امجد غفور

خطوة للامام، خطوتان للوراء!

تشرين الثاني-نوفمبر 2018

امجد غفور، محسن كريم

في مقابلة تم نشرها من على صفحة "الحوار المتمدن"، رسم الرفيق مؤيد صورة غير صحيحة حول تاريخ منظمة (التيار الشيوعي) بحيث يحصر (التيار) في حلقة المحفلية، ويجعل من نقطة ضعف العمل السياسي والتنظيمي لـ(التيار الشيوعي) مجمل سمة وتاريخ المنظمة، في الوقت الذي يُعتبر (التيار) جزءاً من حركة الشيوعية العمالية في العراق، واتخذ بهذا الصدد خطوة كبيرة للامام، بيد ان الرفيق مؤيد يغطي على ذلك الجانب المشرق لـ(التيار) والمتمثل بالتخلي عن العالم المحفلي القديم واسلوب العمل المحفلي والانضمام ال عملية تاسيس وبناء الحزب الشيوعي العمالي العراقي وينكر اهمية هذا الجانب المشرق! وتحت اسم الدفاع عن (التيار الشيوعي) وخطه السياسي وتقليده وماضيه السياسي، يطرح تصويرا لـ(التيار) بانه كان يرسف في خندق المحفلية والتهرب من التحزب الشيوعي واتخاذ موقف معادي منه! ان هذا اجحاف كبير بحق تاريخ (التيار الشيوعي)!

 

ان هذا التصوير الذي يرسمه الرفيق مؤيد عن (التيار الشيوعي)، اذا كان له ذرة من تشابه مع حقيقة (التيار الشيوعي)، فانه (التيار الشيوعي) الذي لم يطرا عليه تغييرين كبيرين بعد. الاول، القبول والتاكيد على تحليل الشيوعية العمالية لحرب الخليج واحداث اذار 1991، وثانيا، القرار التاريخي بانهاء مرحلة العمل المحفلي والمشاركة الفعالة في عملية تاسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي والشروع بمرحلة التحزب الشيوعي. وعليه نقول اذا كان الرفيق مؤيد قد شارك، رفقة (التيار الشيوعي)، بتاسيس حشعع واتخاذه خطوة للامام، فانه بعد 25 عام، وبترك صفوف الحزب الشيوعي العمالي العراقي والكردستاني، وبارجاعه لميل الساعة الى تلك المرحلة وتجليل التقليد والخط السياسي لـ(التيار) ابان حرب الخليج و(مهامنا العاجلة)، فانه يرجع خطوتين للوراء! يبين الرفيق ان تلك المواضيع التي وجه النقد لها، والتي وافقت عليها قيادة التيار واقرت بها، وبضمنها مؤيد احمد نفسه، كانت مواضيع نظرية وسياسية قيمة وصحيحة ومؤثرة، وللاسف ان الحزب الشيوعي العمالي لم يمضي وفق هذا الخط، ليس هذا وحسب، بل خلق العراقيل امام هذا الخط وطرده خارج الحزب بعملية تاريخية!

 

وبوصفنا اثنان من قيادة منظمة (التيار الشيوعي) منذ بداية المنظمة الى يوم اتخاذ قرار انضمامها للحزب وانهاء العمر السياسي للتيار بوصفه منظمة شيوعية، وواصلنا، جنباً الى جنب العشرات من كوادر (التيار)، بنضالنا الحزبي والشيوعي في صفوف الحزبين الشيوعي العمالي العراقي والكردستاني، لانقبل العبث والتلاعب بهذا التاريخ المشرق للتيار. وعليه، فان الهدف من مقالتنا هو توضيح الحقائق والحيلولة دون مصادرة الخطوتين والقرارين التاريخيين لـ(لتيار الشيوعي) التي يسعي الرفيق حذفهما ومسحهما من تاريخ هذه المنظمة بحجة الدفاع عنه!

 

المحفلية وعملية تاسيس الحزب

ان مسالة اعلان وتاسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي في عام 1993 هي مرحلة وعملية جديدة ومختلفة تماماً من النشاط الشيوعي والسياسي والحزبي انطرحت امام قادة وناشطي حركة الشيوعية الشيوعية العمالية في العراق آنئذ. قبلها، كان ناشطوا الحركة اجمالاً مكبلين باطار المجاميع والتنظيم المحدود والعمل المحفلي للدفع بنشاطهم السياسي والشيوعي. وجراء هذه الوضعية، فان النشاط السياسي في اطار المحافل والجماعات، وفي اقصى حالات الالهام من نضال الطبقة العاملة والمجتمع والثورة العمالية، تحول الى عملية منافسة مع الجماعات والمحافل الاخرى، والقى هذا الامر بضلاله على نشاطها الفكري والسياسي. وعليه، حين طرحت عملية تاسيس الحزب والنشاط على صعيد حزب سياسي موحد على طاولة برنامج عمل الحركة الشيوعية في العراق، لم يكن عبور التقاليد المحفلية وملائمة النفس مع هذه المرحلة الجديدة والمختلفة، والتي من المقرر ان تبدأ مع تاسيس الحزب، عملاً سهلاً وبسيطاً. لم يكن من السهولة العبور بسرعة واجتياز التقاليد واساليب العمل المحفلية وارساء حزب سياسي موحد والتفكير بقيادة الطبقة العاملة والمجتمع لانجاز الثورة الاشتراكية، وان يكون هذا الامر مصدر الهام سياسي وفكري ومن حيث التقاليد واسلوب العمل.

 

لقد كانت هذه القضية دوماً معضلة امام النشاط السياسي، وخلقت في اغلب الاوقات مضايقات. لانه، ومنذ تاسيس الحزب وبعدها داخل الحزب، قاومت التقاليد السابقة بضراوة وخلقت عوائق وعراقيل امام النشاط التنظيمي والسياسي للحزب. اذ عبرت اية خطوة للتقدم نحو تاسيس حزب سياسي ومرت عبر صراعات شديدة. ان جزء من المادة البشرية الذي التف حول عملية تاسيس حزب سياسي، ولكن لم يكن يرغب ولايستطيع عملياً التخلي عن تقاليد واساليب العمل المحفلي السابقين، ترك هذا الجزء شيئا فشيئاً صفوف الحزب. (ان هذا لايعني دون شك ان كل من ترك الحزب فهو لهذا السبب). فيما بقى قسم اخر داخل الحزب، بيد انه كان منهمكاً بتكرار وادامة تقاليد واساليب العمل المحفلية لماقبل تاسيس الحزب ذاتها. وبالاخص في السنة او السنتين الاولى بعد اعلان الحزب، لائمت محافل وجماعات ماقبل الحزب نفسها داخل جسد الحزب ومنظماته من جديد. لقد عم هذا الواقع والوضعية كل جسد الحزب، وهيكلت كل المحافل السابقة نفسها بشكل واسلوب جديدين داخل الحزب.

