سمير عادل

بمناسبة العام الدراسي الجديد.. تدمير التعليم من اجل خصخصته

عندما عين بول بريمر كحاكم مدني لسلطة الاحتلال بعد غزو العراق في ٢٠٠٣، وضع خطة طموحة لخصخصة جميع مرافق الاقتصاد والمجتمع من الصحة والتعليم والخدمات وتصفية الشركات والمصانع والمعامل المملوكة للدولة. وقد جلب بدوره عدد من المستشارين يعملون مع المسؤولين العراقيين في الوزارات المعنية لتنفيذ استراتيجية الخصخصة، التي مفادها رفع يد الدولة عن جميع مسؤولياتها تجاه المجتمع. وكان يطمح بريمر خلال فترة توليه للسلطة في العراق بأنجاز مهمته لان الدماء كانت مازالت على الارض قبل ان تتحول الى نهر اذا لم نقل الى بحر، وهي البوصلة التي ترشد انصار مدرسة شيكاغو الاقتصادية لتنفيذ سياسة الليبرالية الجديدة في البلد المعني.

 

ما زرعه بول بريمر نأكل ثماره المرة اليوم في العراق. وعلى الرغم من اقتتال الاخوة الاعداء في العملية السياسية لتغليب الهويات الطائفية، وعلى الرغم مما فعلته فرق الموت عندما كانت تثقب بالة الدريل عيون الابرياء بعد الحكم عليهم بالتصنيف الطائفي سواء كان شيعيا او سنيا، وعلى الرغم مما كان يستقبل الطب العدلي في بغداد يوميا على الاقل مئة جثة مجهولة الهوية، وعلى الرغم مما اصاب اسماك نهر دجلة بالتخمة اذا لم نقل بالتسمم للكثرة جثث عاثري الحظ التي كانت ترمى اليها، الا ان الجميع بجعفريه وعلاويه ومالكيه وعباديه وجبوريه ومشهدانيه وهاشميه ونجيفيه وطلبانيه ومعصومه وصدره واليوم بمهديه وصالحه، لم ينحرفوا قيد شعرة عن معلمهم الاقتصادي بول بريمر، ولم يشك صندوق النقد الدولي والبنك الدولية بوفاء اولئك الاخوة الاعداء لمدرسة شيكاغو الاقتصادية، التي تسير سياستها الاقتصادية بخطى حثيثة في العراق.

 

لا يختلف ميدان التعليم عن ميدان الكهرباء على سبيل المثال بتنصل الدولة والمؤسسات الحكومية عن مسؤوليتها تجاهه. فصحيح ان عامل الفساد لعب دورا كبيرا في تخريب تلك الميادين اضافة الى الميادين الاخرى، لكن الفساد كان عاملا من مجموع العوامل ضمن خطة استراتيجية متكاملة لخصخصة جميع القطاعات الحكومية.

 

ان سرقة اموال بناء المدراس ونهب ميزانية اعمار ما خربته الحرب والعمليات الارهابية، وتكديس اكثر من ٥٠ طالب في الصف الواحد وعدم توفير التدفئة والتبريد فيه، وافتراش الطلبة الارض بدلا من الجلوس على الرحلات وفيضان المرافق الصحية في المئات من المدراس في طول العراق وعرضه، كما وغض الطرف عن عمليات التدريس التي يتخللها استخدام العنف ضد الطلبة من قبل المعلمين والمدرسين، وتنصل الاخيريين عن اعطاء الدروس بشكل علمي لدفع الطلبة على اخذ الدروس الخصوصية، والابتزاز المتبادل بين الطلبة والمدرسين لاجتياز المراحل الدراسية دون حصول الطلبة على مادة علمية كافية، وعمليات الغش التي تستخدم فيها اكثر التقنيات العلمية تطورا، كل هذه الظواهر هي سياسة ممنهجة من الحكومة والاطراف المعنية لدفع اهالي الطلبة نحو الذهاب الى المدراس الاهلية، التي تنمو كالفطر في جميع المدن وخصوصا في مدينة بغداد. وعلى صعيد التعليم العالي فلا تختلف اوضاع المعاهد والجامعات الحكومية كثيرا. ولا بد ان نتوقف هنا عند نقطة لتسليط الضوء عليها وهي رفع معدلات الدرجات الامتحانية للدخول الى المعاهد والجامعات. انه اي رفع معدلات الدرجات سياسة تصب في دفع الطلبة للدخول الى المعاهد والجامعات الاهلية. فتقليل عدد المقاعد الدراسية في المعاهد والجامعات الحكومية يراد من ورائه انعاش التعليم الاهلي، وهذا هو السر الذي يقف وراء افتتاح عشرات الجامعات الاهلية في بغداد وبقية المحافظات. ان سياسة رفع معدلات الطلبة في ظل سلطة الاحزاب الاسلامية تتطابق مع نفس السياسة في ظل النظام البعثي ابان الحرب العراقية - الايرانية، الا ان الفارق هو بين اهداف تلك السياسة. فهدف سياسة النظام البعثي كان من اجل تجنيد اكبر عدد من الشباب وسوقهم الى جبهات القتال، في حين ان هدف سياسة سلطة الاحزاب الاسلامية هو ملئ المقاعد الدراسية في المعاهد والجامعات الاهلية، التي معظمها افتتحت من الاموال المنهوبة والمسروقة خلال مواسم حصاد الفساد.

 

التعليم والتعليم العالي هو حق بديهي من حقوق الانسان، وان الدولة مسؤولة بشكل كامل على ضمان هذا الحق. بيد ان سلطة الاحزاب الاسلامية تحصر هذا الحق لمن يملك المال. اي ان العمال واسرهم الكادحين واسرهم الذين يشكلون الاغلبية المطلقة من جماهير العراق يحرمون من حق التعليم والتعليم العالي، كي يكونوا فريسة سهلة لخرافاتها وترهاتها ووقودا بشرية لميليشياتها المجرمة. وعندما يحرم عموم المجتمع من حق التعليم وعندما يعمم الفقر عندئذ تضمن الاحزاب الاسلامية استمرار انتاج سلطتها وديمومتها وتكريس ثقافتها الرجعية والمنحطة المعادية حتى النخاع للقيم الانسانية.

 

ان النضال من اجل حق التعليم المجاني سواء كان في المراحل الابتدائية والمتوسطة والاعدادية او في المراحل ما بعدها لا يقل اهمية عن النضال من اجل حق ضمان البطالة. فالتخلف والجهل الى جانب الفقر هو اهم سلاح لسلطة الاحزاب الاسلامية البرجوازية في تكبيل وتجهيل الجماهير للحيلولة دون التحرر والعيش الكريم.

 

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018