قاسم هادي

البراءة من التنظيم، مرض القرن

تبنّت البرجوازية خصوصاً بعد الثورات في اوربا الناجحة منها والفاشلة، تبنت الكثير من أفكار اليسار وصاغتها بالقاالب الذي تريده، ووضعت بشكل مراوغ بارع كل جرائمها تحت عنوان حقوق الإنسان والسلام العالمي وحلم دولة الرفاه. جرّبت البرجوازية حتى إطلاق اسماء او تضمين كلمات نضالية او اشتراكية او عمالية على أحزابها في مختلف دول العالم بحيث أصبحت كلمات مثل الاشتراكية او العمال او العدالة او حتى كلمة رفيق هي كلمات مرتبطة بالقمع والإرهاب والنهب. ليس هذا وحسب بل انشأت الكثير من المنظمات الشبابية والنسوية والعمالية وأحزاب ممثلي الأقليات واستخدمت قادة معروفين من قبل هذه الجهات الممثلة بتلك المنظمات والأحزاب وكانت تمولها وتديرها في الباطن لتمثل مصالحها في نهاية المطاف.

 

واحدة من أهم وأعقد النتائج التي أفرزتها تلك الحقبة من المخادعة التي استمرت منذ بدايات القرن الماضي وباقية الى الان هي فقدان الثقة بكل تلك المنظمات والأحزاب بالاسماء المخادعة او بالقادة المخادعين او المخدوعين واكتشاف تلك الخدعة ولكن ما يجعلها نتائج مهمة هو فقدان الثقة بأي أحزاب ومنظمات اخرى فعلية ومعبرة عن طموحات وتطلعات الجماهير بشكل صميمي، يعني مثل استخدام المضادات الحيوية التي قضت على الجراثيم لكنها قتلت البكتيريا المفيدة في عمليات الهضم والتمثيل الغذائي والأيض، مما قاد الى فقدان الثقة بالتنظيم بالكامل لان تلك الأحزاب والمنظمات مثلت التنظيم لعقود ولأن بعض قادة الجماهير عمّق الأزمة بالمراهنة على ان عفوية الحركة تعني نقاءها مع ان عفوية الحركة لاتعني الا انها لفّ الحبل حول عنق الحركة. تعكس الاحتجاجات العالمية غضب واسع وفشل النظام الرأسمالي بالكامل لكن في الوقت نفسه عند سؤال اي من المتظاهرين عن منظمي تلك الاحتجاجات عراقيا فرنسيا ايرانيا كان او تونسيا فان يقفز مرعوبا ليؤكد ان هذه التظاهرات ليس وراءها اي حزب كأنه يدفع تهمة الاٍرهاب عن نفسه ورفاقه.

 

حين تكون هنالك مشكلة اجتماعية او اقتصادية، وما أكثرها في عالم اليوم، فإن هنالك مجموعة محبة للناس وساعية لإنقاذ المجتمع من تلك المشكلة تحتاج هذه المجموعة الى سلسلة من اللقاءات للاتفاق على مالعمل وكيف سيطلبون من الدولة حلها وكيف يتم الضغط وماهي وسائل الاحتجاج المطلوبة والمؤثرة وكيف نغير التكتيكات في حالة فشل الاحتجاج وهذه العملية برمتها هي عملية التنظيم الجماهيري سواء باستحداث منظمة او حزب والتنظيم الذاتي للجماهير او الاعتماد على منظمات أو أحزاب موجودة ولديها تنظيمها ووسائلها النضالية وبرنامجها الذي يتضمن البدائل في حالة فشل بعض وسائل الاحتجاج والبديل السياسي والتنظيمي والإداري في حالة نجاح الاحتجاج، أما البراءة من التنظيمات فإنها ستشكل مصدر قوة للحكومات والبرجوازية بشكل عام التي هي دائما منظمة بحكوماتها وأحزابها ومنظماتها وحتى بمنظماتها الصفراء التي زرعتها داخل تجمعات الشباب او النساء او العمال، البرجوازية تعرف تماما قيمة التنظيم لذلك هي منظمة بشكل واعي ولنفس السبب تسعى بشكل واعي ايضاً ان لاتجد الجماهير اي فائدة من التنظيم لان ببساطة تنظيم الجماهير يعني سقوط الحكومات

مقالات