 

البقاء في مرحلة (التيار) قبل انتفاضة اذار

ان هدفنا، بوصفنا اثنان من قادة منظمة (التيار الشيوعي) في وقتها، هو الحديث بصورة خاصة عن استمرار وديمومة محفلية (التيار الشيوعي) داخل الحزب بوصفه احد المنظمات، وفي الحقيقة اكبرها، التي رحبت بتاسيس الحزب. ففي رده على بعض اسئلة تلك المقابلة، يرجع الرفيق مؤيد لمرحلة ماقبل تاسيس الحزب، ويتحدث عن دور ومكانة (التيار الشيوعي) بوصفه احد المنظمات التي دفعت بنشاطها في اطار رؤية الماركسية الثورية والشيوعية العمالية. ففي رده على احد الاسئلة حول انتقاداته على الحزب الشيوعي العمالي العراقي، يسعى الرفيق مؤيد لتصوير الامر وكان هناك خط سياسي مختلف وخاص ابان مرحلة (التيار الشيوعي) وكان موجوداً منذ بداية تاسيس الحزب وبعد ذلك داخل الحزب. وفي اطار هذا التصور ايضاً، يمضي صوب تثمين الدور والمكانة العليا والمتفردة لمنظمة (التيار الشيوعي) ويسعى لاقناع الاخرين بان (التيار الشيوعي) كان، من الناحية النظرية والسياسية، ذا خط اكثر طليعية واقناعاً وملائمة مقارنة بالمنظمات الاخرى في ذلك الوقت، قبل تاسيس الحزب. ولهذا، يقول الرفيق مؤيد:

 

لقد استطاع "التيار الشيوعي" ان يشكل منظمة شيوعية قوية، الى حد ما، ويقدم ابحاث ومسائل نظرية وسياسية فيما يتعلق بالتحولات التي جرت في تلك الفترة في كوردستان العراق ويقدم لائحة سياسية اسمها "مهاماتنا العاجلة... "حدد فيها المهام للشيوعين في العراق اثناء التحولات، وبالاخص في كردستان،امتازت بدقة وبطرح عملي ملموس حيث حول كوادر التيار الشيوعي هذه المسائل الى المجتمع وحولوا "التيار الشيوعي" الى منظمة معتبرة ومعروفة على صعيد كوردستان".

 

ان ماهو بارزاً في كلام مؤيد هذا هو المكانة الخاصة التي يضفيها على (التيار الشيوعي)، بالاخص من الناحية النظرية والخط السياسية والتقاليد، مقارنة بالمنظمات الاخرى لماقبل الحزب الشيوعي العمالي العراقي. لايمكن انكار الدور السياسي والعملي لـ(التيار الشيوعي) دون شك، وان هذا الامر مبعث اعتزازنا مثلما اكدنا عليه في بداية المقال، بيد ان مايسعى الرفيق مؤيد اليه، بمنح (التيار الشيوعي) وخطه السياسي وتصوراته موقعاً خاصاً داخل الحزب استناداً على هذا الاساس، خالٍ من حقيقة باي شكل من الاشكال. فوفقاً للمقترح والطرح اللذان وافقت عليهما مكونات وقيادة جميع المنظمات آنئذ، لم يكن الحزب، باي شكل من الاشكال، امتداد لخط سياسي وتقليد وتصور اي محفل ومنظمة وبضمنها (التيار الشيوعي)، بل ومن البدء، ومن الاساس، وعبر نقد التقليد واساليب العمل والتصورات المحفلية في وقتها، تمت صياغة وطرح اطار سياسي وعملي وتنظيمي وتقليد جديد. حتى ان الحزب نفسه قد تاسس ليس امتداداً، بل استناداً الى نقد التقاليد واساليب العمل والتصورات المحفلية. ومنذ ذلك الوقت ولحد الان، ان اي التزام وتمسك بتقليد واطار سابق، كان نفسه عائق مكبل امام ارساء وتاسيس حزب سياسي يعد دوره ونشاطه تنظيم الثورة العمالية وقيادتها. وبهذا الخصوص، وضعت جميع المحافل عوائق، ولكن في الحقيقة ان التقاليد المحفلية لـ(التيار الشيوعي) ابرز من جميع المحافل واقوى! وان لم يدعي احد في وقتها انه صاحب هذه التقاليد والتصورات. ادعى الجميع انهم عبروا تلك التقاليد والقيم والتصورات السابقة لمرحلة ماقبل الحزب! بيد ان الرفيق مؤيد الان، وبعد عمر سياسي مديد، يرفع بصورة طوعية راية قيادة ذلك الامر، ان ذلك يعني انه يقر بقيامة بتمثيل محفلية (التيار الشيوعي) في الحزب! وبهذا، فانه يعلن انعدام قدرته السياسية في ميدان العمل والتقليد الحزبي والجزبية ويصر عليها!

 

وباختلاق خط سياسي وفكري مختلف لـ(التيار الشيوعي) بوجه المنظمات الاخرى، يقوم بجعل التحزب السياسي الشيوعي ضحية المحفلية، بيد ان هذا غبن كبير يقوم به مؤيد تجاه (التيار الشيوعي). اذا نقوم باستخلاص نتيجة من منطق الابحاث النظرية والسياسية للرفيق مؤيد التي رجع لها بعد (27) عام، وتلك الابحاث والمواضيع التي وجهت الشيوعية العمالية النقد لها في وقتها، وقبل به الهيكل التنظيمي لـ(التيار)، بوصفه جزء من حركة الشيوعية العمالية في العراق، نبلغ نتيجة مفادها ان الرفيق مؤيد يضع (التيار الشيوعي) خارج حركة الشيوعية العمالية. وذلك لان لا (التيار الشيوعي) ولا قيادته يعتقدان انه كان هناك خطين سياسيين وفكريين مختلفين داخل (التيار)، بل كان هناك خط سياسي وفكري واحد فقط، وهو خط الشيوعية العمالية. وقد اعلن ( التيار) بقوة التزامه بتلك الحركة ودافع عنها. انه لامر طبيعيي ان يحرم الرفيق مؤيد نفسه من تاريخ (التيار الشيوعي) وينسحب ويندم على هذا التاريخ، ولكن ليس من حقه بحجة اختلاق خط فكري سياسي، ان يصطنع (تيارين). ان (التيار الشيوعي) هو نفسه (التيار) الذي انخرط في تاسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي، واعلن بلاغه ذاك بصورة رسمية لحركة الشيوعية العمالية ومجتمع كردستان! نعتبر انفسنا امتداد لبلاغ (التيار الشيوعي) ذاك، ونفخر بحياتنا السياسية والتنظيمية في (التيار الشيوعي) حتى انتهاء عمله وانضمامه للحزب الشيوعي العمالي العراقي.

