نادية محمود

الافقار والاسلمة: ركنا -دولة- الاسلام السياسي في العراق!

ان مصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة والتي كونت "دولة" ما بعد 2003 في العراق والتي تحالف جزء منها مع الغرب (امريكا) وجزء اخر مع الشرق (ايران)، استدعى وجود نوعين من السلطة لادامة سلطتها ومصالحها: السلطة الرسمية "برلمان وحكومة" والسلطة غير الرسمية "العصابات الميلشياوية".

 

ولاجل ادامة مصالح هذه الطبقة، وضعت بقسميها الرسمي وغير الرسمي لنفسها استراتيجية تقف على قائمتين: الافقار والاسلمة! وبعيدا عن لغط الاختلافات فيما بينهم احزاب وميلشيات، قامتا بتقسيم العمل بينهما. فبينما تنتهج الحكومة، وبشكل منظم سياسة افقار المجتمع، تقوم العصابات الميلشياوية بأسلمة المجتمع. وهكذا تظهر هاتين السلطتين وجهان لعملة واحدة. هما سلطة واحدة.

 

وللتذكير وبشكل سريع، بان هذا ليس اكتشاف او ابداع عراقي! بل انه نسخة مستنسخة من ايران بعد ثورة عام 1978. حين كانت سلطة الاسلاميين بقيادة الخميني ضعيفة وفي بداياتها، انشأ الخميني دولة بجوار دولة، الدولة الرسمية، وهي الحكومة والبرلمان، والدولة غير الرسمية وهي الحرس الثوري الايراني وتأسيس المؤسسات الخيرية الاربع العملاقة، التي يطلق عليها (بنيادها- المؤسسات)، التي قوتها تضاهي قوة الدولة اقتصاديا، وهي فوق قانون الدولة. ان حكمة تأسيس دولة بجانب دولة، هي ان اسقطت الدولة الرسمية، تهب الدولة غير الرسمية لنجدتها. انه ابداع في الدفاع عن السلطة. ولكن حديثنا ليس متعلقا بايران الان، لنعد لموضوعنا.

 

دولة الاسلام السياسي الشيعي في العراق التي تنتهج هذه السياسة اي الافقار والاسلمة، ليس بوسعها اصلاح او التراجع عن اي من هذين السياستين، الا بضغط جماهيري حقيقي وجاد وواسع ومنظم، لان اي اصلاح او تراجع يعني بالضرورة فقدان جزء من امتيازاتهم وتصدعا في مصالحهم. ضغط، يجعلها امام خيارين: اما خسارة كل شيء، او خسارة بعض الشيء!

 

فالمجتمع يعاني من بطالة مليونية، حيث، اولا، وضع الرأسمالية في العراق لا يستوجب تشغيل ايدي عاملة كثيرة. فاهم قطاع يضمن للحكومة والميلشيات دخل قابل للتصرف به، يجري تأمينه من النفط، والموانيء وبعض القطاعات. ان تشغيل نصف مليون عامل، يكفي لتحقيق مصالح وارباح الرأسمالية في العراق. البقية سيحالون بالضرورة الى الشارع، والى جيش البطالة. ثانيا، تقديم اي ضمان اجتماعي او بدل بطالة من ميزانية الدولة، سيقرض بالضرورة و يقلل من الاموال التي تحت ايديهم والقابلة للنهب. في دولة لا رقيب فيها ولا حسيب على الميزانية. ما يحدّ من القدرة على السلب والنهب هو شدة المنافسة بين المتحاصصين و توازن القوى بينهم. ثالثا تقوم المؤسسات الرأسمالية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي برشوة الحكومة من اجل ان تقوم بتحرير اقتصاد المجتمع. تمنحها الاموال، باسم القروض، وهي التي تعرف ووفق تقاريرها بانها من افسد الدول في العالم. واخيرا، تقتدي السلطة في العراق بحلفائها من الغرب والشرق، والذين لهم ذات السياسات تجاه شعوبهم، فلماذا يجب عليهم ان يكونوا افضل عطاءات منهم. لذا لن تقوم الحكومة، هذه الحكومة او التي تليها، لانها من نفس الطبقة، بأية اصلاحات، مالم تشعر بان الجماهير امسكت بخناقها!

 

اما مشروع اسلمة المجتمع، يقوم اولا وقبل كل شيء على كراهية وبغض النساء ومعاملتهن معاملة دونية وسلعية ووضعهن في وضع التبعية للرجل واحكام السيطرة الابوية والذكورية عليهن، ويرفض كل اشكال الحرية الفردية والسياسية والشخصية. وكل تحدي او بروز لاي ملمح او مظهر من حياة مدنية، يعتبر تهديد مباشر لهذه السلطة، بكلا ركنيها، الحكومي والميلشياتي. ان تارا فارس ورفيف الياسري، وسعاد العلي وسحر الابراهيمي، اولئك الناشطات في منظمات حقوق الانسان، او اللواتي يشتغلن في مهن جديدة، كالتجميل والمساج وغيره، شكّلن تهديدا لايديولوجية الاسلام السياسي التي ارادت هذه السلطة ترسيخها في المجتمع على امتداد عقد ونصف . الا انها فشلت. ان قتل هؤلاء النساء العّزل عبّر عن حقيقة فشل المشروع الاسلامي في العراق. الحقيقة التي لا تريد الحكومة وميليشياتها تصديقها او قبولها. ان ماقامت به هؤلاء النسوة هو سعي واضح في الدفاع عن نمط حياة مختلف، اخر، حقوق اخرى، مدنية، غير خانعة، متحدية، جسورة، جريئة وشجاعة. ان شجاعتهن، وتحديهن في مجتمع تحكمه الميلشيات امر يستحق ويجب الافتخار به.

 

الا ان الامر هو كالتالي: ان دولة تقوم على قائمتي الافقار والاسلمة، وتظن انها تستطيع ان تخلّص نفسها من مسؤولية الاجابة على حاجات الناس عبر النهب واستخدام قوة السلاح، لم و لا يمكن ان يستوي لها الامر. حين يكون الشباب في حالة جوع، ليس لديهم حتى اجور مواصلات للتنقل. حين يكون الخريج عاجزا عن التقدم لخطبة فتاة يحبها، لانه بدون دخل، حين لا يكون لديه ما يفقده في النضال سوى قهره ويأسه، سيقاوم، وسيحتج، سيتظاهر. وان لم يحرقوا مقرات الاحزاب في ايلول 2018، لانهم مؤمنين بسلمية التظاهرات. لن يمنعهم يأسهم واحباطهم وفقرهم، من يصعدوا وتيرة احتجاجاتهم، ولن ينفعهم معها لا ندم هادي العامري ولا اعتذاره، ولا وعود ال10 فرصة عمل! دولة عجزت على امتداد 15 عاما من ان تقنع فتاة في العشرين بصحة نمط الحياة الاسلامي، لن تستطيع ان تقنع اية امرأة اخرى، الا اذا قامت بابادة النساء.

 

انهم اعلنوها حربا على المجتمع، على الفقراء والنساء. الا ان الجماهير بدأت بتنظيم قواها: اتحاد العاطلين عن العمل يـتأسس في الزبير في البصرة، رابطة الاحتجاجات المستقلة تتشكل في بغداد، الشباب، النساء، العاطلون عن العمال، العمالة الهشة، يمضون الى تنظيم انفسهم. ان عصابات ارعبتها النساء العّزل من امثال رفيف و تارا، سترتعد فرائصها بالتاكيد من حركة الجماهير المنظمة.

 

 

مقالات