سمير عادل

الجماهير وازمة السلطة السياسية

كل ما قيل خلال خمسة أشهر من المزايدات السياسية والهلوسات حول الوطنية والفذلكات الاعلامية عن تشكيل حكومة مستقلة وبعيدة عن المحاصصة الطائفية والقومية ورموز الفساد لم تجد اي مشتري لها حتى في سوق الحمقى.

 

وما يحمل المشهد من سخرية اكثر هو الضحك على الدستور الذي اقسموا باغلظ الايمان بأنهم سيكونوا مخلصين له. فنفس اختيار عبد المهدي لم يكن دستوريا ولم يطرح من الكتلة الاكبر، وهي البدعة التي اخترعها المالكي وبتواطؤ المحكمة الاتحادية كما يسميها اياد علاوي عندما أقصي من رئاسة الوزراء لصالح المالكي. وليس هذا فحسب بل حتى مقولة المرجعية "المجرب لا يجرب" التي تحولت الى سيف لإقصاء المنافسين هي الاخرى التف عليها، كما وغضت المرجعية الطرف عنها، ما دامت تحقن دماء التحالف الشيعي وتحفظ للكعبة هيبتها ويبقى المٌلّكْ والسلطة داخل التحالف المذكور. لان نفس عبد المهدي اذا طبق عليه معيار المرجعية، فهو جرب في اكثر من منصب ولم يكن حاله افضل من الوزراء الاخرين عندما كان وزيرا للنفط وقبله عندما كان يشغل منصب نائب لرئيس الجمهورية. وليس عند هذا الحد، بل ان نفس قوى الاسلام السياسي الشيعي التي تحتمي بالمرجعية عند كل منعطف سياسي يهز عرش سلطتها تدير الظهر لتوصيات المرجعية ولا تحفظ الجميل لها عندما تتعارض ما تقوله المرجعية مع مصالحها. واذا سمح لنا القارئ ان نذهب قليلا عبر الذاكرة، فأن المالكي وقف بوجه المرجعية عشية تشكيل حكومة العبادي ودخول داعش على الخط، وقال حينها ليس من حقها التدخل بالسياسة، لان المرجعية رفضت التجديد للمالكي. بيد ان داعش غير اتجاه السفن بما لا يشتهي تحالف المالكي، وشارك الجميع من المرجعية والتحالف الشيعي والجمهورية الاسلامية وامريكا بضربة سيف واحد لإقصاء المالكي دون رجعة. واليوم يعيد تحالف الفتح سيناريو المالكي بضرب توجهات المرجعية عرض الحائط عندما يصر على منح وزارة الداخلية الى فالح الفياض الرئيس السابق للحشد الشعبي وايضا المسؤول السابق للامن الوطني. وتحوم حول الفياض تهم الفساد اضافة الى فشله في ادارة الامن الوطني كما يروج له مخالفيه. اي بعبارة اخرى انه هو الاخر مجرب ويشمله مقص المسائلة والعدالة للمرجعية وهو يفترض ان لا يجرب مرة اخرى. ويعني ان تقديس توصيات المرجعية وعدم اطاعتها خط احمر عندما تتوافق مع مصالح القوى السياسية الشيعية، وبغير ذلك فلا اعتبار لها. وهكذا بالنسبة لتحالف الفتح فأن تسليم وزارة الداخلية الى فالح الفياض مسألة حياتية، لان ذلك من شأنه قص اجنحة معارضي الفتح والمؤيدين للنفوذ الامريكي في العراق لحساب الجمهورية الاسلامية في ايران. ومن جهة اخرى ستوفر وزارة الداخلية الغطاء القانوني لمليشيات الحشد العشبي بالتحرك المحلي ولن يكن هناك اية مسائلة او عوائق على تحركاتها والعمليات التي ستقوم بها لاقتناص من معارضي مشروعها وتنفيذ اجندتها. ويعتبر هذا سر رعب مقتدى الصدر واستماتته بعدم تسليم الداخلية للفياض مبررا اياه بأنه اي الفياض مشمول بمقص المسائلة والعدالة التابع للمرجعية. بيد ان الحقيقة تكمن في الصراع الدائر بين برنامجين وافقين سياسيين متناقضين. افق محلي وقومي وهذا مدعوم امريكيا وكان يشاركه جناح العبادي وما زال قبل الاطاحة به على الرغم من ادعاءات الصدر بمناهضته لتواجد القوات الامريكية، وافق اخر يجد قوته ودعامته وارتباطه بالنظام الاسلامي في ايران. ومنذ تشكيل مليشيات الحشد الشعبي الذي يسيطر على اغلب فصائله الجناح الموالي لايران، يشعر الصدر بالخطر وتقويض مكانته ونفوذه مما دفع بجماعته باجتياح المنطقة الخضراء مرتين تحت عنوان محاربة الفساد، واعلانه مرة اخرى بأن هناك من يريد ان يصفيه جسديا.

 

ان هذه المعطيات تكشف ان الصراع بين اجنحة الاسلام السياسي الشيعي بما فيها المرجعية لم ولن يهدأ.

 

وكما قلنا سابقا في موقفنا من الحكومة الجديدة في نفس هذا العمود، ان اختيار عبد المهدي او تشكيل حكومته يعني ترحيل الازمة السلطة السياسية الى مرحلة اخرى. بيد ان نفس عبد المهدي الذي جاء به التحالف الشيعي لعبور مرحلة لا تقل خطورة عن مرحلة داعش، التي شكلتها مقاطعة الجماهير للانتخابات بنسبة أكثر من ٨٠٪ واحتجاجات البصرة، كشفت عنه الستار، وأصبح خارج نطاق التغطية قبل البدء بمهامه. ان حكومة عبد المهدي اذا قدر لها ان تتشكل فستكون بأكثر من رأس ولكن دون رأسه. فاذا كان المالكي والعبادي يقف ورائهما حزب الدعوة وميليشياته، فأن عبد المهدي لا يملك سوى تلاوة الدعوات والصلوات، ولهذا كان مرشح التسوية دون منازع ووافق عليه تحالف سائرون الذي استحوذ على حصة الاسد من التشكيلة الحكومية الجديدة مما اغاض واثار حفيظة تحالف الفتح.

 

ذلك ما تبينه الاحداث، بأن هناك ازمة سياسية عميقة تكمن في ازمة السلطة السياسية، وان عدم تشكيل الحكومة هو انعكاس لتلك الازمة. وان دوامة العنف والصراع السياسي واستهتار المليشيات وغياب الدولة بمفهومها القانوني لن يتوقف. فاذا كانت الجماهير وعت عبر تجربتها ان الانتخابات التي تنظمها تلك القوى ليست سوى مسرحية هزيلة لا تتوفر اية شروط ديمقراطية لأجرائها بشكل حر ونزيه، فهذا لا يعني انها ستكون اسيرة لهذه الاوضاع الى ابد الابدين وليس هناك بديل اخر لتغيير تلك الاوضاع. اي أن ملء الفراغ السياسي والامني يجب ان يكون عبر آلية اخرى وهي تأسيس اللجان المحلية عبر انتخابات مباشرة من الاحياء والمناطق الشعبية تأخذ زمام المبادرة بالدفاع عن امنها وادارة حياتها على جميع الاصعدة. وهذا ما افتقرت اليها تجربة احتجاجات جماهير البصرة.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018