 

اجلال المحفلية

في مكان اخر، يذكر الرفيق مؤيد ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي لم يستطع ان ينقل تلك التقاليد العملية والسياسية لـ(التيار الشيوعي) الى الحزب، في الوقت الذي وقعنا وامضينا نحن قادة (التيار الشيوعي) في وقته، ومن ضمنهم الرفيق مؤيد، على مشروع مفاده الانفصال عن التقاليد العملية والسياسية السابقة، ومنها التقاليد العملية والسياسية لـ(التيار الشيوعي)، لا نقلها داخل الحزب! لم يؤكد لا الرفيق مؤيد ولا اي من القادة الاخرين لـ(التيار الشيوعي) يوما ما او في مكان رسمي ما بشكل واضح وصريح ولو بحرف واحد على الاطروحة التي يذكرها مؤيد الان. بل حتى اذا ما نُسِبَتْ مسالة ما من هذا القبيل الى الرفيق مؤيد، اي بكونه ينشد "نقل التقاليد العملية والسياسية للتيار الى داخل الحزب" لاعتبرها مثل تهمة محفلية وردّها. وعليه، فان تصور الرفيق مؤيد هذا لايمكن حسابه سوى رجوعاً لمرحلة ماقبل تاسيس الحزب، وحتى دلالة على ندمه على تاسيس الحزب.

 

من الجدير بالذكر ان نسلط الضوء ونوضح تلك الامور التي يتعكز عليها الرفيق مؤيد على انها اختلافات وبوصفه خط سياسي وفكري مختلف داخل الحزب، وان يكن هدفنا في هذا المقال عدم الخوض في تفاصيل تلك الموضوعات وتوضيحها. فاذا عدنا لتاريخ الموضوعات النظرية والسياسية لـ(التيار الشيوعي) في حينها ودورها، تتبين لنا حقيقة هي ان تلك الاختلافات التي يتحدث عنها الرفيق مؤيد، واستمراره على التحليل والرؤية السياسية التي تم توجيه الانتقاد لها في وقتها، وبلغت انسداد افاقها وازمتها! قبلت قيادة (التيار الشيوعي) في وقتها، ومن ضمنهم مؤيد نفسه، بالانتقادات سواء بوقتها او بعد تاخير. ان هذا لايعني ان لايستطيع ولايحق لمؤيد اليوم ان يتراجع ويندم على تلك الانتقادات الموجهة الى المسائل النظرية والسياسية لـ(التيار الشيوعي). بيد ان التراجع عن النقد الذي قبلناه يختلف عن التنكر للتاريخ الواقعي والادعاء بان (التيار الشيوعي) قد قام بدور طليعي عبر تلك المواضيع النظرية والسياسية.

 

يسرنا ان يقوم الرفيق مؤيد بتوضيح نقطة: ان (التيار الشيوعي) لعب دوراً طليعيا ومؤثراً من الناحية النظرية والسياسية، بعد ذلك قبل هو نفسه بتلك الانتقادات التي وجهت للمواضيع النظرية والسياسية المطروحة، اي دور لهذا الموضوع بالنسبة له واية معضلة او عقدة سياسية تحله له؟!

 

موقع (التيار الشيوعي)

من الافضل الان ان نعود الى الوقت الذي كان الرفيق مؤيد يعتقد ان (التيار الشيوعي) كان يلعب دوراً مختلفاً الى حد ما من الناحية النظرية والسياسية. من الضروري ان نرجع الى تلك المواضيع النظرية والسياسية التي كان يعرّفها الرفيق مؤيد بوصفها نقطة قوة الخط السياسي للتيار الشيوعي، وفي الوقت ذاته يجعلها مستهل اختلافاته وخط اخر يوازي الشيوعية العمالية وموضوعة تاسيس الحزب.

 

اننا نعتبر من الضروري ذكر نقطة مفادها اننا لانعتقد بان هناك شخص ما في حركة الشيوعية العمالية والحزب الشيوعي العمالي العراقي من يشك بالدور والشهرة والمكانة المهمة لـ(التيار الشيوعي) في الحركة الشيوعية آنذاك او يتناساها او يقلل من قيمتها. اولاً، وذلك لانه، اي التيار، من الناحية التنظيمية اوسع واكثر صلابة، وفي العمل السري اكثر حرفية. وبعدها، بفتح المقرات المسلحة، اصبح منظمة معروفة في المجتمع. ان هاتين النقطتين كانتا ابرز النواحي الطليعية والتقاليد لموقع ودور (التيار الشيوعي). اذا كان القصد هو نقل هذه الامور الطليعية الى الحزب، فاننا راينا عملياً ان هذه التوجهات قد تم اقرارها في الحزب والتاكيد عليها، في الوقت الذي لم تؤكد بقايا محفلية (التيار الشيوعي) على هذه، بل وكجميع المحافل الاخرى، قامت بالتاكيد على مسالة ماهي حصتها من كراسي قيادة الحزب! حتى ان مسالة اقامة مقرات مسلحة تم اقرارها من اليوم الاول لتاسيس الحزب واتخذت خطوات بصددها، في الوقت الذي بعد عدة اشهر من افتتاح مقر (التيار الشيوعي)، وبعد انسداد افاق سياسية وادارية سنتطرق لها لاحقا، اغلق مقراته! لكن الحزب فتح بصورة واسعة مقراته في المدن الرئيسية من كردستان، وفي الوقت ذاته دعم مقرات المنظمات الجماهيرية.

