عادل احمد

دروس من تجربتين للثورة العمالية، كومونة باريس واكتوبر الروسية!

تمر هذه الايام الذكرى الاولى بعد المئة لقيام اعظم ثورة في تاريخ البشرية وهي ثورة اوكتوبر الاشتراكية الروسية. هذه الثورة التي كانت انعطافا مهما في تاريخ النضال الطبقي وتركت بصماتها طوال القرن المنصرم وحتى يومنا هذا.. ومن هنا يجب على الاشتراكيين والطبقة العاملة تقييم واستخلاص الدروس والاستنتاجات من هذه الثورة والتي لم تكمل مشوارها واهدافها الاصلية وهي بناء الاشتراكية والقضاء على نظام العمل المأجور والرأسمال. ان النقد الاشتراكي والعمالي لتجربة الثورة الروسية موضحا بشكل مادي وديالكتيكي في ابحاث الشيوعية العمالية وادعو القراء لدراستة وخاصة بحث " الخطوط العامة للنقد الاشتراكي في تجربة الثورة العمالية في الاتحاد السوفيتي" لمنصور حكمت والذي يقيم ثورة اوكتوبر من منظور صراع الطبقات والافاق الاجتماعية للطبقات الرئيسية في المجتمع الروسي. ان النقد الاشتراكي والعمالي اي النقد من المنظور المادي للتاريخ بين الحركات الاجتماعية ومساراتها السياسية والاجتماعية وكذلك توفير المستلزمات المادية لهيمنة الطبقة العاملة على جميع الاصعدة ونجاح الاهداف الرئيسية للثورة.

 

ان ثورة اوكتوبر الروسية لم تكتمل اهدافها الرئيسية، الاهداف الحقيقية والتي حدثت الثورة من اجلها وهي القضاء على استغلال الانسان للانسان عن طريق القضاء على نمط الملكية الخاصة لوسائل الانتاج الاجتماعية وعن طريقها القضاء على العمل المأجور والقضاء على التناقض بين القوة المنتجة والشكل الاجتماعي للملكية. ان ثورة اوكتوبر الروسية جاءت بعد فشل تجربة كومونة باريس كأول ثورة عمالية في التاريخ الحديث . وان الدروس التي استخلصت من فشل تجربة كومونة باريس لم يتم دراستها بدقة وبعناية من قبل البلاشفة والاشتراكيين ولم يتم تجاوزها

 

نحو النجاح رغم نجاح الثورة الروسية والطبقة العاملة في استلام السلطة و تم كبح مقاومة الطبقة البرجوازية السياسية والعسكرية امام السلطة العمالية وتم تحقيق الشوط الاول من مهام الديكتاتورية البروليتارية وهي بناء السلطة العمالية القوية في اكبر دولة من حيث المساحة الجغرافية واكثر الدول الاوروبية الراسمالية رجعية والتي كانت بقايا الاقطاعية مازالت قاىمة بموازاة صعود نمط الانتاج الراسمالي والطبقة البرجوازية . ان اسباب الفشل التي ادت الى اسقاط السلطة العمالية في كومونة باريس تم تكرارها مرة اخرى في تجربة الثورة الروسية ولكن بشكل اخر.. على الرغم من الملاحظات على تجربة كومونة باريس التي اشار اليها كل من كارل ماركس وفريدريك انجلس في كتاب (الحرب الاهلية في فرنسا) وتناول فيها بشكل مفصل وواضح تجربة الثورة العمالية في باريس و تحديد المهام الرئيسية لمراحل الدكتاتورية البروليتارية والتي وضحها انجلس اكثر بأن حتى السلطة العمالية اذا لم تقم بتغيير السلطة الاقتصادية من الرأسمالية الى الاشتراكية فأن سلطة العمال السياسية ليس بأمكانها المقاومة والاستمرار وسوف يتم استرجاعها بالدم والنار! .. ولكن هذه الامور تكررت بشكل اخر اي لم تسترجع البرجوازية السلطة

عن طريق الحروب واحتلال المدن ولكن تمت عن طريق عملية التاريخية طويلة ومعقدة والنتيجة كانت نفس الشيء وهي تجريد العمال من السلطة وقمعها بالحديد والنار كما رأينا في التجربة الستالينية ومن بعدها.

