سمير عادل

في رحيل جبار مصطفى.. بضعة كلمات للتاريخ

تعجز الكلمات عن وصف مدى الم الفراق الذي تركته عندنا، نحن رفاق دربك واصدقائك ومحبيك. حقا لا ادري كيف توصف المشاعر عندما تفقد انسان عزيز عليك. انها نفس اللحظات، ونفس المشاعر بالنسبة لي على الاقل، عندما غادرت رفيقتك منى علي "ليلى محمد". وما يزيد من الم فراقك هو أنك غادرت الحياة من نفس المدينة التي رحلت هي، واذا قلت عنها انطفأت شمعة لم تكن تريد ان تطفأ ابدا، فأقول عنك ان قلبا مفعما بالحياة والامل وانتصار الشيوعية، شيوعية ماركس الذي قال ان الانسان اثمن راس مال، وشيوعية منصور حكمت الذي قال ان الاشتراكية هي اعادة الخيار للانسانية، اقول عنك ان قلبا توقف اراد ان ينبض ابدا من اجل الانسانية.

 

ان كل انسان عزيز وله قيمة في هذه الحياة، وفقدان البشر لحياتهم دائما كان مصدر الم بالنسبة لنا جميعا. الا ان اناس مثلك ايها الغالي، اناس قرروا ان يكونوا دائما مصدرا لخلق السعادة واعادة البسمة الى شفاه الاطفال الذين انتزعت منهم طفولتهم، واعادة الضحكة الى وجوه محرومي المجتمع بعدما سلبتها البرجوازية بتياراتها القومية والطائفية منهم، واعطاء امل الى مئات المناضلين من اجل عالم افضل، مثل هؤلاء الناس، عندما تفقدهم البشرية، فاي فراغ يتركونه!.

 

جبار مصطفى المناضل الشيوعي والقائد الذي تعلمت منه ورفاقي في عصبة تحرير الطبقة العاملة، بأن الشيوعية لا تُقهر، وبأن ما عرفناه من الاتحاد السوفيتي والاحزاب الشيوعية التقليدية التي درات في فلكها لم تكن الا اوهام كنا نسبح في بحارها.

 

جبار مصطفى الذي حول سجن ابي غريب السيء الصيت في السبعينات، في سنوات الارهاب البعثي، الى مدرسة لتعلم شيوعية ماركس، شيوعية الطبقة العاملة، في الوقت الذي كان يصفق الجميع في تلك المرحلة لشيوعية الاتحاد السوفيتي والصين والبانيا والاورو الشيوعية.

 

جبار مصطفى الذي عرف بجلال محمد، برهن بأن الشيوعية ممارسة اجتماعية يومية، بدءا من المعاملة اليومية في البيت من تقسيم العمل وممارسة العمل المنزلي وتربية الاطفال ومنع كل اشكال العنف ضدهم، ومرورا بالدعاية والتحريض بين العمال وتنظيمهم وانتهاء بالتحزب الشيوعي وبأعلى درجاته. انه احد معالم الشيوعية في كردستان العراق، ونقل تجربته وخبرته النضالية الى وسط وجنوب العراق. ان عدد من اعضاء قيادة الحزب الشيوعي العمالي العراقي بما فيهم كاتب هذه السطور مدين الى تعلم شيوعية ماركس ومنصور حكمت الى عدد من قادة الشيوعية العمالية في العراق وكردستان وكان احدهم جبار مصطفى.

 

لقد تعرفنا على جبار مصطفى قبل انتفاضة اذار 1991 وتحديدا بعد دخول العراق للكويت، التقيت به في مدينة السليمانية مع فارس محمود، كنا يومها متعطشين لسماع طروحات وموضوعات الشيوعية العمالية. في تلك الفترة كانت الاحزاب الشيوعية البرجوازية تمسك بقبعتها خوفا من ان تطيرها عاصفة دوي انهيار الاتحاد السوفيتي وجدار برلين، وتتسابق فيما بينها لتغيير اسمائها والتخلص من ارث الشيوعية التي كانت تثقل كاهلها بعد ان حولوا ماركس الى كاريكتير اكاديمي ولينين الى مومياء منزوع الافكار الثورية، مثل حليب منزوع الدسم، وكانت تزايد فيما بينها على تبني الديمقراطية، مصطفين وراء جوقة تعزف لنظام العالم الجديد المخضب بالدم كما صوره منصور حكمت، كان جبار مصطفى يتحدث لنا عن افاق الشيوعية، وعن افكار ماركس في نقد النظام الرأسمالي ونقد القومية وترهاتها، وعن الطبقة العاملة ودورها في العراق، وعلى تهيئة الاستعدادات لأسقاط النظام البعثي، وعلى تشكيل المجالس العمالية....