 

اذا كان القسم الاخر من الموضوع حول اسلوب العمل التنظيمي لـ(التيار الشيوعي) بوصفه تجربة كان من المفترض نقلها، ورغم ان اتساعها هو امر ايجابي، بيد ان تنظيمات (التيار الشيوعي) كانت اولاً: تنظيمات مرحلة العمل السري تحت سلطة البعث. ثانياً، بصورة عامة، ماعدا بعض الحالات المحددة، كانت تتالف من حلقات المثقفين والعديمة الصلة بالعمال والتي بقت حتى بعد احداث 1991 تحت تاثير شكل العمل السري، بقت بحالة تقليد، ولكن بالنسبة لحزب سياسي، فان العمل التنظيمي يتضمن خلق وارساء هيكل، تقليد، اسلوب العمل ونشاط سياسي واجتماعي مختلف، بغض النظر عن ان حزبنا تمكن من القيام بذلك العمل ام لا فهذه مسالة اخرى. بيد انه لامر جلي ان الاسباب لاتعود الى كما لو اننا لانريد نقل التقاليد الطليعية لـ(التيار الشيوعي) الى الحزب مثلما يذكر الرفيق مؤيد!

 

بيد ان ذلك امر واضح، لان اذا عاد اي ما الى موضوعات الرفيق منصور حكمت نفسه حول التنظيم الشيوعي العمالي، والتي يرى (التيار الشيوعي) فيها اساسه الفكري والسياسي والتقاليدي، سيدرك جيداً كم ان المنظمات اليسارية، ومن ضمنها (التيار الشيوعي)، غريبة من الناحية العملية عن العمل التنظيمي الشيوعي ودورها بين العمال. فاذا لم يُنقل تقليد ما الى الحزب وهناك نواقص فيه، فانه عدم الرجوع لموضوعات الرفيق منصور حكمت نفسها والعمل وفقها، وهو الامر الذي من الواضح ان الرفيق مؤيد ينوي اعادة النظر فيها، وليس التقاليد واشكال التقدم السياسي لمنظمة (التيار الشيوعي) او اي محفل اخر، وهي التي كانت في الحقيقة عائق امام التقاليد السياسية الشيوعية والعمالية والحزبية. ولكن من الواضح ان ماينوي الرفيق مؤيد التقليل منه وتجاهله هو انتقال التقاليد المحفلية التي لـ(التيار الشيوعي) حصة كبيرة بهذا الخصوص. يتضح الامر اكثر حين نتناول الموضوعات السياسية لهذا الجانب المحفلي لـ(التيار الشيوعي) والمكانة الخاصة لكل رفيق فيه.

 

حرب الخليج وموقف (التيار الشيوعي)

لاتتعلق ملاحظتنا على تصورات الرفيق مؤيد بمسالة ماذا كانت مكانة (التيار الشيوعي) بين اليسار والمجتمع، بل تتعلق بانه يسعى لتبيان ان (التيار الشيوعي) من الناحية النظرية والفكرية والسياسية والماركسية هو شيء مختلف عن المنظمات اليسارية لتلك المرحلة. في الحقيقة انه امر يلفت الانتباه انه بعد ربع قرن من العمل السياسي في حركة الشيوعية العمالية والحزب الشيوعي العمالي العراقي والكردستاني، وبعد النقد الذي تم توجيهه لرؤية وتصورات مجمل الحركة اليسارية في ذلك الوقت وما تركه من تاثير على العمل السياسي وموقع اليسار، ومن ضمنها (التيار الشيوعي)، ينهمك مؤيد في النكوص عدة خطوات للوراء، صوب نفس تلك الرؤية والتصورات لماقبل 27 عامام والتي هو مؤيد نفسه من قبل بتلك الانتقادات، او على الاقل، لم يقف بوجهها صراحة. نعتقد انه ينشد ان يبين عن عدم ارتياحه لمسالة انه كان من المفترض ان يتم منح (التيار الشيوعي) مكانة وموقع خاصين في الحزب! اذا كان الامر كذلك، فان هذا يتناقض تماماً ومن الاساس مع طرح تاسيس الحزب. اذ كان من المقرر ارساء نوعية جديد واطار سياسي وتنظيمي جديد وتقاليد جديدة، لا الاستمرار على اطار التقليد السياسي والتنظيمي السابق.

 

اذا كان الامر مثلما يسعى الرفيق مؤيد ان يبديه على ان (التيار الشيوعي) كان له تاثير نظري وسياسي وان ورقة "مهماتنا العاجلة" جعلت من (التيار الشيوعي) منظمة شيوعية مقتدرة وذا موقع طليعي في الحركة الشيوعية ويسار ذاك الوقت. اذا تمكن فعلا من اثبات صحة الادعاء بان تلك الموضوعة وثيقة وقرار سياسي لخط اكثر ماركسية وطليعية ومختلف مقارنة بالمنظمات الاخرى، لقبلنا ان من الضروري ان يكون لـ(التيار الشيوعي) موقع مختلف وتوضع موضوعاته جنب الى جنب طرح وموضوعات الرفيق منصور في عملية تاسيس الحزب. ولكن في الحقيقة انه لامر يلفت الانتباه بصورة جدية هو دور (التيار الشيوعي) في تبني الماركسية الثورية وبعدها الشيوعية العمالية. ان قيادة (التيار الشيوعي)، ومهما كان تصورها عن نفسها، لم تتمكن من طرح او تبيان اي شيء مختلف عن المنظمات اليسارية والشيوعية الاخرى. زد على ذلك، في احداث 1991، فيما يخص الموقف تجاه حرب الخليج والدور السياسي الذي من المفترض ان يتخذه (التيار) تجاه تلك الوضعية، فانه لم يبين اي تقارب مع خط الشيوعية العمالية وموضوعات منصور حكمت حول تلك الحرب، ليس هذا وحسب، بل بمعنى ان (التيار الشيوعي) وقع في خطأ سياسي.

