عادل احمد

السترات الصفراء الفرنسية والعراقية

استمرت تظاهرات السترات الصفراء على الرغم من وعود ماكرون بتلبية قسم من مطالب المحتجين. واستخدمت الحكومة الفرنسية مرة اخرى العنف عن طريق استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات والاعتقالات في تظاهرات باريس للاسبوع الخامس. وتنادي الحكومة الفرنسية المتظاهرين باستمرار، الكف عن التظاهرات وارساء الهدوء في الشارع الفرنسي ومحاولة السيطرة على الغضب الجماهيري المتصاعد بالضد من سياسة البرجوازية الفرنسية وحكومتها. ان من يمعن النظر في هذه التظاهرات ومطالباتها وافاقها يرى بوضوح العمق والمحتوى السياسي لاسباب اندلاع التظاهرات والاحتجاجات في باريس والمدن الفرنسية الاخرى. ان المحتوى السياسي لهذه التظاهرات، يعبر عن عمق الهوة والشرخ الكبير بين طبقتي الاغنياء والفقراء في المجتمع الفرنسي والتي وصلت الى نقطة حاسمة فليس بامكانهما العيش سويا تحت نفس الظروف والمعطيات والمتطلبات لحركة الرأسمال وازماتها. ان عدم وجود الرؤية الواضحة والاجابة من قبل البرجوازية الفرنسية على المشكلات والمعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التييواجهها المجتمع الفرنسي، فجرت المشكلة في الشارع وانخرط المجتمع برمته عندما اعلن عن التظاهرات من قبل جماعة السترات الصفراء.

 

تحاول البرجوازية الفرنسية شق صفوف المتظاهرين عن طريق خداع قسم من قادة المتظاهرين والاهتمام بهم والتحدث معهم من اجل انهاء التظاهرات واخلاء الشوارع. ولكن الشرخ والهوة اكبر واعمق مما تتصوره البرجوازية الفرنسية حيث يجب عليها تلبية المطاليب وانهاء الضريبة على الوقود مع زيادة قليلة في الدخل والرواتب. الشرخ والهوة تكمن بادراك الطبقة العاملة والكادحة الفرنسية لمحتوى الجمهورية الفرنسية الحالية والتي عبر عنها بشكل واضح بان الجمهورية الفرنسية الحالية وحكومتها هي للاغنياء وطبقة الراسماليين والبرجوازيين واصحاب الاملاك ولا صلة لها بمصالح الفقراء، وليس بوسع الطبقة الفقيرة الانتظار او عمل اي شيء عدا الوقوف بوجه هذه الحكومة وممثليها السياسيين. وان المجتمع الفرنسي التاريخي مليء بهذه الصراعات الطبقية. فالشيء الذي تخافه البرجوازية الفرنسية والاوروبية من هذه التظاهرات واتساع رقعتها هي شبح الشيوعية والماركسية من جديد على عموم القارة الاوروبية، وحقا فان الخوف بمحله بسبب طبيعة المجتمع الفرنسي والنضال الطبقي فيه.

 

وظهرت ايضا في الاونة الاخيرة تظاهرات في مدينة البصرة العراقية مقلدة السترات الصفراء ودعما لها. وحملت هذه التظاهرات ايضا مطالباتها السياسية والاقتصادية واستمدت قوتها بانخراط الطبقة العاملة وخاصة عمال المواني والنفط وحضورها. ومن هنا الجدير ان نذكر ونقارن بين السترات الصفراء العراقية والفرنسية وافاقها.. او حتى شكلها ومضمونها. ان تظاهرات السترات الفرنسية منتظمة ومستمرة حتى الوقت الحاضر للاسبوع الخامس على الرغم من تنازل الحكومة لبعض مطالب المتظاهرين، ولكن في حالة السترات الصفراء العراقية فهي غير مستمرة وغير منتظمة والتي تشتعل يوم وتختفي في اليوم التالي وبدون قيادة ثابتة ومحكمة كما في الحالة الفرنسية. وان مطاليب الفرنسيين واضحة ودقيقة ولكن مطاليب العراقيين على الرغم من حقانيتها ولكنها غير واضحة في بعض الاحيان وتتضمن مطاليب قسم من البرجوازية المعارضة اوتدور في اجوائها.. ان استقلالية المطاليب بشكل واضح في كل تظاهرات البصرة والمدن الجنوبية غير واضحة، دلالة على نوع الرؤية والافق السياسي للمتظاهرين العراقيين على الرغم الاستياء الشديد من قبل جماهير الفقراء ضد الحكومة العراقية واحزابها الاسلامية والطائفية. ان التظاهرات الفرنسية لا تثق بوعود ماكرون وحكومته وتحاول ان تثبت ما تحققه اجتماعيا ووتحصل على دعم سياسي في اوساط المجتمع، ولكن التظاهرات في البصرة على الرغم من عدم ثقتها بوعود الحكومة ولكن لا تثبت اجتماعيا وسياسيا اي لا تحاول ان تحقق دعما اجتماعيا وتثبت دعم المجتمع لها.. دعم المجتمع بمعنى غالبية المجتمع ان يلتف حولها وعندما لم تحقق مطاليبها سوف تستمر بكسب الراي العام حولها وانخراط اكثرية المجتمع بالدخول للتظاهرة مرة اخرى او دعما لها. تمكن قادة تظاهرات السترات الصفراء الفرنسية من رفع الوعي الطبقي في نضالها و زرع الخوف والرعب في قلب البرجوازية الاوروبية برمتها ولكن يختلف هذا الوعي عند قادة السترات الصفراء العراقية وعيها الطبقي وحتى مطالباتها السياسية لا تخرج عن النطاق الضيق المحلي، على سبيل المثال مطالبات تشمل منطقة البصرة او مدينة اخرى ولا تخرج عن النطاق المحلي ولا تزرع الخوف حتى في قلب السلطات العراقية ولهذا يكون اخمادها سهلا عن طريق القمع ولا يستمر لفترة اطول..

 

من اجل ان تكون تظاهراتنا واحتجاجاتنا مؤثرة وان تحقق مطالباتها وان تكون مدعومة سياسيا واجتماعيا في المجتمع، عليها ان تاخذ دروسا من تجربة المتظاهرين في باريس والمدن الفرنسية الاخرى. عليهاان تقلد تظاهرات السترات الصفراء الفرنسية لا بمظهرها وبسترتها وانما بوعيها السياسي والطبقي.. عليها فصل صفوفها عن صفوف الحركات البرجوازية الاسلامية والقومية وان تعتمد على صفها الطبقي والنضالي للفقراء من العمال والكادحين عن طريق تشكيل المنظمات العمالية واللجان المحلية في اوساط المعامل والمصانع والشركات والاحياء العمالية.. ان رفع الوعي الطبقي بمعنى الخروج من نطاق الضيق المحلي وان تنظر على كل العمال كطبقة وان تنظر الى الكادحين كفئات مسحوقة تحتاج الى قيادة عمالية من اجل خلاصها من الفقر والمعاناة. ان العمال في كل مكان هم الطبقة التي تنتج الثروة في المجتمع ويكون اي انتصار في اي مكان في العالم انتصارا للطبقة باكملها وان اي طليعية في اي مكان سوف يكون قدوة لبقية الطبقة في كل مكان، ولهذا على الطبقة العاملة العراقية ان تستمد قوتها الطبقية من الطبقة العاملة الفرنسية وتطلعاتها وان تاخذ الدروس من تجربة العمال الباريسيين وبطولاتهم وافاقهم السياسية والطبقية

مقالات