سمير عادل

هيئة اعلام واتصالات ام هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

في قرار ليس غريب من نوعه، اعلنت هيئة الاعلام والاتصالات الناطقة الرسمية باسم سلطة الاحزاب الاسلامية وميليشياتها غلق اية صحيفة او وسيلة اعلام تسيء الى "الرموز الوطنية والدينية" حسب تعبيرها. واذا ما تمعنا في القرار، فهو جزء من مساعي حثيثة لترسيخ اسس دولة اسلامية ولكن ليس للخلافة مثل داعش بل لولاية الفقيه على غرار النظام الاسلامي في ايران او تشبهها قليلا.

 

ويبدو من قرارها انها تريد معاقبة الصحف ووسائل الاعلام التي توجه انتقاداتها الى الرموز الدينية ، تحاول هيئة الاعلام والاتصالات ان تحذو حذو هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

منذ احتلال العراق وهناك محاولات عديدة لفرض الاسلمة على المجتمع. فعلى صعيد الاحزاب الاسلامية الشيعية، فالذاكرة ما زالت تصدح كيف دمرت عصابات جيش المهدي محلات السي دي في مناطق الثورة والشعلة في بغداد عندما بثت اغنية "البرتقالة"، وبعد ذلك قتلت عشرات المثليين بتهشيم رؤوسهم ب"البلوك" ثم لجات بعدها بتشكيل حلقات دراسية سميت ب"المهدويين" في الحسينيات لمحاربة الفكر العلماني حسب ادعاءاتهم، ليأتي بعده قرار محافظ بغداد صلاح عبد الرزاق من حزب الدعوة عشية ٢٥ شباط ٢٠١١ بغلق النوادي الاجتماعية، ثم ظهر علينا نبي جديد من حزب الفضيلة هو حسن الشمري وزير العدل ليقدم مشروع قانون الاحوال الشخصية الجعفري الذي يبيح اغتصاب الاطفال الاناث بعمر ٩ سنوات، ليكمل لنا مسيرة الاسلمة محمود الحسني في مجلس النواب عبر صفقة مع سليم الجبوري رئيس البرلمان وهو من الحزب الاسلامي جناح الاخوان المسلمين في العراق ليمرر قانون في البرلمان بمنع المشروبات الكحولية، وبين هذا وذاك حاول علي الاديب من حزب الدعوة فرض الاسلمة على الجامعات عندما شغل منصب وزير التعليم العالي، حيث حاول فصل الاناث عن الذكور، وفرض اشكال محددة من الزي على الطلبة وغض الطرف عن تنظيم مناسبات دينية في عدد من الجامعات، هذا اذا افترضنا انه لم يكن احد بتشجيع منه او بمؤازرته من حزبه الدعوة لتنظيم تلك المناسبات. ولم يبخل عمار الحكيم بدعواته على المجتمع عندما اصدر فتوى بوضع الحد على العلمانيين عبر خطبة له في عام ٢٠١٧، ليسجل بهذا كل حزب من احزاب السلطة الشيعية موقعه وجهوده في خارطة اسلمة المجتمع العراقي.وكان منع الموسيقى والغناء وفرض الحجاب على المرأة ولف المدن بالسواد والحزن عبر استغلال المناسبات الدينية وضخ الاموال المهولة المسروقة من عمال وكادحي العراق لتنظيم تلك المناسبات وتأسيس فضائيات تقطر طائفية هو الشغل الشاغل والعمل الدؤوب لتلك الاحزاب الاسلامية وميليشياتها لتأطير جماهير العراق بحزام من الخرافة كي تستمر في السلطة. اما على صعيد الاسلام السني، فيكفي ان نذكر داعش ودولة الخلافة المجرمة التي عبثت بمصير الملايين من جماهير المنطقة الغربية كي يدرك المرء عن نوع الاسلمة الذي فرض على المجتمع بالحرق والرمي بالرصاص والجلد وقطع الاطراف.

 

ان مقاطعة اكثر من ٨٠٪ للانتخابات الاخيرة و"انتفاضة البصرة" دمرت كل هالة احيطت بها رموز وشخصيات الاحزاب الاسلامية، او قامت الاحزاب الاسلامية على تأليهها ووضع القدسية عليها وحصنتها بمنظومة من الخرافات والترهات الفكرية والسياسية مدعومة بسلاح عصابات ميليشياتها التي تقتل وتذبح وامام مرأى العالم وتحت اما عناوين محاربة الارهاب او عناوين مجهولة. بعد ١٢ ايار و ٨ تموز لم يعد هناك شيئا مقدسا. وهذا ما ارعب سلطة الاحزاب الاسلامية التي تحاول هذه المرة المناورة عبر "هيئة الاعلام والاتصالات" في استعراض عضلاتها الضامرة بعدالمساعي الفاشلة التي سبقتها لفرض الاسلمة على المجتمع.

 

ان محاولات اعادة الهالة الى الرموز الدينية والوطنية، هي مساعي لاعادة الهيبة لما كفرت بهالجماهير من شدة الجوع والفقر والعيش خارج درجات الادمية في القرن الواحد والعشرين وفي بلد يضخ ما يقارب ٤ ملايين برميل نفط يوميا. ان الاحزاب الاسلامية نالت وخلال عقد ونصف من الانسان وكرامته وقيمته في العراق، ولم تهتز شعرة من ضمائر القيمين في هيئة الاعلام والاتصالات، ولكنهم ينتفضون اليوم وتحت عنوان "الإساءة للرموز الدينية والوطنية" الذين ساهم اغلبهم بطرق مختلفة باشاعة الخراب بجماهير العراق. ومع هذا لم يحددوا لنا من هي هذه الرموز التي تستحق كل هذا العناء واقرار قوانين هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لتوفير الحصانة لها. او ان الهيئة المذكورة لديها قائمة بالرموز مثل قائمة الكمارك التي تمنع من دخول بعض السلع او تضع ضريبة على بعض منها، لا تظهرها الا عندما تمس كلمة او جملة طائشة احدى الرموز عبر الاشعار الكتروني.

 

واخيرا يبدو ان الرموز الموجودة في قائمة هيئة الاعلام والاتصالات، اما انها تحوم حولها شبهات فساد وفاحت رائحتها او تورط مسؤولي الهيئة بالفساد ومن الممكن انهم يخافون انيطاح بهم في حرب الاخوة الاعداء خلال المرحلة المقبلة، او تنوي تلك الرموز ان تنظم احدى غزواتها للنهب والسرقة مع الاحتفاظ بحصة للهيئة مقابل منح الاخيرة الحصانة السياسية والمعنوية لها. وفي كلتا الحالتين يعتبر قرار الهيئة قد اكل عليه الدهر وشرب، فغضب الجماهير في البصرة وفي المدن الجنوبية دشن مرحلة جديدة من الجسارة والجرأة بوجه رموز اللصوص والسرقة.

 

ان قرار هيئة الاعلام والاتصالات هو قرار مشين ولا يختلف عن قرارات شرطة الحسبة لداعش او هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية ، وفي عالم حقوق الانسان اليوم ليس هناك رمز اكثر قداسة من الانسان

مقالات

سمير عادل

05/03/2018