سمير عادل

القتل المنظم وترسيخ دكتاتورية الاسلام السياسي

 

ثلاث مستويات عملت حكومة العبادي والمليشيات الاسلامية عليها لإنهاء الاعتراض والاحتجاج ولجم الغضب الجماهيري ضد هيمنتها وسلطتها الفاسدة. الاولى اطلاق الوعود الكاذبة في توظيف العاطلين عن العمل، واذا في المحصلة تجد الاف من استمارات طلبات التوظيف مرمية في اكوام النفايات والزبالة التي تزين مدينة البصرة، في الوقت الذي تنفق اي البصرة على جميع مرافق الحياة في العراق بما فيها فاسديها ولصوصها وحراميها في العملية السياسية بنسبة تفوق 90 %. والمستوى الثاني فتح النار من قبل القوات الامنية الحكومية وبشكل رسمي على المتظاهرين لقتلهم، واطلاق حملة من الاعتقالات والاختطافات وتشغيل دولايب التعذيب البعثية القديمة، حيث تم استحداثها من قبل حزب الدعوة الحاكم منذ كان المالكي في رئاسة الوزراء عندما شيد معتقلات وسجون سرية جديدة. والمستوى الثالث هو ما نراه اليوم، بعد ان فشلت حكومة العبادي في ذلك على المستويين السابقين في اسكات صوت المعترضين، لتغض النظر عن تنظيم سلسلة من عمليات القتل المنظم تارة ضد النشطاء والفعالين واخرها قتل النساء

.

اشباح فرق الموت تخيم من جديد على مدينتي البصرة وبغداد، بعد ان تراجع دورها منذ عامي 2006 و2007، عندما كان باقر صولاغ وزير الداخلية وهو كان قياديا في المجلس الاسلامي الاعلى. والمشترك بين تلك الاعوام وبين الان هو مسألتين، الاولى يشغل اليوم منصب وزير الداخلية عضو في مليشيا منظمة بدر الجناح العسكري للمجلس الاسلامي الاعلى قبل انشقاقها عنه، واما المسالة الثانية فهي انتعاش فرق الموت وسريان الدماء في عروقها في ظل قيادة هذه المنظمات لوزارة الداخلية بعد افولها لسنوات

.

مشهدان يبعثان على السخرية، الاول تسويق تبرير قتل الحقوقية سعاد العلي بأنها التقطت صورة وهي واقفة الى جانب القنصل الامريكي في البصرة. واذا طبق هذا المنطق، بان كل شخص يلتقط صورة مع مسؤول امريكي يكفي لتصفيته جسديا، فعلى المجرمين في المليشيات الاسلامية تصفية المالكي لانه صافح بوش الابن واخذه بالأحضان خوفا من سقوط ضربتين من الاحذية بوجهه اثناء مؤتمر صحفي جمعهما في بغداد عام ٢٠٠٨، وكذلك العبادي الذي صافح حتى ترامب العدو اللدود لتمدد النظام الاسلامي في المنطقة، وهادي العامري زعيم مليشيات بدر الذي اقام مأدبة افطار للسفير الامريكي في شهر رمضان المنصرم بعيد الانتخابات التشريعية، واسامة النجيفي الذي كان مثابرا بالسفر الى واشنطن والدعوة الى تقسيم العراق على اساس الفدرالية الطائفية، وخميس الخنجر الذي فتح مكتب في واشنطن عام 2015 لنفس الغرض الذي ذهب اليه النجيفي، او تشكيل فدرالية سنية، واياد علاوي الذي خيب ضنه الامريكان عندما التفوا عليه وبايعوا المالكي في عام 2010 بالرغم من فوزه بالأغلبية في الانتخابات. اما المشهد الثاني فهو ايعاز العبادي بتشكيل لجنة تحقيقية وخلية استخباراتية للوقوف وراء ملابسات حوادث القتل. وهذا يعني اخفاء الادلة التي تؤدي للوصول الى الجناة. فالعبادي الذي افشل جميع الجهود بشكل مباشر او غير مباشر مع سبق الاصرار والترصد، بتوفير مياه صالحة للشرب لسكان البصرة والذي فاقت حالات التسمم حاجز المائة الف، ليس مؤهلا ابدا ان يكون ذلك الشخص المدافع عن حياة الانسان في العراق

.