 

ان فشل تجربة الثورة العمالية في باريس على الرغم من قساوة ردة الفعل البرجوازية على السلطة العمالية وسفك دماء من اكثر العمال خبرة وبطولة من العمال الباريسيين ولكن استطاعت الطبقة العاملة في اوروبا استيعاب فشلها وتجاوز محنتها .. ولكن فشل تجربة الثورة الروسية كانت مختلفة في شكلها على الرغم من حصول النتيجة نفسها ولكن انتهت بشكل اكثر دراماتيكية وماساة وانتهى ما نراه في الوقت الحالي من معانات الطبقة العاملة والحركة الاشتراكية والشيوعية للطبقة العاملة.ان تجربة كومونة باريس استطاع الطبقة العاملة العالمية استيعاب فشلها ، ولكن تجربة ثورة اوكتوبر لم يكن سهلا على الطبقة العاملة استيعابها وهي مازالت تعاني من عبء هذا الفشل حتى يومنا هذا.

 

في ذكرى ثورة اكتوبر علينا ان نكون اكثر حذرا من تكرار تجربتين للثورة العمالية لنفس السبب وهي عدم اكتمال المهمة الرئيسية والجوهرية للثورة الاشتراكية الى النهاية والتي تكمن في الثورة الاقتصادية اي تحويل الاقتصاد البرجوازي الى الاقتصاد الاشتراكي عن تحويل الملكية البرجوازية على الوسائل الانتاج الى الملكية الاشتراكية لوسائل الانتاج.. وان تحقق الاشتراكية وتحويل وسائل الانتاج لا يتم على مراحل كما بين التجربة الروسية وانما يجب اتمامها بعد ترسيخ السلطة السياسية مباشرة. اي ان بعد استلام السلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة عن طريق الثورة والقيام بدكتاتورية البروليتاريا، هناك مهمتين رئيسيتين لهذه الدكتاتورية البروليتارية وهي اولا ترسيخ السلطة السياسية للطبقة العاملة و تدمير مقاومة الطبقة البرجوازية المهزومة سياسيا وعندما تنهي الطبقة العاملة هذه المهمة تبدأ المهمة الثانية والرئيسية في الثورة الاشتراكية وهي تجريد الطبقة البرجوازية والرأسمالية من سلتطها الاقتصادية عن طريق تشريك وسائل الانتاج والقضاء على الملكية الخاصة للبرجوازية وبدورها تنهي العمل الماجور واستغلال الانسان بيد الانسان.

 

ان النقد الاشتراكي والعمالي في تجربة الثورة الروسية يوضح فشل الطبقة العاملة في اكمال مسيرتها التاريخية ..بينما جميع اشكال النقد التي تتراوح بين النقد الديمقراطي او الضعف الفكري للبلاشفة او الانحرافات النظرية ليس شيئا جوهريا في معرفة الفشل الحقيقي لثورة اكتوبر ولا توصل الى النقد الحقيقي الذي يجب على الطبقة العاملة ان تستوعبه في ثورتها القادمة. و من الجدير بالذكر قول شيء اخر وهو ليس الفشل في تحقيق الهدف النهائي للثورة يجب بحثه في سياق الافكار الماركسية المجردة او حتى في خصوصيات الطبقة العاملة وامكانياتها وانما يجب بحثه في نطاق الحركات الاجتماعية الحية للمجتمع اي ان الثورة الاشتراكية هي الثورة الاجتماعية وتحدث في قلب الصراعات والتناقضات الطبقية تعبر عن امكانية كل طبقة وافاقها ومساراتها وامكانية كل طبقة من طبقات المجتمع ان تجر المجتمع نحو افاقها واهدافها وامكانية تأثيرها على مجرى الاحداث.. ان كل هذا يجب ان يكون له المكانة في نقدنا الاشتراكي للثورة وان نكون اوفياء للنقد المادي للتاريخ لجميع الاحداث كما تعلمنا الماركسية.

 

مقالات