ريبوار احمد

بم نختلف عن الحزب الشیوعي العراقي؟

مع توسع النشاط العلني للحزب الشیوعي العمالي في مدن وسط

وجنوب العراق وظهوره النشط على الساحة العراقیة كقوة متدخلة,

 

راديكالیة وماركسیة, وتوجه أنظار قطاعات واسعة من الجماهیر

نحو سیاساته و طروحاته, سواء في مدن العراق أو على صعید

البلدان ووسائل الاعلام العربیة, يبرز السؤال التالي: ما هي

اختلافات الحزب الشیوعي العمالي العراقي عن الحزب الشیوعي

العراقي ؟. تشكل ضرورة الإجابة على هذا السؤال, دافع قیامنا

الیوم ببحث مثل هذا الموضوع. هنا, يجب التأكید على إن الإجابة

ستكون مختصرة ومركَزة، وستؤكد على الخلافات الأكثر جوهرية.

 

للإجابة على هذا السؤال, يجب أن أقول مسبقا بأن هذين الحزبین

يختلفان في كل شيء. إلا إن ما أشیر إلیه هنا من خلافات, لا يمثل

سوى المحاور الرئیسیة وبعض الأمثلة والنماذج السیاسیة

والتاريخیة والعملیة لدور ونشاط الحزبین، إلا إن واقع الخلافات

أوسع من ذلك بكثیر ولا يمكن حصر كل صغیرة وكبیرة في هذا

المقال.

 

4

حركتان مختلفتان .....

 

إن أكثر الخلافات جوهريةً بین هذين الحزبین هو كونهما ينتمیان

إلى حركتین مختلفتین. الحزب الشیوعي العراقي هو حزب الحركة

القومیة _الإصلاحیة (و القومیة هنا مستخدمة بالمعنى الواسع

للكلمة أي ما يطلق علیه بالإنكلیزية Nationalism ,ولیس

بالمعنى الضیق الشائع في الأدب السیاسي العربي)، فهو كما يشیر

شعاره الرئیسي (( وطن حر وشعب سعید)) يركز، كأي حزب قومي

آخر على (تحرير الوطن). وفیما يتعلق بـ(سعادة الشعب ), بیَن

الحزب الشیوعي في برنامجه وطروحاته انه يعني بهذه السعادة؛

تامین وتطور الصناعة والاقتصاد القومي والوطني، و إن بديله

الاقتصادي هو رأسمالیة الدولة. استنادا إلى رؤية الحزب الشیوعي

العراقي, فان الشعب الذي يتألف من الطبقة الرأسمالیة المستغِلة

والطبقة العاملة المستَغلة, وكذلك الجماهیر المحرومة، سیعیش

سعیدا في ظل وطن متحرر واقتصاد رأسمالي متطور. تأسس

الحزب الشیوعي العراقي منذ أوائل عقد الثلاثینات من القرن

الماضي من اجل تحقیق هذا الهدف وضمن الخط السوفییتي

البرجوازي الذي ساد في الاتحاد السوفیتي وبعد انهیار ثورة اكتوبر

الاشتراكیة, وتمكن من فرض نفسه على الحزب الشیوعي الروسي

منذ نهاية عقد العشرينات من القرن الماضي. بكلمة أخرى, ان

الحزب الشیوعي العراقي هو حزب احد تیارات الشیوعیة

البرجوازية الذي تأسس من اجل تحقیق هدف برجوازي في مرحلة

محددة، مستفیدا من اعتبار ومكانة الشیوعیة.

 

أما الحزب الشیوعي العمالي فهو جزء من الحركة الاشتراكیة

للطبقة العاملة ضد النظام الرأسمالي. هذه الحركة التي انبثقت

وتناضل في سبیل عالم يخلو من القمع, والانقسام الطبقي,

 

والحرمان, والمصائب المرافقة للعالم الراهن. إن هذه الآمال

والأمنیات تشكل الأسس التي يرتكز علیها الحزب الشیوعي العمالي 5

العراقي. تأسس هذا الحزب في 21تموز 1993 استنادا إلى تعالیم

ماركس, وهو خط ماركسي بلور منصور حكمت أسسه الفكرية

والسیاسیة. الخط الذي يشكل امتداداً تأريخیاً لتقالید كومونة باريس

وثورة أكتوبر. قبل تأسیس الحزب الشیوعي العمالي العراقي،

برزت الحركة الشیوعیة العمالیة لأول مرة كحركة متمیزة على

الصعید الاجتماعي في كردستان العراق وفي سیاق حركة مجالس

آذار 1991 .منذ ذلك التاريخ وحتى قیام الحزب, كانت الشیوعیة

العمالیة تتألف من مجموعة من الفرق والمنظمات السیاسیة التي

كانت تقود النضال الاحتجاجي للعمال والفئات الاجتماعیة

المحرومة.