في بلد تعمه الفوضى السياسية والامنية وتتصاعد اصوات الاحتجاجات وتتسع رقعتها، وبمقدار فشل الحكومة بالرد على مطالب المحتجين البسيطة مثل الكهرباء وتوفير المياه وتنظيف الشوارع والازقة، بنفس المقدار تعجز الة الدولة القمعية بأعاده الناس الى بيوتهم، عندئذ تتناغم اي الحكومة وتنسق بأشكال مختلفة مع المليشيات التابعة للأحزاب، التي تشاركها مصالحها وتتخوف من فقدان امتيازاتها ونفوذها وسلطتها. لقمع الاحتجاجات واغتيال النشطاء

.

 

بيد ان المسالة لا تكمن في هذا الحد، بل ان اختيار شريحة معينة من الناس لتصفيتهم، يعني هناك استراتيجية منظمة من قبل سلطة الاحزاب المليشياتية الحاكمة، مفادها بأنها غير مستعدة للتخلي عن امتيازاتها في السرقة والنهب، كي تعطي الفرصة لتوفير مقومات الحد الادنى لمعيشة البشر في العراق، وبأن الطريق الوحيد هو ترسيخ الدكتاتورية السافرة لمليشيات الاحزاب الاسلامية. ان هذه الاستراتيجية تنبع من تصور بان المجتمع العراقي تسيطر عليه الرجعية والتخلف بحيث انه مهيأ لتصديق اكاذيبها ودعاياتها القذرة، التي بدأتها منذ اليوم الاول للدعاية الانتخابية عندما قامت بتسقيط العديد من النساء المرشحات الى البرلمان. وبالنتيجة تبني هذه الاستراتيجية على ان الاصوات المعترضة لن تكون عالية ولن تكن مدوية وستحقق الهدف من وراء هذه السياسة وهو بث الهلع في المجتمع باقل كلفة وعناء

.

وبالرغم من الهالة التي تحيط نفسها بها هذه الاحزاب الاسلامية سواء عن طريق مرتزقتها وجيوشها الاعلامية او عن طريق ميليشياتها المجرمة الا ان كعب اخيلها هو حرية المرأة. انها تعي جيدا ان اعادة النساء الى البيوت يعني السيطرة على اكثر من نصف المجتمع. وتدرك ايضا ان المرأة اكثر ثورية كما قال لينين بسبب معاناتها من ظلمين؛ الاول كونها عاملة، تعمل في مكان عمل او عاطلة عن العمل مثل الملايين من الشباب الذكور العاطلين او كونها امرأة تعاني من الظلم الجنسي عليها. وعلاوة على كل ذلك انها تمارس العمل المنزلي من تربية الاطفال والطبخ وجميع المسؤوليات البيتية دون اجر

.

ان قتل النساء يعني اسكات صوت الاحتجاج، يعني قمع صوت الحرية، يعني استمرار اشاعة الفقر بألة الرعب والخوف، يعني الاستفراد بالمجتمع، يعني ارساء سلطة المليشيات، يعني ترسيخ دكتاتورية الاسلام السياسي. ان مواجهة هذه الاستراتيجية الجهنمية ليس فقط بأعلاء الاصوات فحسب، بل بتشكيل جبهة مترامية الاطراف من جميع القوى والشخصيات التحررية، تدك ابواب السفارات العراقية في خارج العراق وفي الميادين النضالية المختلفة في داخل العراق، كي ترغم حكومة العبادي او التي ستأتي بعدها بتقديم قادة هذه العصابات والجناة الى محكمة شعبية كي ينالوا العقوبة التي يستحقونها

.

 

...

مقالات

سمير عادل

05/03/2018