عادل احمد

باريس تنهض من جديد!

ان فرنسا هي البلد الذي كان الصراع الطبقي التاريخي يصل فيه كل مرة، واكثر مما في اي بلد اخر، الى نهاية فاصلة، وهي بالتالي البلد الذي كانت فيه الاشكال السياسية المتغيرة التي يتحرك ضمنها هذا النضال الطبقي، والتي تتلخص فيه نتائجه، تنطبع في خطوط جلية الى اقصى حد". فريدريك انجلس- مقدمة كتاب: "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت".

 

كانت وحتى وقت قليل من الزمن، تعتبر فرنسا او الدول الغربية مثالا لاستقرار الرأسمال والنظام البرجوازي العالمي، وتعتبر النموذج المثالي للحياة والرفاه وتحقيق العدالة، ولكن الاحداث الاخيرة من الاضرابات والتظاهرات الجماهيرية المعروفة "بتظاهرات السترات الصفراء" للاسبوع الرابع على التوالي بالضد من حكومة ماكرون وجمهوريته وسياساته المناهضة للطبقة العاملة والمحرومين في المجتمع الفرنسي، كشفت الوجه الحقيقي والواقعي لسلطة البرجوازية واصحاب رؤوس الاموال والاعمال وتضاد مصالحها مع مصلحة عامة الشعب وخاصة الطبقة العاملة والكادحة. ان حضور العمال ونقاباتهم واتحاداتهم وعوائلهم في هذه التظاهرات تعكس عمق الاحتجاجات والمطالبات السياسية والاقتصادية بالضد من الطبقة البرجوازية الفرنسية والتي تعتاش على دماء العمال واضطهادهم وفرض مزيد من الفقر عليهم عن طريق رفع الضرائب على العمال والموظفين وعلى الوقود خاصة وقود الديزل والتي تعتمد عليه اكثرية الفلاحين الفقراء في القرى والارياف الفرنسية، وارتفاع نسبة البطالة والتي تزيد على 9% حسب الاحصاءات الرسمية، والغلاء الفاحش وارتفاع الاسعار مع تدني الاجور.. ان استمرار هذه الاضرابات على الرغم من عدم اهتمام الاعلام الغربي بمحتواها الحقيقي حيث يكتفي فقط بإظهار العنف والمواجهات بين المتظاهرين والشرطة الفرنسية، ولقد غيرت الاحتجاجات تصورات الراي العام العالمي عن ثبات ونموذجية النظام الرأسمالي الغربي والتي تطبل لها البرجوازية الغربية.

 

ان كارل ماركس وفريدريك انجلس كانوا على حق عندما تحدثوا عن اهمية فرنسا ،البلد النموذجي والتي كان فيه الصراع الطبقي يظهر بجلاء ونقاء كلاسيكي اكثر من اي مكان اخر وتصل الى نهايته اما بأحراز النصر او الاخفاق. وهذه المرة على الرغم من استعمال القوة المفرطة ضد من المتظاهرين والستر الصفراء واعتقال اكثر من 700 شخصا وقتل وجرح العشرات واستخدم المدرعات العسكرية لاول مرة هذا اليوم السبت لقمع المتظاهرين، ولكن عزم المتظاهرين على استمراريتها ورفعوا شعارنطالب باستقالة ماكرون وحكومته. ان حكومة ماكرون المناهضة لحقوق العمال والكادحين وخادمة الاغنياء والرأسماليين تحاول بكل جهدها القضاء على هذه الاحتجاجات رغم تنازلها عن سياسة فرض الضرائب على الوقود الديزل ووعودها بتحسين الحالة المعيشية للمواطن الفرنسي.ولكن الطبقة البرجوازية الفرنسية والاوروبية تراقب بعين الخوف والحذر الشديدهذه التظاهرات لان استمراريتها سوف تعمق الازمة البرجوازية الاوروبية من جهة وتبرز النضال الطبقي بشكل واضح في قلب اوروبا الغربية. ان هذا خطر لان عمال فرنسا سوف يشعلون الحرب الطبقية في عموم القارة الاوروبية كما فعلت في السابق في الثورات 1789 و1848 و1871. ان استمرار العمال والمتظاهرين باحتلال شوارع الشانزليزيةللاسبوع الرابع وفي ايام نهاية الاسبوع، رغم تنازل الحكومة ماكرون لقسم من سياساتها هي ناقوس خطر للبرجوازية الفرنسية لرجوع العمال الباريسيين وكومنونتهم ولكن هذه المرة كومونة باريس الجديدة بعد تجربة حكومتهم في عام 1871 وتجربة الحكومة العمالية في روسيا.

 

تحاول ابواق الاعلام البرجوازي الغربي ان تعطي صورة مشوهة عن هذه التظاهرات وعن قيادتها، تحاول ان تجعل صورتها بجمع من المحتجين من اقصى اليسار الى اقصى اليمين لمطلب معين وهي ضريبة الوقود و نتشر اكاذيبها بعدم وجود قيادة معلومة ولكن النظر البسيط الى استمراريتها ومطالباتها السياسية المستمرة رغم تنازل الحكومة لقسم من سياساتها دليل على عمق وافق هذه الاحتجاجات بالرغم من عدم وجود قيادة سياسية حزبية معينة ولكنها موجودة . ان وجود عناصر من اليمين والمتشددين في هذه التظاهرات والقيام ببعض الاعمال العنف لا تخفي الحقيقة بان افق المتظاهرين واضح وهي اسقاط ماكرون وجمهوريته والمطالبة برفع مستوى المعيشة والكف عن مغازلة ماكرون للطبقة البرجوازية الفرنسية والاجابة على متطلبات حياة المواطن الفرنسي. انها بداية ولكن هي نهاية ماكرون وتمثيله الجمهوري. ان هذه التظاهرات تستحق التضامن والمساندة من قبل كل العمال في العالم ، فهي بمثابة ذوبان الثلوج حول اسطورة البرجوازية في ذاكرة الجيل الجديد بعد انهيار الاشتراكية الغير العمالية في القرن العشرين والتطلع من جديد الى كومونة باريس ومقدرتها بخلق عالم افضل وتطلع الى اماني الانسانية من الحرية والمساواة بين البشر. وان استمرارية الاحتجاجات والتظاهرات وتحقيق مطالباتها مرهون بأستعدادات الطبقة العاملة الفرنسية المنظمة بالدرجة الاولى والمساندة الاممية لعمال العالم كما شاهدنا امثلتها في بعض البلدان والتي تؤدي الى احياء الاممية والروح النضالية العمالية والاشتراكية كما كانت موجودة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين. انها بداية ولكنها مفعمة بالروح النضالية والطبقية. ان البطولية الجديدة لعمال وكادحي باريس تستمد قوتها من بطولات اجدادهم في باريس وفي الكومونة وتضحياتها.. انها ليست صاعقة هبطت من السماء الصافية كما يسميها فيكتور هوغو وانما تاريخ من الصراعات الطبقية تشهدها فرنسا من جديد

مقالات