سمير عادل

لنودع عام تبدد الاوهام

يتزامن صدور هذا العدد (٤٧٣) مع احتفالات راس السنة في جميع انحاء العالم بما فيه العراق، بالرغم من اطلاق فتوى داعشية من مفتي الديار العراقية والحكومة المحلية في كربلاء بتحريم الاحتفالات بهذه المناسبة، من منظور كراهية الاخر والتمييز الديني، وهذا ما يجمع معا الاسلام السياسي السني مع الاسلام السياسي الشيعي باحتقار وكره كل ما يمت بصلة للإنسان. وبهذه المناسبة نٌذكر فقط الجهلة، ان كل المصادر التاريخية تؤكد ان الاحتفال براس السنة ليس له اية علاقة بأية مناسبة دينية، فهو تقويم سنوي وتاريخي اتبع قبل ١٥٠ عام من ميلاد المسيح على يد يوليوس قيصر انظر كتاب "عجائب وغرائب التقاويم وتقويم المستقبل-ضياء الشكرجي".

 

كان عام ٢٠١٨ بحق، عام تبدد الاوهام امام جماهير العراق، عام تقدم نضالات جماهير العراق الى الامام. لقد ولى والى غير رجعة توهم الجماهير بالاسلام السياسي، فقاطع اكثر من ٨٠٪ الانتخابات التشريعية التي طبلت لها احزب الاسلام السياسي الشيعي والقوى القومية بكردييها وعروبييها، وجميع المؤسسات المحلية والدولية التي لا تجيد غير شهادة الزور في كل انتخابات مثل الامم المتحدة والاتحاد الاوربي والمفوضية غير المستقلة للانتخابات. ولم تكتف جماهير العراق بمقاطعة الانتخابات فحسب وخاصة في ظل قلعة من باعوا الترياق للجماهير تحت عنوان "مظلومية الشيعة" لتمرير سرقتهم ونهبهم لعرق العمال ومحرومي المجتمع وثرواتهم ورفاهم، بل عبرت بشكل عملي عبر احتجاجات واسعة وكبيرة، عن غضبها واستيائها ونفورها ونفاذ صبرها من استمرار سلطة الاسلام السياسي الشيعي الفاسدة، بالرغم من قتل العشرات من المتظاهرين وشن حملات اعتقالات وتعذيب واختطاف واغتيال وارغام عدد كبير منهم على توقيع اوراق تعهد بعدم العودة للمشاركة في الاحتجاجات.

 

ومع وداعنا لعام ٢٠١٨، تبددت اوهام الجماهير حول الكذبة الديمقراطية التي سوقت الى العراق عبر حراب الاحتلال، وادركت الجماهير اية لعبة انطلت عليها، وانها اي الديمقراطية لم تكن اكثر من صندوق انتخابات ليس مهما من يضع صوته فيها بل المهم والحاسم من يفتحها، من يمتلك المال والمليشيات التي تديرها.

 

وعندما نودع عام ٢٠١٨، تعلمت الجماهير ان تفصل صفوفها عن القوى الاسلامية والاحزاب التي ركبت احتجاجاتها منذ عام ٢٠١٥، ولم تخدع بزيارة الصدر التي رفض المتظاهرون استقباله، ولا بقدوم العبادي اليها في شهر تموز وفي اوج تظاهراتها، ولم توافق على تمثيل شيوخ العشائر لها التي حاول العبادي تسويقهم كممثلين للمتظاهرين وبعد ذلك شراء ذممهم ومنح فرص عمل لأبنائهم كما فعل من قبله المالكي. ولذلك ثأر العبادي لنفسه، بقتل المتظاهرين وإطلاق العنان لمليشيات الاحزاب الاسلامية لتنقض على المتظاهرين.

 

وعندما نودع عام ٢٠١٨، نتذكر كيف تثبت وبشكل نهائي في الادبيات السياسية مقولة سلطة الاسلام السياسي مرادفا للسرقة والنهب والخطف والقتل والمليشيات والفساد وغسيل الاموال وتجارة المخدرات ومافيات الدعارة والادوية الفاسدة والبيض الفاسد وتسميم مياه الشرب وقتل الاسماك، مما دفع بقوى الاسلام السياسي اكثر من مرة تغيير قوائمها ومسمياتها الى مسميات بعيدة كل البعد عن اسمائها عندما شاركت في الانتخابات.

 

وفي عام ٢٠١٨، وهذا ما بث الذعر في صفوف الاسلام السياسي، نزول النساء في احتجاجات البصرة الى الميدان، سواء على صعيد المشاركة في التظاهرات او بتشكيلهن فرق لإسعاف الجرحى الذين سقطوا برصاص القوات الحكومية ومليشيات الاحزاب الاسلامية. وكان رد الاسلام السياسي على رفع صوت المرأة، رفع راسها، تطلعها الى المساواة المطلقة مع الرجل، بتنظيم سلسلة من عمليات الاغتيال الجبانة المعروفة عنهم والتي تعكس هويتهم الرجعية.

 

وفي عام ٢٠١٨، برهنت جماهير العراق، وتحديدا جماهير البصرة بأن نضالها وامانيها وتطلعاتها لا تنفصل عن نضال جماهير باريس من عمالها ونسائها ومحروميها. فلقد اوقدت تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا جمرة الاحتجاجات في البصرة من جديد، وارتدى العمال والكادحين نفس الوان السترات، جانبا منه تضامني، والجانب الاخر التعبير عن الغضب تجاه نفس السياسة الرأسمالية التي تنتهج في كلا البلدين. وبينت جماهير البصرة بأنها جزء من نضال الجماهير العمالية في هولندا وبلجيكا وتركيا والاردن والسودان.. وهذا صب الزيت من جديد على نار غضب القوى الاسلامية مما استقبلتها كالعادة بفتح النار عليها واعتقال فعاليها ونشطائها.

 

وفي عام ٢٠١٨، سقطت كل الدعايات الفارغة والكاذبة حول تشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة، بعيدة عن الفساد، حكومة توفر الخدمات وتوفر فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل، حكومة تحارب الفساد اذا لم نقل تقضي عليه. وبينت من جديد انه لا يمكن ادامة العملية السياسية دون المحاصصة القومية والطائفية، ولا يمكن ادامتها دون الفساد والسرقة والنهب.

 

اما في العام الجديد، عام ٢٠١٩، فليس امامنا وامام الجماهير الا ان تعي، بأن لا خلاص من سياسة الافقار التي تتلخص بالنهب والفساد ومشاريع المؤسسات العالمية المالية، لا خلاص من الفتاوى المعادية حتى النخاع للماهية الانسانية، لا مساحة واسعة للحريات الفردية والانسانية، لا مساواة في جميع الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لكل فئات المجتمع، دون التخلص من الاسلام السياسي.

 

ان ما تحتاجه الجماهير ليس سوى فقط تنظيم نفسها حول راية واحدة، راية المساواة والحرية، راية حكومة منبثقة منها وبإرادتها الحرة، ومن الممكن عزلها في اي وقت تعمل بالضد من مصالحها دون انتظار اربع سنوات عجاف، وفي يوم الانتخابات تشحذ اسلحة المليشيات وتغدق الاموال المسروقة من ثروات الجماهير كي يعاد انتاج نفس الوجوه الكالحة التي لا تجيد غير النفاق وامتهان الكذب.

 

ليكن عام ٢٠١٩ هو عام النضال من اجل توحيد صفوفنا وازالة كل العقبات والمعوقات التي تعترض طريقنا، طريق الحرية والمساواةوالرفاه.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018