سمير عادل

السترات الصفراء وحكومة عبد المهدي

مشهدان متناقضان يخيمان على الساحة السياسية في العراق، وليس هناك معطيات مادية الى حد الان اي منهما يجر الاخر. الاول تجدد احتجاجات جماهير البصرة، وهذه المرة استلهمت عزيمتها من احتجاجات باريس التي ترعب اليوم جميع حكومات الاتحاد الاوربي الديمقراطية لحد الوصول الى الحكومات القومية العربية المستبدة في العالم العربي. واقتداءا بجماهير باريس التي ارتدت السترات الصفراء تعبيرا عن السواق الليليين وهم يرتدون تلك الستر احتجاجا على ضريبة الوقود الاخيرة التي فرضتها حكومة ماكرون، وسميت اشتعال شرارة انتفاضتهم بأصحاب السترات الصفراء، ارتدى فعالي ونشطاء الاحتجاجات في البصرة السترات الصفراء كي يبعثوا برسالة بأن معاناة باريس هي نفس معاناة البصرة من الجانب الانساني، وان حكومة ماكرون التي تحمي الاثرياء وخزائنهم وتلغي الضرائب على شركاتهم وتوفر كل المستلزمات لتكديس اموالهم لها نفس المحتوى الطبقي والفاسد مع حكومة البصرة المحلية وحكومة بغداد المركزية التي هي حكومة الاثرياء والفاسدين واللصوص مع الاختلاف بالاليات، فماكرون عن طريق دولة قمعية بمؤسساتها القضائية والتشريعية والتنفيذية تنفذ اجندة الاثرياء، اما في العراق فتنفذ الاجندة عن طريق ميليشيات مافيوية ادوات حثالة البرجوازية التي تمثلها سلطة الاسلام السياسي.

 

اما المشهد الاخر وهو الصراع على تشكيل الحكومة، او بالاحرى الصراع للاستحواذ على الجهاز القمعي وهو وزارتي الداخلية والدفاع الذي يحسم مصير السلطة او على الاقل تحييدها خلال المرحلة القادمة. وليس اغتيال احد قادة سرايا السلام وهي المليشيا التابعة لمقتدى الصدر في منطقة الشعلة في بغداد قبل يومين الا دلالة على بدء تسخين الاوضاع الامنية ووصول الصراع الى درجة الاتقاد او بدء مرحلة كسر العظم بين اطراف الاسلام السياسي الشيعي التي يقف وراء كل واحد منها النفوذان الامريكي والايراني بدرجة اساسية.

 

ويكشف الصراع على وزراتي الداخلية والدفاع عن مسالتين تبعث عن السخرية، الاولى لم يكن اي من الاقطاب المتصارعة في وارد من يكون رئيس الحكومة، وقد اتفق الجميع على عبد المهدي بسرعة ضوئية لم يتعود عليه المشهد السياسي العراقي بعد الانتهاء من اية انتخابات تشريعية، وهذا يدل ان عبد المهدي لم يكن اكثر من موظف تم تعينيه لاتمام ديكور سلطة الاسلام السياسي الشيعي لدورة قادمة. اما المسالة الثانية، تحول فالح الفياض الى نجم سياسي بقدر اضعاف رئيس الحكومة، واصبح شخصه ومنصبه الذي يراد تنصيبه فيه اهم بما لا يقاس من رئيس الوزراء. اي بمعنى اخر سيكون من يدير مجلس الوزراء ويملي عليه قراراته وزير الداخلية وليس رئيس الوزراء وهذا يكشف عن سخرية المشهد السياسي العراقي بنفس قدر التراجيديا التي ستلفه في الايام القادمة.

 

بكلمة اخرى ان الصراع على فالح الفياض هو الصراع على ابقاء سلطة الحشد الشعبي ومكانتها خلال المرحلة القادمة التي تترجم الى مرحلة تداعيات الانتهاء من الحرب على داعش، ومرحلة الحصار الاقتصادي على ايران ومحاولات امريكا لتقويض نفوذ الجمهورية الاسلامية في المنطقة.

 

وفي كلا المشهدين ليس هناك تداخل بينهما، اي تجدد احتجاجات البصرة والصراع على الاجهزة القمعية في السلطة السياسية في بغداد. بيد ان الواضح في البصرة ان وجود الحكومة من عدم وجودها في بغداد، هناك قوة قمعية تضرب بيد من حديد الاحتجاجات وتتنصل من المطالب العادلة لجماهير البصرة. وهذا يوضح لنا ان السلطة الحالية في المدن، لا ترتبط بسلطة مركزية، بل مقسمة الى مناطق نفوذ مليشياتية. اي ان من يعتقل المتظاهرين في البصرة ويعذبهم ويرغمهم على التوقيع على اوراق براءة والتعهد بعدم المشاركة في الاحتجاجات انما تقف وراء ذلك مصالح الاحزاب الاسلامية ومليشياتها الحاكمة في البصرة التي تسيطر على الحقول النفطية والموانئ والنقاط الكمركية الحدودية. ان هذه المسالة تسلط الضوء على استراتيجية احتجاجات جماهير البصرة لتحقيق مطالبها؛ اي على جماهير البصرة ان لا تنتظر تحقيق مطالبها عن طريق حكومة بغداد ولا بالتوهمات التي تنثرها الاطراف المتصارعة على السلطة في بغداد، وبأن عدم اتمام تشكيل الحكومة هو وراء عدم تلبية مطالب جماهير البصرة التي هي مطالب جماهير العراق برمتها. فعملية قمع الاحتجاجات لا تنتظر الاوامر من بغداد، فلماذا تحقيق المطالب الا بتشكيل الحكومة في بغداد!

 

والنقطة الاخرى هي يجب تغير الاشكال النضالية والتنظيمية التي اشرنا اليها في اكثر من مناسبة، وهي اللجوء الى تشكيل لجان تنظيمية جماهيرية في المحلات والاحياء السكنية لإدارة المناطق وازاحة المليشيات منها وفي الوقت ذاته تنظيم جميع عمال العقود في الميادين المختلفة ليشكلوا بالتالي اطار تنظيمي واحد يوحد جميع صنوف عمال العقود على مستوى المحافظة، وعلى صعيد العاطلين عن العمل الذين هم العمود الفقري لتلك الاحتجاجات، ليس امامهم الا تنظيم صفوفهم اذا ارادوا تحقيق مطلبهم العادل فرصة عمل او ضمان بطالة، بأشكال مختلفة وان ينظموا ارتباطهم مع لجان المحلات وعمال العقود ليشكلوا وحدة منتظمة متراصة ليس بمقدور اي قوة مليشياتية النيل منهم. ان الارتقاء بهذه الاشكال التنظيمية ومن ثم التقدم نحو رفع شعار مركزي واحد يوحد صفوف جماهير البصرة "توفير الخدمات- فرصة عمل او ضمان بطالة-عمل على الملاك الدائم" بإمكانه قلب المعادلة ليس لصالح جماهير البصرة فحسب بل لجماهير العراق، وسيجر كل المشهد السياسي لصالحها. حينها سيكون لنا كلمة اخرى وسياسة اخرى وخطوة اخرى نحو تحقيق الخبز والمساواة والحرية والامان.".

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018