان تتنازل هذه الاحزاب عن قرش واحد سواء مما استحوذت عليه من اموال او مما ستستحوذ عليه. وهذا السر كما اشرنا في العدد السابق دفع حزب الدعوة وبقية اجنحة الاسلام السياسي الشيعي الى لملمة صفوفهم بعد ان عصفت بها عاصفة الصراع على السلطة.

 

دور الطبقة العاملة في العراق وبالرغم من تاريخها النضالي الحافل بالدفاع ليس على مصالحها فحسب، بل على مصالح المجتمع برمته مثلما حدث في الاضرابات ضد رفع سعر الوحدة الكهربائية، او ضد رسوم البلدية في اعوام 1931 و1933 وقد جاء في لائحة مطالب العمال اطلاق سراح السجناء السياسيين، وفي اسقاط وزارة العمري اثر اضرابات عمال نفط كركوك في كاورباغي 1946 او في الاضرابات التضامنية بين عامي 1964 - 1967 لعمال السكاير والبلاستك والجلود والنسيج..الخ، او في حملتها الاحتجاجية ضد مسودة قانون النفط والغاز في 2007، نقول لم تلعب الطبقة العاملة دورها الطليعي الى الان ومن واقع مسؤوليتها التاريخية في الاحتجاجات الجماهيرية في البصرة وعموم مدن العراق كي تحسم الامر لصالح الجماهير المحرومة. وهنا نقصد دور الطبقة العاملة في القطاع الانتاجي مثل النفط والموانئ والكهرباء والغاز والسمنت والطابوق والجلود والنسيج والزيوت وليس القسم غير العامل الذي يشكل العاطلين فيه نسبة اكثر من 23 % حسب احصاءات وزارة التخطيط بالرغم ان الرقم الحقيقي اكبر بكثير ويمثل القوة الرئيسية في الاحتجاجات الجماهيرية. طبعا هناك اسباب عديدة ليس هنا المجال للحديث عنها في هذا العمود، ولكن نركز فقط على نقطة مهمة في هذا المجال، هو ان الماكنة القتالية للعمال بحاجة الى وقت اكثر للتسخين، فهي بحكم غريزتها الطبقية ومجساتها النضالية تضع في حساباتها ادق الامور، ولكنها اذا حسمت امرها بالتدخل عندها ستحسم امر السلطة السياسية بشكل نهائي. والتجارب التاريخية تخبرنا كثيرا في هذا المضمار، فعلى الرغم من محاولات الاعلام البرجوازي طمس حقيقة دور العمال في حسم امر المصير السياسي للنظام الحاكم، الا انها تفشل في تلك المحاولات بشكل مطلق كي تخفي حقيقة الصراع الطبقي. وان اكثر المقولات التي تجن جنون البرجوازية وماجوريها من المفكرين والمثقفين هي مقولة الصراع الطبقي. لان البرجوازية تحاول ابدا ودائما طمس تلك المقولة وتصوير نفسها انها صاحبة المجتمع وانه ليس مقسما الى طبقات لكي تخفي وحشية استغلالها للعمال الذي هو اساس ديمومة سلطتها السياسية وكامل منظومتها القانونية والسياسية. فنظام مبارك حسم اقصائه من السلطة اثر اعلان اضرابات العمال في المواصلات والنسيج ومختلف القطاعات بالرغم من مرور 11 يوم على تظاهرات ميدان التحرير، ونظام زين العابدين اقصي من السلطة بعد اعلان الاضراب العام لاتحاد الشغل، وعودة الى الوراء فنظام الشاه حسم امره بعد اعلان اضراب عمال النفط في ثورة 1979. صحيح ان عمال النفط والموانئ والقطاعات الاخرى اشتركو في تظاهرات البصرة والتي توجت في السابع من ايلول، لكنهم اشتركو كأفراد مثل بقية الشرائح الاجتماعية الاخرى غير المنظمة. اي بلغة اخرى لم تدرك الطبقة العاملة انها اكثر القطاعات تنظيما وكان وما زال بإمكانها تشكيل قيادة موحدة تنير درب الجماهير المتعطشة الى الحرية والحياة الكريمة.

 

وعودة الى مقولة "الاصلاح" التي يتحدث بها الصدر والمرجعية وكل مشايخ ومعممي العملية السياسية، فهي مقولة لذر الرماد في العيون وافيون لتخدير الجماهير حتى تشكيل الحكومة لاعادة نفس الكرة القديمة. فقضية الاصلاح ليست قضية اخلاقية كما يحاول ان يصورها القادة المعممين ومن يتخفى تحت عباءتهم ويتلون بلونهم من اجل حفنة من الدولارات، وعن طريق تغيير الشخصيات تحت مسميات مستقلة او تكنوقراط سينتهي الفساد وينتهي الاستغلال وينتهي عبث المليشيات وتطوي الاحزاب الاسلامية صفحتها في السرقة والنهب.

 

ان الاصلاح اشبه بأصلاح البناية الخربة، فأي ضربة معول او فأس لترميم جزء منها ستنهار البناية بشكل كامل. وقد اثبتت جميع وعود حكومة العبادي الكاذبة في البصرة او غيرها من المدن الاخرى الجنوبية وتنصل الحكومة المحلية من مسؤوليتها على تردي الاوضاع الخدمية ورمي الكرة في ملعب الحكومة المركزية، وجيع فذلكات والاعيب الصدر بالالتفاف على الاحتجاجات وكل تصريحات وبيانات وحَكَمْ المرجعية المجرب لا يجرب منذ عام 2015، بان الاصلاح يعني تدمير العملية السياسية وسلب الاسلام السياسي الحكم والسلطة.

 

وعليه يجب ان نجيد اللعب كما البرجوازية تلعب، فهي عندما تشتد أزمتها تقوم اما بعملية الالتفاف على التظاهرات مثلما فعل الصدر او كما فبركت حرق القنصلية الايرانية وعدد من المقرات الاحزاب الاسلامية واتهام المتظاهرين بها كما صرح أحد نواب قائمة النصر لأفشال فرصة العبادي بالترشح الى ولاية ثانية، او ان تقوم بانقلاب عسكري مثلما فعل الجيش بقيادة السيسي في مصر. علينا نحن ايضا تغيير تكتيكات احتجاجاتنا، الى شكل اخر، وهو اولا تنظيم العاطلين عن العمل في حركة منظمة لها اطارها وقيادتها ولائحتها المطلبية، وثانيا دعوة العمال في القطاع الانتاجي وتنظيماتهم للمشاركة والدعم والتنسيق مع تلك الحركة، وثالثا تنظيم الجماهير في المحلات ومناطق المعيشة وخاصة النساء اللواتي يعملن في تربية الاطفال والمطابخ دون اية اجور. ان التناغم والانسجام بين هذه التشكيلات وتأسيس قيادة موحدة لها ستدفع الاحتجاجات الى مكان اخر وخاصة عندما تشعر باقتدارها وبقدرتها على طرح بديلها لإدارة المجتمع على جميع الاصعدة. فبغير ذلك فأن نظام صدام سيعيد ادراجه ولكن بثوب اسلامي هذه المرة.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018