 

لم يكن لـ(التيار الشيوعي) تصور وتقييم ماركسي وواضح للاوضاع السياسية والاقتصادية للعالم آنئذ، اذ كانت الحرب على ابواب الاندلاع فيها. اذ غاب عن الفهم والتصور السياسي لـ(التيار الشيوعي) مكانة هذه الحرب لدى امريكا بوصفها دولة امبريالية وزعيمة الكتلة الغربية للابقاء على دورها الرئيسي بعد انتهاء الكتلة الشرقية. ان سمة مناهضة النظام وعقد الامال على اسقاط النظام البعثي والبعث عبر الحرب كان جزءا من سياسة (التيار الشيوعي) واستعداداته العملية. ونظراً لموالاة (التيار الشيوعي) لموضوعات الشيوعية العمالية ومنصور حكمت نفسه، والنفوذ الفكري له على مجمل الحركة اليسارية و(التيار الشيوعي) نفسه، لم تكن قيادة (التيار الشيوعي) قادرة على الوقوف بصورة مباشرة بوجه رؤى وتحليلات منصور حكمت المناهضة للحرب، بل وقعت في موقف مزدوج. فمن جهة وقفت ضد الحرب، ورفعت راية مناهضة الحرب، ومن جهة اخرى رحبت بالحرب، عبر ادانة احتلال العراق للكويت ورات فيها فرصة سياسية لاسقاط النظام البعثي!

 

وبهذه الطريقة، وقع (التيار الشيوعي) عمليا في الضجة التي اقامتها امريكا لفرض نفسها بوصفها شرطي على العالم. اي الترحيب بحملة امريكا وحلفائها ضد العراق، في الوقت الذي تدفقت الحركة التقدمية العالمية بمئات الالاف في العالم للشوارع للوقوف بوجه حرب الخليج، ولكن (التيار الشيوعي) لم يدرك تلك الاحتجاجات العالمية، ولم يضع اعتبار لموضوعات الرفيق منصور حكمت بهذا الصدد، في حين يعتبر نفسه اكثر ماركسية واكثر شيوعية عمالية من المنظمات الاخرى! واستناداً الى خطأه السياسي هذا، صاغ "مهامنا العاجلة" والتي يفتخر بها الرفيق مؤيد احمد بوصفها نقطة قوة (التيار الشيوعي)، ينظر لها بشكل كـ"اطروحات نيسان" لينين.

 

وبهذا الخصوص، نود ان نورد بعض التوضيحات. اولا، ان تحليل (التيار الشيوعي) هذا حول احداث حرب الخليج والتي كنا نعتبره من الروائع المهيبة لرؤية (التيار الشيوعي) وسبّاقة لتصورات الرفيق منصور حكمت. في الوقت ذاته ان الرؤية والمنهجية غير الصحيحة ذاتها قد القت بضلالها على مجمل منظمات الشيوعية العمالية في العراق، ولم يبين كذلك قسم من قادة الحزب الشيوعي الايراني الذين كنا نلتقيهم عن خلاف مع تصورات (التيار الشيوعي) تلك، ولكن بعد هذا، عاد الرفيق اسد كولجيني من خارج العراق وعقدنا نحن والرفاق اسد رحمن حسين زادة اجتماعاً. (كان كلاهما كادران قياديان في الحزب الشيوعي الايراني). وبعد مناقشة الاوضاع السياسية والاحداث وتوضيح موضوعات منصور حكمت حول حرب الخليج بصورة اكبر، قبلنا الانتقاد وبلغنا نتيجة تصور ان موضوعاتنا وتحليلنا، اي (التيار الشيوعي) لم تكن صحيحة، وبعد دراسة ونقاش اكبر، قبلنا بالموضوعات الاساسية للرفيق منصور. كذلك الحال فيما يخص "مهامنا العاجلة"، لقد كان اهم راي في وقتها للرفيق رحمن حسين زادة هو ان الترتيبات العملية لـ(التيار الشيوعية) قد بنيت على اساس التصور الذي يعتقد بان الاوضاع السياسية في العراق وكردستان هي اوضاع ثورية، اي ان (التيار الشيوعي) يريد وينوي قيادة الثورة. وان هذا ينبع من التقييم الخاطيء ذاته الخاص بحرب الخليج، اي عقد الامال على اسقاط حكومة صدام عبر الحرب والغطرسة الامريكية.

 

بعد عدة اجتماعات حول هذه المواضيع، وبعد نقاشات داخل قيادة (التيار الشيوعي)، قمنا بانتقاد التصورات والموضوعات السياسية ورؤيتنا للاوضاع. كما كان راي اخر للرفيق رحمن حول تعامل (التيار الشيوعي) تجاه المجالس وذلك باعتباره، اي (التيار)، مجالس المحلات هي شعبية وشعبوية، ويدعوا الى اهمالها والتاكيد فقط على مجالس العمال. ولكن بغض النظر عن انتقاد الرفيق رحمن، لم يتمكن ناشطوا (التيار) من الناحية العملية وفي العالم الواقعي من ان يلعبوا دوراً في مجالس المحلات، ولهذا لم تُنفَذ سياسة (التيار) فيما يخص مجالس المحلات.

 

ولكن ماينبغي ان نؤكد عليه لاحقاً هو ان نعرف اين بلغ تاثير هذا النقد على الموضوعات النظرية والسياسية لـ(التيار الشيوعي)؟ اولاً، وقعت قيادة (التيار الشيوعية) في انسداد افاق سياسية وازمة ينبغي التعامل معها بجدية. ثانياً، اقر بعد انسداد الافاق هذا ان يذهب قسم من القيادة الى خارج البلد. رغم انه طرحت مبررات لموضوعة السفر للخارج من مثل صيانة المنظمة والعمل السري، بيد ان حقيقة الامر هو انسداد الافاق السياسي وانعدام الوضوح حول ماينبغي عمله. ثالثاً، ان انسداد الافاق ذاته من اوصلنا الى عدم القدرة على ادامة المقرات وبالتالي اغلاقها. ان الرفيق مؤيد يفخر بقرار فتح المقرات المسلحة، بيد انه لم يبين عن اي درجة من المسؤولية في اغلاقها ولايقل اي شيء تجاهها!!!

 

مهامنا العاجلة، تكتيك اي حركة؟!

