سمير عادل

اين نقف من الحكومة الجديدة؟

من السخف ان يتصور المرء، ان ما تم التوافق عليه في تحديد الرئاسات الثلاث بدءا من الحلبوسي ومرورا بصالح وانتهاء بعبد المهدي، بأن الحكومة الجديدة او المقبلة ستكون فوق مستوى الشبهات، او كما يريد ان يسميها مقتدى الصدر حكومة تكنوقراط ورئيسها مستقل لا ينتمي الى اي من الاحزاب الاسلامية وحتى لو لم يشرك كتلته في تشكيل الحكومة. فالمحتوى السياسي والاجتماعي لحكومة عبد المهدي سوف تكون معادية بأمتياز للعمال والكادحين ومحرومي المجتمع.

 

التقسيم الجديد للرئاسات الثلاثة لم يكن خارج عملية المحاصصة القومية والطائفية، بل كان اعادة لإنتاجها. وليس مهما من الذي انتصر في الصراع على تشكيل الحكومة، سواء كانت ايران او امريكا، بل المهم اتفاق الاثنين للحفاظ على ادارة الازمة السياسية وترحيل انفجارها الى المرحلة المقبلة.

 

نقطتان غٌيَبَتْ على تشكيل الحكومة؛ الاولى المقاطعة الجماهيرية للانتخابات التي وصلت الى اكثر من 80 %، والثانية الغضب العارم الذي اشتعل في البصرة ليجتاح بقية المدن الجنوبية. بمعنى اخر ليس كما يروج افاقي العملية السياسية، تغليب "المصلحة الوطنية" او "الفضاء الوطني" والذي يراد به كذبا وخداعا مصلحة الشعب هي وراء تشكيل الحكومة. فصحيح ان جماهير البصرة بريئة براءة الذئب من دم يوسف في حرق مقرات الاحزاب الاسلامية يوم ٧ ايلول في البصرة وبعدها حرق القنصلية الايرانية، ولكن الصحيح ايضا لم تخفي الجماهير تنفسها الصعداء ولا الزفير الذي اطلقته عندما رأت دخان الحرائق يتطاير من تلك الابنية، بالرغم من ان عملية حرق المقرات بما فيها القنصلية الايرانية وتسميم مياه الشرب واختطاف المتظاهرين وقتلهم كانت جزءا من الصراع السياسي للاطاحة بخط العبادي الذي تمادى بطأطأة الرأس للسياسات الامريكية على حساب مصالح ايران في العراق. وهذا ما دفع الاحزاب الاسلامية ان تتراجع خطوة الى الوراء في الظل كي تعيد ترتيب صفوفها واصطفافاتها كي تحصل على المناصب والمراكز باقل ما يمكن من صداع وضجيج بعد مشاهدتها لمكانتها وموقعها قد تآكلت الى مستويات قياسية.

 

عادل عبد المهدي سواء كان متورط مع جماعته في السطو على مصرف الزوية في بغداد وسرقة الملايين من الدولارات في عام 2009 او لا، وسواء كان كما يشاع حوله انه متورط مع اعضاء من المخابرات الايرانية بأغتيال عبد الرحمن قاسملو سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني في اجتماع في فيينا في النمسا عام 1989 ام لا، وسواء كان متهم بتدبير صفقات نفطية مشبوهة مع شركات نفطية امريكية عندما كان وزيرا للنفط في حكومة العبادي او لا، وسواء كانت اياديه ملطخة بدماء عشرات الشيوعيين عندما كان عضو في الحرس القومي اثناء انقلاب 8 شباط 1963، فأنه في النهاية ابن العملية السياسية التي بنيت على اساس المحاصصة واحد عرابيها، وكان ينعم بكل خيرات الفساد عندما شغل ولمرتين متتاليين منصب نائب رئيس الجمهورية عن المجلس الاسلامي الاعلى بينما كانت جماهير العراق تتلوى من حرارة الصيف وتشد الاحزمة على بطونها من شدة الجوع. ان من يمتلك سيرة ذاتية مثل عادل عبد المهدي لن يغير من منهجه السياسي لا من قريب ولا من بعيد، استقالته من المجلس الاسلامي الاعلى او عدم انتمائه الى اي حزب اسلامي.

 

من هنا نقول ان اتفاق جميع القوى الاسلامية المتورطة بالنهب المنظم والسرقة والاختطاف والقتل عبر مليشياتها وكل حسب مقدرته على شخص مثل عادل عبد المهدي كي يكون رئيسا للوزراء بحد ذاته يكشف عن محتوى الحكومة المرتقبة.

 

بيد ان مصيبة عبد المهدي بالنسبة لجماهير العراق لا تكمن بأنه ابن العملية السياسية ولا لتزكيته لمنصب رئيس الوزراء من قبل القوى الاسلامية والمرجعية، ولا من ماضيه التليد، بل تكمن المصيبة انه واحد من عرابي ارتهان ثروات جماهير العراق النفطية في البنوك الغربية عبر تمريره "قانون شركة النفط الوطنية" بعد خصخصة القطاع النفطي وسلبه حمايتة السيادية وتحويله الى ملكية شركة خاصة، وكان مهندس القانون المذكور وعرابه الاول والاخير هو عادل عبد المهدي. ومن يتفحص هذا القانون "انظر- افتتاحية العدد 437" يدرك ان عبد المهدي احد منفذي سياسة الليبرالية الجديدة في العراق، وهو امتداد للعبادي والمالكي، ويعني تشديد افقار المجتمع، وتشديد ظروف عمل العمال، ويعني الاستمرار بعمل عقود العمال وعدم تحويلهم الى الملاك الدائم ليحرمهم من شمولهم بقانون التقاعد والضمان الاجتماعي والابقاء على اجورهم القليلة التي لا تكفي حتى سد رمقهم، فما بالك بالذين يعيلون اسر وعوائل كاملة مثلما يحدث الان للالاف من العمال في الكهرباء والبلديات والدوائر الحكومية الخدمية الاخرى. ويجيز " قانون النفط الوطنية" الذي مرر بكل هدوء في البرلمان في ٥ اذار من هذا العام وصادقت عليه رئاسة الجمهورية دون اي تأخير، تخويل المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والنبك الدولي وصندوق التنمية الامريكي بوضع اليد على اموال النفط فيما لو لم ينفذ العراق شروط تلك المؤسسات التي تلزم الحكومة العراقية بخصخصة المصانع والمعامل والخدمات والتربية والتعليم والصحة وعدم الزام الدولة بتوفير فرص العمل في القطاع الحكومي وتسديد الديون تترتب عليه فوائد مهولة.

 

بعبارة اخرى نقول ان التوهم بالحكومة الجديدة يعني اطالة عمر المعاناة الاقتصادية والاجتماعية وتشديد الفقر، ويعني منح الفرصة لإصحاب المليارات التابعين للاحزاب الاسلامية والقوى القومية المتحالفة معها للاستثمار في عرق وجهد ورفاه جماهير العراق. لقد نبهنا من قبل بعدم التوهم بالمالكي ثم العبادي بالرغم كان ضجيج الاقلام المأجورة تثقب طبلات آذان الجماهير وتعمي العيون كي تحجب عنها الحقيقة وتزورها بأن الخير والامن والاستقرار سيعم العراق، والان ننبه الجماهير ان لا تنتظر خيرا من عبد المهدي فهو بن نفس المؤسسة التي جلبت كل ويلات والمآسي لجماهير العراق.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018