سمير عادل

الاصلاحات بين القمع ونشر الاوهام

عندما تغلق عليك كل الطرق، وعندما تنعدم الافاق امامك، فليس هناك خيار بين الانتظار او الموت يأسا. هذه هي السياسة الجديدة التي تتبعها سلطة الاحزاب الاسلامية الحاكمة، سواء بقيت حكومة تصريف اعمال برئيسها الساموراي الاخير لحزب الدعوة وهو حيدر العبادي، او إذا جاء عبد المهدي بحلته الاسلامية الطائفية- الليبرالية الجديدة- او بحلته الاقطاعية القديمة. فتخيل فقط كيف ستكون سياسة الحكومة الجديدة إذا كان رئيسها نزع الثوب الاقطاعي ليلبس ثوب الليبرالية الجديدة، التي اساتذتها السياسيين جورج دبليو بوش وديك تشيني ورامسفيلد مهندسي احتلال العراق.

 

القمع الذي تتعرض له جماهير البصرة وبشكل وحشي من قبل الحلف الثلاثي المقدس؛ الحكومتين المحلية والمركزية ومليشيات الاحزاب الاسلامية وتحت مرأى ومسمع العالم، هو سياسة العصا الغليضة المراد استخدامها ضد كل من يعترض على عدم وجود المياه النظيفة للشرب والكهرباء وفرصة عمل. والادهى من كل هذا تغاضي او غض الطرف اذا لم نقل التنسيق الفاضح بين القوات الحكومية وبين المليشيات، التي ترتكب الجرائم المروعة بحق المحتجين، حيث يصرح قائد شرطة البصرة بأن جميع الجرائم التي ترتكب في البصرة هي جنائية وليس لها علاقة بالإرهاب.

 

من الجانب الاخر تنثر الاقلام المأجورة الاوهام حول المن والسلوى التي ستمطرها سماء حكومة عادل عبد المهدي. وقد بدء عبد المهدي بأكبر عملية خداع اكل عليها الدهر وشرب لتدشين عمر تأسيس حكومته، عندما اعلن عبر موقعِ الكترونيِ لمليء المناصب الشاغرة التي تتكون من ٢٢ حقيبة وزارية. وبهذه الخدعة التي لم تطول اذ سرعان ما كشف عنها بعد ان قدم لها الاف من العاطلين عن العمل من اصحاب الشهادات الجامعية، واصبحت مناورة مفضوحة بأنه لن يقبل المستقلين عن الاحزاب السياسية، اذ كان يريد ان يطلي على الجماهير لعبة بأن تشكيل حكومته ستكون بعيدة عن المحاصصة الطائفية والقومية، وانه سيكون رئيسا لكل العراقيين وليس سمسارا بين الشركات الاجنبية والمؤسسات المالية الدولية، وبين الاحزاب السياسية لتمرير مشاريعها الاقتصادية والسياسية في العراق، وفي نفس الوقت سوطا غليظا لا يرحم على ظهر العمال والمحرومين اذا ما اعترضوا على تلك المشاريع ليعيد امجاد اجداده الاقطاعيين في جلد الفلاحين. ومن جهة اخرى كي يبين انه ينوي محاربة البطالة، وهو العارف الذي لا يعرف بأن ملئ الحقائب الوزارية وعبر كل بلدان العالم الديمقراطية والدكتاتورية لا يتم اختيارهم عبر التقديم على الوظائف العادية، ومن خلال ارسال السيرة الذاتية انما يتم اختيارهم بشكل سياسي. ولكن لا ضير بعبد المهدي فهو ليس اول شخص في العملية السياسية يحاول الضحك على ذقون الجماهير.

 

مسالتان لا بد من التنويه اليهما كي تعي الجماهير العمالية والكادحة والمحرومة حقيقة محتوى السلطة السياسية في العراق وبغض النظر عن الحكومة التي تنبثق عنها، الاولى ان سلب كل المقومات البسيطة لبقاء الانسان على قيد الحياة وليعيش بالحد الادنى لأدميته، مثل توفير المياه الصالحة للشرب ووجود شبكات الصرف الصحي والكهرباء والطرق المعبدة وازقة خالية من النفايات والحدود الدنيا من الطبابة، مرتبطة بشكل مباشر بعمليات السلب والنهب والفساد التي مارستها الاحزاب الاسلامية والقومية عبر العملية السياسية، التي اقيمت على اساس المحاصصة والتي تدور دواليبها حتى الان.

 

اما المسالة الثانية وهي ان توسيع دائرة افقار الجماهير يتم عبر سياسة التقشف من خلال الضرائب على السلع الغذائية والاتصالات وبطاقات السفر وغيرها، وعدم تحويل عمال العقود الى الملاك الدائم في البلديات والكهرباء والنفط وبقية القطاعات الاخرى، لإبقاء اكبر عدد من العمال تحت الحد الادنى للأجور حيث لا يتقاضى عمال العقود اكثر من ٣٠٠ الف دينار شهريا مع المماطلة والتأخير بالدفع، ومن جهة اخرى لسلبهم وحرمانهم من حقوق التقاعد والضمان الاجتماعي، كما ان تسريح عمال القطاع العام في ٢٠٠ معمل ومصنع من خلال سياسة الخصخصة وتحويلهم الى السن التقاعدي، او نقلهم الى وزارات اخرى بعيدة عن تخصصاتهم وتنصل الحكومة سواء من توفير فرص العمل او من تشريع قانون ضمان بطالة، الى جانب سياسة خصخصة التعليم والصحة والخدمات التي تجري على قدم وساق، هي سياسة منهجية تهدف الى ربط العراق بالسوق الرأسمالية العالمية. اي ما نريد ان نقوله لم يبق في خزينة العراق ما يسرق فما بالك ان ينفق على الخدمات من جهة، ومن جهة اخرى ستستمر دائرة توسيع الفقر عبر استثمار الاموال المنهوبة والمسروقة لشراء كل القطاع العام من المصانع والمعامل والمستشفيات والمدارس والجامعات والمواصلات، لإعادة هذه المرة استثمار الانسان بأبشع مدياته.

 

ان هذا التحليل يقودنا الى استنتاج انه ليس امام سلطة الاحزاب الاسلامية الحاكمة سوى القمع بكل الاشكال كما يحدث اليوم في البصرة، وفي نفس الوقت فتح باب الانتظار مرغما على الجماهير كي تصدق الاوهام حول حكومة عبد المهدي. وستكون النتيجة بالتالي خلق الياس والاحباط وعدم الجدوى في عموم المجتمع كي تتفرد تلك السلطة بالمجتمع دون اي رادع.

 

لنتعلم الدرس من جماهير البصرة، ولنتذكر مهلة ١٠٠ يوم التي طلبها المالكي في انتفاضة ٢٥ شباط ٢٠١١، وحزمة الاصلاح التي دعى اليها العبادي في تظاهرات تموز ٢٠١٥، واخيرا وليس اخرا الوعود الكاذبة حول إطلاق الاموال للخدمات والوظائف في البصرة والمدن الجنوبية في ٨ تموز ٢٠١٨، نقول لنتعلم الدرس ان من يبحث عن الاصلاح في ظل سلطة الاسلام السياسي كمن يحاول ان يجمع ماء في برميل مثقوب

مقالات

سمير عادل

05/03/2018