 

في الحقيقة ان افتخار الرفيق مؤيد بوثيقة "مهامنا العاجلة"، وذلك بعد مرور اكثر من ربع قرن، هو كارثة سياسية، وذلك لاننا في قيادة (التيار الشيوعي)، ليس بعد اكثر من ربع قرن، بل بعد فترة قصيرة من احداث 1991، توصلنا الى ان الاساس الذي استلهمت منه هذه الوثيقة ومجمل سياسة وعمل (التيار الشيوعي) ومجمل اليسار العراقي آانئذ، هو الوقوع تحت تاثير الهيمنة السياسية للحركة القومية الكردية، وذلك لان تلك الانتفاضة التي من المقرر لـ"مهامنا العاجلة" ان تقودها وتعدها، هي من الاساس تكتيك الحركة القومية الكردية التابعة لامريكا، لاتكتيكاً شيوعياً من اجل الدفع بالثورة العمالية. بعد مرور اكثر من ربع قرن على ذلك النقد الشيوعي للتصور الذي كتبت فيه "مهامنا العاجلة"، فان رجوع الرفيق مؤيد الى ذلك التصور والفخر به، يبين انه لم يتضح له بعد ماذا جرى! او ان هذه المسالة هي جزء من موضوعات الرفيق منصور حكمت التي ينشد الرفيق مؤيد اعادة النظر بها؟! ان تراجع الرفيق مؤيد في الوقت ذاته هو اطلاق الرصاص على قدميه، وذلك لانه خلال ربع القرن هذا، وفي العديد من كتاباته حول عواقب حرب الخليج ودور وهيمنة امريكا بوصفها النتيجة الاساسية لتلك الحرب باشكال مختلفة، اقر بصحة هذا النقد بوصفه امر مفروغ منه، اي في وقتها النقد للرؤية التي كانت تقف خلف "مهماتنا العاجلة". ولكن في المراجعة الحالية، عبر نشدان ان يظهر نفسه ممثلاً لخط سياسي مختلف، يتراجع عملياً الى سياسة 27 عام قبل، والتي بلغت انسداد افاق وازمة في وقتها! ان هذا التراجع والعودة لانسداد الافاق ذاك، ليستا سياسة اؤلئك الاوفياء للخط السياسي والعملي لـ(التيار الشيوعي) الذي ربط نفسه بقوة مع الشيوعية العمالية وموضوعات الرفيق منصور حكمت، بل سياسة اناس تراجعوا عن الخط السياسي والفكري البارز والقرارات الاخيرة لـ(التيار الشيوعي) وتبنوا سبيلاً اخراً.

 

من الضروري التذكير، بان انتقال قسم من رفاق قيادة (التيار الشيوعي) للخارج، بالاضافة الى كونه بذاته قراراً يعتبر خطئاً سياسياً ونتيجة انسداد الافاق الفكري والسياسي لقيادة التيار بعد احداث اذار 1991 وحرب الخليج، وبعدها جزء من تلك التقاليد الضارة لـ(التيار) التي انتقلت للحزب، والحقت ضرارا كبيرا بحركتنا وحزبنا وبتطوره وتقدمه السياسي والعملي.

 

تاسيس الحزب والرؤى المختلفة

وان يكن موقف وتقييم مجمل اليساريين والشيوعيين عموماً آنئذ لحرب الخليج لم يختلف عن موقف وتحليل (التيار الشيوعي)، ومن الناحية العملية، تعاملوا بالشكل ذاته الذي تعامل به (التيار الشيوعي)، ولكنهم قبلوا قبلنا موضوعات الرفيق منصور. ان تنظيرهم للوضع اقل من (التيار الشيوعي). ولهذا فانهم قبلوا بسهولة تحليل منصور حكمت حول حرب الخليج وتصوراته تجاه انتفاضة وهبة اذار 1991. من الواضح ان (التيار الشيوعي) معروف اكثر وذا مكانة اوضح، ولهذا فانه مضى بصعوبة اكبر للقبول بتلك الموضوعات، وكان من الصعوبة ان يتقدم. وبسبب هذا الواقع الفئوي والمحفلي واللاسياسي لم يكن يرغب بان يبدل موقعه وشهرة منظمته بدخوله مرحلة ووضعية يفقد بها هذه المكانة! ولهذا، اثناء تاسيس الحزب، فان قيادة (التيار الشيوعي)، بالاخص اؤلئك الرفاق الذين كانوا في خارج البلاد، هم اكثر من تشدد وخلق المصاعب امام ايصال عملية تاسيس الحزب الى مبتغاها، في الوقت الذي كان رفاق (التيار الشيوعي) في الداخل منهمكون اكثر بملائمة النفس مع تاسيس الحزب. لقد كان رفاق الخارج يتعقبون اكثر امر الحفاظ على مكانة (التيار الشيوعي) في الحزب وان يحسب له حساب. ان هذا من الناحية العملية يعني عدم فهم ملائمة النفس ودخول مرحلة جديدة تتمثل بتاسيس حزب سياسي.

 

ان هذه الحقيقة التي يعرّفها اليوم بخط مختلف ويمثله الرفيق مؤيد كان لها تاثير سلبي على قسم واسع من كوادر (التيار الشيوعي) ورفاقه واصدقائه، وان بقايا هذا التاثير باقية لحد الان ويتم التعبير عنها بان (التيار الشيوعي) قد تعرض للظلم في الحزب (وان تكن جميع المحافل كانت تفكر دون شك بنيل حصة اكبر)، فان هذه دلالة بارزة على المنهجية اليسارية التي كانت تعتقد بان الحزب هو وحدة المنظمات، وليس ظاهرة سياسية واجتماعية جديدة وضرورة تاريخية للنضال الطبقي للعامل المناهض للنظام الراسمالي. انه لخطأ كبير ان تعامل الحزب على انه وحدة تلك المنظمات. وفيما يخص منظمتهم التي اسسوها تواً، وللمفارقة، يسعى الرفيق مؤيد تعريفها على انها ليست انفصال عن الحزب الشيوعي العراقي، بل وينبغي التعامل معها والنظر اليها بوصفها ظاهرة جديدة وعملية تاريخية حصيلة تبلور اختلاف خط فكري وسياسي. بيد انه يتعامل بصورة مختلفة كلياً مع تاسيس الحزب ويرى فيها ظاهرة توحيد منظمات، وعليه فانه يبحث ويتعقب من الاختلافات منح موقعاً خاصاً لـ(التيار الشيوعي). ان اي مكانة وموقعية يتمتع به التيار وباي شكل كان، بيد ان الحزب ظاهرة حديثة ويختلف محتواها وماهيتها عن مرحلة المنظمات والنشاط الشيوعي. بالنسبة للحزب والتحزب وحزب ماركسي ثوري، يعني القبول بحزب سياسي يضع جانباً مجمل بقايا واساليب عمل والعادات المحفلية للمنظمات، لا يثني ويهلل ويكبر من امر على اساس ان هناك منذ البدء داخل (التيار) وبعدها الحزب الشيوعي العمالي خط سياسي مختلف بصورة جنينية. ولكن اين اخفى هذا الاسلوب الجنيني بيوضه وفي اي مواضيع ودور النشاط السياسي وتفوق الشيوعية العمالية نفسه بحيث لم تجده اي عين وحتى ناظوراً لحد الان، ماعدا "قدرة قادر" المحفلية؟!

