نادية محمود

الثقافة السائدة لم تعد ثقافة الطبقة السائدة في العراق!

مقولة ماركس بان الثقافة السائدة هي ثقافة الطبقة السائدة توضح وبشكل جلي بان للطبقة البرجوازية الحاكمة ادواتها ووسائلها المختلفة من اجل تحميق وتبليه البشر، من وسائل اعلام ومن مناهج دراسية ومن استخدام المؤسسات الدينية، ومن ترويج لعادات وتقاليد وطقوس وممارسات ساعية لقولبة اذهان الناس من اجل ان تضمن هيمنتها عليهم، ولاجل قبولها بقوانينهم، والرضوخ لارادتهم. الا ان ما تقوم به الطبقة السائدة في العراق من اعمال ارهاب، ومن جرائم، قد أفشل كل مساعيها بان تحول ثقافتها الى ثقافة سائدة في المجتمع.

 

ان ما تسعى اليه الطبقة البرجوازية في العراق هو فرض ثقافة، ونمط حياة اجتماعي يتنافى ومع تطلعات الناس في العراق. حيث تقوم هذه الطبقة، بمؤسساتها الرسمية وغير رسمية من حكومة وميلشيات، باعمال عنف وقتل بحق الرجال والنساء، الشباب والمراهقين، ساعية الى حرمان الافراد من التمتع بحقوقهم المدنية والفردية، وقمع اي مخالف لنمط الحياة الذين يريدوا فرضه على المجتمع. تقوم الميلشيات بهذه الجرائم وسط فقدان تام وكامل وشامل لاي شكل من اشكال القانون والعقوبات لردع ولمحاكمة المجرمين.

 

لقد سعت، الاحزاب والميلشيات على فرض اسلمة المجتمع وبالقوة، عبر قمع حرية التفكير وحرية التعبير عن الذوق الشخصي، والخيار الشخصي ودشنت استراتيجيتها باسلمة المجتمع منذ شهر اذار من عام 2003 بالهجمة على طلبة جامعة البصرة وسفرتهم السياحية واردت قتلى وجرحى منهم الى هذا اليوم، بقتل الشاب كرار حيدر، ورفيف الياسري، وتارا فارس والمراهق المطيري ذو الخمسة عشر عاما لعرضه صور شخصية على الانستغرام، واعتقال صاحب مكتبة في قضاء الشطرة بتهمة الالحاد.

 

ان نفاق هذه الاحزاب يتضح حين تقوم في اوقات الانتخابات، بتغيير اسماء كتلها واحزابها من اسماء دينية الى اسماء مدنية من اجل الحصول على اصوات الناخبين، الا انها تحافظ في جوهرها على نزعتها الاسلامية ومساعيها لاسلمة المجتمع وبالقوة، سواء من فوق عبر فرض قوانين اسلامية، او من الاسفل عبر ارهاب المجتمع، من اجل ارغام افراده على القبول بنمط حياة اسلامي هدفه الاول والاخير، في واقع الامر، هو اخضاع الناس لقوانينهم، في اوقات الانتخابات بالظهور بمظهر المدنية، ومن ثم العودة مرة اخرى الى حقيقتهم وجوهرهم بفرض نمط حياة رجعية على المجتمع، تنسجم وقوانينهم الاسلامية.

 

الا انه رغم كل اعمال القمع، تتطلع الناس الى التمتع بنمط حياة مدنية، نمط يمارس فيه الافراد حقوقهم الفردية والشخصية من قبيل اختيار انواع المهن، كالتجميل والازياء، او الترويج للظهور على وسائل الاعلام الاجتماعي. فالمجتمع يقاوم ومستمر في مقاومته من اجل التمتع بحياة مدنية، وما التظاهرات الاخيرة التي خرجت للشارع ادانة واستنكارا لمقتل سعاد ورفيف وتارا الا تعبيرا عن هذا الرفض لسياسة تلك الحكومة، واحزابها وميلشياتها. ان اعمال العنف الاخيرة تبين ان خمسة عشرة عاما من مساعي الاسلمة قد فشلت في فرض نمط حياة غير مدني على المجتمع.

 

ان هذا الرفض يزداد والاصوات الاحتجاجية ترتفع اعلى فاعلى من قبل الجماهير التي لم تعد تحتمل كذب ونفاق هذه الاحزاب والميلشيات وما تقوم باعمال نهب وفساد وتزوير، وليس لم تقدم شيئا للمجتمع، بل جلبت الحروب والمصائب لابناء وبنات هذا البلد. لذلك يتمحور جوهر الرفض والاستنكار لجرائم العنف بحق النساء والشباب بأنهم لم يقوموا بنهب وسرقة احد، لم يقوموا باشعال الفتنة الطائفية، لم يقوموا بمجزرة سبايكر ولم يكونوا مسؤولين عن تسليم الموصل الى داعش، في اشارة الى ان كل تلك قامت بها الاحزاب الاسلامية الحاكمة وميلشياتها.

 

لقد نفذ صبر المجتمع ولم يعد يحتمل المزيد، لذلك اصبح يدافع عن مدنية المجتمع وحقوق الافراد كصرخة رفض بوجه هذه الاحزاب بوجه العنف والقتل والتجهيل الذي تقوم به هذه الاحزاب. ان المجتمع لهو اكثر مدنية ودفاعا عن الحقوق الفردية والشخصية، وان ثقافة الطبقة السائدة، فشلت، لكثرة ما ارتكبت من جرائم، من ان تحول ثقافتها الى ثقافة للمجتمع. ان تنظيم التظاهرات والتجمعات الان، وجمع التواقيع، كما تقوم به الان رابطة الاحتجاجات المستقلة، ومختلف الاشكال الاحتجاجية الاخرى هي تعبير عن نضال الناس للدفاع عن حقوقهم المدنية والفردية والشخصية بوجه هذه الطبقة التي تريد مصادرتها منهم، من اجل احكام سيطرتهم عليها.

 

مقالات