 

أكد منصور حكمت قائد الشیوعیة العمالیة الذي قام استنادا إلى

المنهج الماركسي بتحلیل العالم المعاصر، وصاغ برنامج الثورة

العمالیة وتنظیم المجتمع الاشتراكي في خضم العالم المذكور, و أكد

بأنه يستخدم "الشیوعیة العمالیة" كما استخدم ماركس كلمة

"

الشیوعیة" من اجل تمییزها عن أشكال الشیوعیة البرجوازية

الأخرى التي راجت في هذه الأيام.

 

إن الهدف الذي يسعى له الحزب الشیوعي العمالي العراقي لا

يتحقق إلا عن طريق الثورة الاشتراكیة للطبقة العاملة, وقلب النظام

الرأسمالي, وإلغاء الملكیة الخاصة, والعمل المأجور, وتنظیم مجتمع

قائم على أساس الملكیة الاجتماعیة، الذي يختفي في ظله الانقسام

الطبقي للمجتمع، حیث لا يضطر الإنسان إلى العمل من اجل كسب

قوته الیومي, بل إن هذا القوت وكل رفاه الإنسان يتم تأمینه من قبل

المجتمع وسیعمل الكل من اجل رفاه المجتمع.

 

6

تفسیران مختلفان للحرية والاشتراكیة

يرى الحزب الشیوعي العراقي, كأي حزب قومي, بان الحرية تعني

تحرير الوطن من القوى التي يرى أنها احتلته، و يرى كذلك بان

سعادة الشعب تتحقق بتحرير الوطن. إننا نشهد تفاهة هذه الرؤية،

فأوطان عديدة في كل أنحاء العالم تحررت من كل أشكال سیطرة

الدول المحتلة، ولكن القسم الأعظم من مواطني هذه الأوطان لا

يزالون محرومین من كل أشكال الحرية والسعادة, بل يعانون من

أشكال عديدة من الظلم والاستغلال والحرمان. تختلف رؤية الحزب

الشیوعي العمالي للحرية تماما عن هذه الرؤية. فهي تعني التحرر

من سلطة راس المال ومن علاقات عبودية العمل المأجور للمجتمع

الراهن وتعني التحرر من الظلم والتمییز الديني والقومي والجنسي

وكل أشكال التمییز. إن هذه الحرية لا يمكن إن تتحقق إلا عن طريق

إلغاء الملكیة الخاصة والعمل المأجور.

 

إن الاشتراكیة استنادا إلى الحزب الشیوعي, كما في الأحزاب

البرجوازية الأخرى, وبغض النظر عن ماهیتها من وجهة نظرهم،

هي هدف خیالي, بعید المنال, و يتحقق بشكل عفوي, من خلال

تطور المجتمع و تقدم عجلة التأريخ, و هي لیست إلا سلعة دعائیة

يستخدمونها لتحمیق الطبقات المستغَلة. إن الهدف الواقعي للحزب

الشیوعي, أو بشكل أدق اشتراكیة الحزب الشیوعي وبالشكل الوارد

في برنامجه أوكما يتم التركیز علیه دائما, هو في الواقع عبارة عن

مجتمع رأسمالي متطور، تمثل الدولة الديمقراطیة البرجوازية

الوطنیة بناءه الفوقي.

 

ولكن الاشتراكیة في منظور الحزب الشیوعي العمالي, هي هدف

واقعي ومصیري, اي يجب ويمكن تحقیقه ا الیوم في المجتمع

الراهن، حیث تتوفر كل المستلزمات الموضوعیة الاقتصادية لبنائها، و تحقیقها مرهونة بالارادة والممارسة الراهنتین للإنسان.

 

فاذا تمكنت الطبقة العاملة والجماهیر الكادحة والمدافعة عن

المساواة في الوقت الراهن من تنظیم نفسها حول حزبها الطلیعي,

 

واذا ولجت المیدان من اجل تحقیق هذه الرسالة التاريخیة، عند ذلك

يمكن أن تتحقق السعادة والرفاه لكل أفراد المجتمع في ظل النظام

الاشتراكي.

 

إن التطور الصناعي، والإنتاجي، اللذان هما حصیلة لجهود الإنسان

وصلا إلى مرحلة, يمكن معها في وقتنا الراهن, تحقیق مجتمع ينعم

بالرفاه والاشتراكیة في أكثر الدول المتخلفة في العالم, بمعنى

مجتمعٍ خالٍ من الاستغلال والانقسام الطبقي والعمل المأجور

استنادا إلى مبدأ (من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته). و

تحقیق هذە مرهونة بالثورة العمالیة و اقامة حكومة عمالیة تتجسد

في جمهورية اشتراكیة. وبمعنى آخر هي عبارة عن دولة مجالس،

سوفییتات الجماهیر.