 

كسر صمت بعد ربع قرن

في مكان اخر من المقابلة، نرى من الضروري ان نرد على الرفيق مؤيد اذ يقول"هذا وجرى تبادل مواقع الافراد حيث بعض من قادة التيار الشيوعي اصبحوا بحكم موقعهم الجديد في هيكلية الحزب ضمن أعدادٍ من الاشداء في محاربة كل ما هو متعلق بتقليد "التيار الشيوعي". ان المحفلية باتت اسم الرمز لدى من لهم مصلحة في ذلك داخل الحزب لوصف كل ما هو متعلق ب "التيار الشيوعي"

 

ان هذا القسم من حديث الرفيق مؤيد، ورغم انه بعد عمر طويل في العمل الحزبي، فانه لازال يتحدث فعلا كشخص محفلي متعصب لـ(التيار). اذ يبين هذا القسم عن جانبين سلبيين وغير رفاقيين جدا. اولا/ بعد كل تلك الاشكال من انعدام الوضوح في موضوعاته ونقاشاته، يرى نفسه على حق، اذ يعلن انه من اليوم الاول لتاسيس الحزب كان ذا خط سياسي يستمد من الموضوعات "النظرية والسياسية" للتيار، ولكن لايعطي حق لاناس اخرين من قيادة (التيار الشيوعي)، لهم خط سياسي اخر وفقاً لاخر اختيار سياسي وقرار تاريخي ورسمي وشرعي لـ(التيار)، اناس يؤمنون بالسير وفق خط الحزب وعبروا تقاليدهم المحفلية في (التيار الشيوعي)! ولهذا يقول عنهم انه وفقا لموقعهم الحزبي ومصالحهم لوصف كل شيء مرتبط بـ(التيار) وتاريخ (التيار) بالمحفلية. اهذا اسلوب نقاش سياسي فعلاً مع رفاق عمل معهم سوية لاكثر من (30) عام ويعتقد الان ان مصالحهم الخاصة وموقعهم الحزبي هو اساس مواقفهم السياسية؟! هل ان هذا تحليل ماركسي فعلاً لاختلافات الخطوط والرؤى السياسية؟!

 

ان حكم الرفيق مؤيد يستلهم من تلك الرؤيا التي ترى في الحزب وتتعامل معه بوصفه جمع ميكانيكي واتفاق ووحدة اناس ومنظمات اتخذوا قرارهم وفقاً للمصالح الشخصية للافراد، وليس كظاهرة سياسية واجتماعية واطار جديد واداة لنضال الطبقة العاملة. ان هذه الرؤية تتطابق مع رؤية تلك المجاميع الصغيرة والمحفلية التي لاتنظر الى الاحزاب والشخصيات استناداً الى المشاريع السياسية للتغيير في المجتمع، بل ان العزف بلحن وصوت واحد هو المعيار والاساس عندهم. بالاضافة الى هذا، يسعى بهذه الطريقة الى حرف الموضوع ويصونه ويبعده من نقد التقليد والرؤية الموجودة منذ بداية تاسيس الحزب الى الان والاشكاليات الخطيرة امام التحزب السياسي الشيوعي والنضال الشيوعي، والمتمثلة بالنزعة الفئوية والمحفلية والتقاليد واساليب العمل المحفلية. وبدلاً من نقاش سياسي وماركسي لائق، ينشد الرفيق ان يمد يده لتلك التقاليد المتخلفة التي مفادها: على اساس اننا بعنا خطنا الفكري والسياسي وماضينا مقابل موقع شخصي لنا في الحزب!! ينبغي النظر الى هذا بوصفه ابداع جديد في هذا التراجع!!

 

يريد الرفيق ان يقول ان كل تلك الشكاوى والتذمر في الحزب حول قضية المحفلية، كانت كلها ذهنية وغير واقعية ومصطنعة وعديمة الاساس! ان هدف اختلاق كل هذه هو فقط انكار التقدم السياسي والفكري والعملي لـ(التيار الشيوعي)! ولهذا ليس ثمة تجني ان نقول ان بعد ربع قرن من تاسيس الحزب، لازال الرفيق مؤيد في مرحلة (تيار شيوعي) مرحلة "مهمامنا العاجلة"! اذن ماذا فعل طيلة ربع قرن في الحزب؟! لماذا خلال كل تلك السنوات، حيث جرت نقاشات وانتقاد للمحفلية، لم ينطق يوماً ما ويقول ان الخط السياسي والفكري وتقاليد (التيار الشيوعي) هو ما اعتبره صحيحة واصر واؤكد عليه؟! لكانت عندها الاختلافات اكثر وضوحاً وشفافة وربما لم يذهب كل ذلك الوقت والتعب والمعاناة لاي منا هدراً، وعندها لم يكون الرفيق مؤيد مرغماً ان يهدر كل هذه السنوات من عمره في حزب لايقر بخطه السياسي والفكري واسلوب عمله وتقليده السياسي والعملي! ولكن الرفيق مؤيد لم ينطق قط مثلما مايقوم به اليوم، حتى اذا قيل له انك لازلت لحد الان متمسك بالخط الفكري والسياسي وتقاليد (التيار)، كان يرفض ذلك بشدة ويعتبره تهمة!