 

لم يسكن جبار مصطفى يوما طوال التاريخ الذي عرفناه فيه، واينما حط رحاله حول المكان الذي فيه الى منبرا للدعاية الشيوعية، وحتى عندما وجهت اول ضربة امنية الى عصبة تحرير الطبقة العاملة في عام 1992 من قبل النظام البعثي، فتح جبار مصطفى بيته مع رفيقته شيرين وحوله الى مأوى ومقر ومسكن للاعضاء الذين هربوا من بطش النظام واعتقالهم، وهناك ايضا بعث الامل والطمأنينة من جديد في صفوف الرفاق، وبدء في نفس الوقت بنقل تجربته النضاليه اليهم ونقل ما كان بوسعه من افكار وتجارب شيوعية اليهم، ليواصلوا مرحلة جديدة من النضال.

 

بعد اطلاق سراحي من معتقلات الامن العامة في بغداد في بداية التسعينات، كنت احاول ان انقل تقريرا مفصلا الى رفاقنا في كردستان عن كل ما حدث وما دارحول اعتقالنا واسبابه، واساليب التحقيق، والمسائل التي تريد السلطة البعثية ان تعرفها عن المنظمات الشيوعية العمالية. وقد ارسلت رسلة شفهية الى رفاقنا في كردستان، طلبت لقاء احدهم، وارسلت طلب بالاسم جبار مصطفى، وقد اتى دون تردد او اي خوف من الاعتقال او الوقوع في كمين، وقد التقيته في منطقة الشورجة في مدينة كركوك ولمدة اكثر من 4 ساعات. وكالعادة استطاع جبار مصطفى ان يحتوي كل هواجسي ومخاوفي وشكوكي والمشاعر المختلطة في داخلي التي تنتاب كل شخص يفلت من معتقلات البعث الدموية، لقد قدم لي شخصيا، دعما معنويا عظيما، واضاف لي خبرة نضالية جديدة لمواصلة عملي السياسي.

 

بعد عام 2003، لم يهدئ البال لجبار مصطفى، اذ ترك مدينة سدني الاسترالية، وشد رحاله من جديد الى العراق، وهذه المرة الى بغداد ومن ثم الى البصرة برفقه ريبوار احمد، ليلتقي صف من رفاقه الذين كانو معه في سجن ابي غريب في السبعينات الذين تحدث معهم عن شيوعية ماركس، وهناك وفي مدينة البصرة تحدث عن مكانة البصرة الحيوية في العراق بسبب صناعيتها وتاريخها العمالي والنضالي، تحدث عن مكانة عمال النفط والموانئ ودورهم في تقرير المصير السياسي للعراق، وعن اليات وسبل التصدي للاحتلال، وعن الامكانيات الكامنه في الطبقة العاملة في البصرة، لتساهم زيارته بعد فترة وجيزة في تأسيس لجنة تنظيم البصرة للحزب الشيوعي العمالي العراق التي بدأت بتوزيع ادبيات الحزب وصحافته وتأسيس المنظمات الجماهيرية للعمال والمشردين والعاطلين عن العمل والشباب وكسب عشرات الاعضاء الى صفوف الحزب.

 

وبالرغم من مرض جبار مصطفى، الا ان دوره كان فعالا مع قيادة الحزب الشيوعي العمالي العراقي بالتشاور وتبادل الخبرات والمناقشات حول تقديم كل اشكال الدعم لاحتجاجات البصرة في تموز المنصرم. لم يفت يوما وخلال كل تلك الايام الا وكان جبار مشاركا نشطا وحيويا مع قيادة حزب العراق.

 

ارقد بسلام ايها الرفيق العزيز، لقد اعطيت كلما ما لديك لنا، رفاقك، محبيك، اصدقاءك، حزبك، والحركة الشيوعي العمالية. ان سلوانا الوحيد هو مواصلة دربك.

 

 

31

-12-2018

مقالات

سمير عادل

05/03/2018