 

رؤيتان مختلفتان للإصلاح

إن جل ما يدعیه الحزب الشیوعي العراقي من أهداف لإجراء

إصلاحات في حیاة الجماهیر والطبقة العاملة لا يتجاوز بعض

الإصلاحات المحدودة وأجراء بعض التحسینات الناقصة في مستوى

حیاة الجماهیر. بینما يناضل الحزب الشیوعي العمالي من أجل

أجراء أعمق الإصلاحات الاقتصادية والسیاسیة والاجتماعیة

والثقافیة في حیاة جمیع المواطنین في نفس الوقت الذي يناضل من

أجل تنظیم الثورة الاشتراكیة. أنه يرى بأن الرأسمالیة طالما بقیت

حاكمة، فأن أجراء تلك الإصلاحات تخدم التطور المتسارع للثورة

العمالیة وقیام المجتمع الاشتراكي.

 

ولكن الإصلاحات التي يطالب الحزب الشیوعي كانت من الأساس

هشة لذلك لم يتمكن طوال تاريخه السیاسي من تحقیقها علىالصعید الواقعي ولم يتمكن من أجراء أي تغییر أو تحسین في حیاة

المواطنین وفي المجتمع. نقول اصلاحات هشة لانه من زاوية رؤية

الحزب الشیوعي يتمثل هدفه العام باصلاح النظام الراسمالي بشكل

يمكن للطبقة العاملة تحمله. وان هذا لیس عبر نضال الطبقة العاملة

والجماهیر المحرومة والموجودة في المیدان بوصفها طبقة مستقلة

حول افق الثورة العمالیة، بل عبر اسداء الخدمة للحركات

والاحزاب البرجوازية، عبر تصنیف البرجوازية الى برجوازية

وطنیة وغیر وطنیة، برجوازية قومیة وبرجوازية غريبة،

برجوازية تقدمیة وبرجوازية رجعیة. وبعدها واستنادا الى هذه

التصنیفات، فان سبیل تحقیق الاصلاحات التي يقصدها الحزب

الشیوعي هي عبارة عن ارساء تحالف وجبهة مع مايعتبره

برجوازية وطنیة وتقدمیة. وان تاريخ الحزب الشیوعي هو عبارة

عن تنفیذ وتطبیق هذه الرؤية البرجوازية. ولكن، وبمعزل عن ان

هذه الرؤية تتناقض مع الماركسیة والشیوعیة، ففي بلد مثل العراق

المعروف بكونه احد بلدان مايسمى بالعالم الثالث ومركز للعمالة

الرخیصة، ينبغي اخراس العامل كي تكون حصة اكبر من الربح

نصیب الراسمال التي حددها تقسیم الراسمال العالمي لهذه البلدان.

 

ولهذا لاتوجد اي ارضیة لاجراء الاصلاحات البرجوازية، لسبب

بسیط هو انه في هذه البلدان تكون السلطة البرجوازية المنسجمة

مع الاقتصاد الراسمالي، بالضرورة استبدادية دموية وذلك لاجبار

الطبقة العاملة على الرضوخ لاستغلال وظلم اكبر. وهذا ما يتعارض

مع الإصلاحیة البرجوازية، الأمر الذي يضعف من أمكانیة توفیر

أرضیة مناسبة لإجراء إصلاحات برجوازية كما يحدث في أوربا.

 

ولكن من زاوية رؤية الحزب الشیوعي العمالي، يعد النضال من

اجل الاصلاحات عمل لايتوقف وجزء من الحیاة الیومیة للطبقة

العاملة، الحزب الشیوعي للطبقة العاملة هو حزب من اجل

الاصلاحات ومن اجل الثورة على السواء، وينبغي ان يكون هذا

الحزب مستعدا دوما في میدان النضال الیومي للطبقة العاملة باي

شكل بحیث يغیر من حیاة العمال والجماهیر المحرومة، ويلعب دوره القیادي والمنظم. ولكن في الحقیقة ان النضال الدؤوب من

اجل تحسین اوضاعهم مرهون بافق ثوري. ان الثبات الدائم في

المیدان والسعي الدؤوب للحزب الشیوعي للطبقة العاملة من اجل

تحسین الاوضاع هو شرط اساس لتنظیم وتهیئة القوى للثورة

الاشتراكیة على صعید اجتماعي واسع. ومثلما يقول منصور حكمت

"

ان مايقرّب العامل من الثورة هو الرفاه ولیس الحرمان". وعلیه،

من زاوية رؤية حزبنا، ثمة صلة مباشرة وغیر مفصولة مابین

الاصلاحات والثورة. أن الإصلاحات الوحیدة التي لها أرضیة واقعیة

هي التي تنبثق نتیجة لضغط الطبقة العمالیة والجماهیر المظلومة

والتي يجب فرضها بالقوة على البرجوازية. ان الحزب الشیوعي

العمالي يعمل على تنظیم الطبقة العاملة والجماهیر المظطهدة و

رص صفوفها لفرض  مطالبها على البرجوازية من خلال توسیع

الضغط السیاسي والاجتماعي.

 

مقالات