 

(التيار) المحفلي ام (التيار) الحزبي

ثمة نقطة اكثر اهمية وهي مبعث افتخار جميع الرفاق الذي كان لهم دور في (التيار الشيوعي)، وهي حقيقة وواقع ان هذه المنظمة، وبقرار رسمي لمجمل قيادتها آنئذ، قررت بصورة واعية على انهاء تاريخ محفلية ماقبل الحزب، انهاء تقاليد واساليب عمل وقيم وتصورات تلك المرحلة والانضمام الى الحزب الشيوعي العمالي العراقي. وبهذه الطريقة، اصبحت جزء من تلك المساعي والنضال من اجل صياغة تاريخ يختلف وحديث كلياً. لقد كان هذا اخر قرار واختيار سياسي رسمي لـ(التيار الشيوعي). ولهذا فان ذاك القرار فقط، واؤلئك الذين يصرون على ذلك القرار من بوسعهم فقط ويتمتعون بحق وشرعية ان يكونوا ورثة (التيار الشيوعي)، بسلبياته وايجابياته. وان اؤلئك الذين تراجعوا عن ذلك القرار سواء لاحقاً او الان، من حقهم ان يتراجعوا، ولكن هذا التراجع هو خروج عن ذلك القرار السياسي والرسمي لـ(التيار الشيوعي) بانهاء تاريخ محفلية ماقبل الحزب. ان هذا اختيار جديد وسبيل اخر ومختلف عن القرار الختامي والاختيار السياسي لـ(التيار)، وليس بوسعهم الان ان يلصقوا هذا بـ(التيار) وتاريخ (التيار الشيوعي). ولهذا يخطئون حين يشيرون الى انهم انفسهم ورثة (التيار الشيوعي). كان بوسعهم ان يقولوا في وقتها اننا اصحاب (التيار)، ولسنا مع قرار انهاء عمل وحل (التيار)، ولسنا مع انضمامه الى الحزب، وان اصوات اغلبية كوادر (التيار) واعضائه مع هذا القرار (اي عدم الحل)! ليست قليلة هي حالات من مثل هذا النوع من التراجع في تاريخ الحركة الشيوعية. ولكن هذا امر عديم الفائدة، وليس بوسعهم تغيير التاريخ الواقعي والحقيقي. عليهم ان يبقوا الى ابد الابدين في حلم وخيال تاريخ يظنون انهم جالسين من الناحية النظرية والسياسية في عليائه براحة بال وهدوء وكانهم هم انفسهم ابطال هذا الميدان. ان هذا بالضبط تقليد تلك المساعي التي يقوم بها الميل القومي داخل منظمة كومه له كادحين في كردستان ايران للتدليل على ندم وتراجع كومه له من الانضمام الى الحزب الشيوعي الايراني.

 

اتخذ (التيار الشيوعي) قراراً سياسياً صائباً، لكن من الواضح ان قسم من قيادة التيار في ذلك الوقت، مثلما هو الحال مع قيادة مجاميع ومنظمات اخرى لتلك المرحلة من الحركة الشيوعية، قد رضخ امام الامر الواقع، وقبل على مضض واقع الحال بانهاء مرحلة المحافل وبدء مرحلة حزب سياسي، ولكن خلف ذلك القبول الشكلي كانت لديهم خطة بان يبنوا في الحزب عش جديد لمحفلية جماعتهم السابقة. لم يكن الرفيق مؤيد دون شك اول شخص يوبخنا لاننا مضينا مع التيار صوب تاسيس الحزب، وفي الحزب تخلينا عن بقايا محفلية (التيار الشيوعي). ان اؤلئك الذي يتكلمون بهذه الطريقة يكشفون عن انهم غرباء عن السياسة والقرار السياسي والشرعي لـ(التيار الشيوعي). كما ان اؤلئك الذين لحد اليوم ملتزمين ومنخرطين في التقليد والخط الفكري والسياسي والتقاليد العملية لـ(التيار الشيوعي) لما قبل قرار انضمامه للحزب، في الحقيقة تخلوا عن القرار الاخير السياسي والتاريخي لـ(التيار الشيوعي) بانهاء المحفلية وان يكونوا جزء من تاريخ جديد، تاريخ بناء حزب سياسي وشيوعي من اجل تنظيم وقيادة الثورة الاشتراكية. ان كانت مشاركة الرفيق مؤيد في تاسيس الحزب، والذي كان اخر قرار سياسي ومهم لـ(التيار الشيوعي)، وباي سبب ورؤية كانت، هو خطوة للامام، لكن رجوعه النادم الى (تيار) ماقبل تاسيس الحزب، والاكثر من هذا الى (تيار) ماقبل اذار 1991 هو خطوتين للوراء.

 

الاسباب الحقيقة لترك الحزب

 

في الحقيقة ان الرفيق مؤيد، وتحت اسم خط وموضوعات سياسية هي غير واضحة عنده، يدافع بصورة مستميتة عن التقاليد المحفلية للتيار الشيوعي قبل 27 سنة خلت. في اوقات كثيرة، وباشكال ضبابية داخل الحزب، وفي خضم اي نقاس وقرار سياسي، اعلن نفسه ان لديه ملاحظات سياسية، ولكن لم يوضح قط يوما ما ماهي ملاحظاته هذه ومتى يتحدث عنها، حتى نسمع ارائه ونكون قادرين على النقاش والجدل معه، وعندها اما نقبل ارائه او نرد عليها ونرفضها. ثمة مسالة تلفت الانتباه اكثر في الحياة السياسية للرفيق مؤيد، بوصفه شخص من قيادة الحزب، لم يجلب في مؤتمر او بلينوم ما قرار او مقرر سياسي خاص به وبتصوراته الخاصة امامنا حتى نقره او نرفضه. يرد دائما، وبجملة مقتضبة، ان لدي راي وملاحظة، وحين يطلب منه التصريح بملاحظاته وارائه، كان جوابه دوماً "ليس وقتها"! في الحقيقة ان مجمل الحياة السياسية للرفيق مؤيد التي كان فيها يؤكد على اختلافات فكرية وسياسية وخط سياسي مختلف، فانه استخدمها لعمل محفلي، لم يبذل واحداً من الف من جهده هذا ولم ينشغل قط بتوضيح اختلافاته. وبالاخير، نحن لسنا مثل الرفيق مؤيد حيث نعتبر ان مصلحته وموقعه الحزبي يحددان ارائه واختياراته السياسية، بل كنا نعتقد انه لازال لحد الان غير قادر على عبور التقاليد والرؤى واساليب العمل المحفلية. انه لحد الان يستلهم من تلك المعتقدات والقيم والصلات المحفلية، وان هذا هو السبب الاساسي لتردده وعدم ارتياحه داخل حزب سياسي وغربته عن لعب دور قيادي سياسي في الحزب الشيوعي العمالي بالاخص، وفي حزب سياسي على العموم. بتركه الحزب واصراره على التقاليد والقيم والرؤى المحفلية، رجع الى النقطة الاولى من الحلقة الى مكان ورؤى وتقاليد ماقبل ربع قرن، للاسف!

 

 

 

مقالات