فارس محمود

ذكرى -6 كانون الثاني- ودعوات -الخدمة الالزامية-!

يتزامن "عيد الجيش" اليوم مع تلك الدعوات التي تطالب بضرورة اعادة العمل بقانون " الخدمة الالزامية". لو وضعنا كل التهرهات جانباً حول الجيش بوصفه "سور الوطن"، جيش الدفاع عن"حياض الوطن"، "عن الارض والعرض" من "دنس الاعداء"، و"تربة العراق" و"الاراضي العراقية" وغيرها، ونلقي نظرة على ماهية هذه المؤسسة.

 

ليس الجيش، تاريخياً والان كذلك، سوى مؤسسة كسائر المؤسسات القمعية للدولة، للسلطة من شرطة وامن ومخابرات وقوات "مكافحة الشغب" والخ. اداة قمع بيد الطبقة البرجوازية الحاكمة بوجه انتفاضة الطبقات والفئات المحرومة والمسحوقة. انه اداة بيد الطبقات الحاكمة على امتداد العصور لقمع "العدو الداخلي"، الجماهير المحتجة الساخطة على اوضاع الظلم، الجوع والفقر وانعدام الحقوق والحريات. اذ انه استخدم عشرات المرات بوجه "العدو الداخلي" مقارنة بـ"العدو الخارجي"! ان المهمة التي تعجز القوات "الداخلية" او المخصصة لـ"العدو الداخلي" من قوات شرطة وامن وغيرها عن القيام بها على اكمل وجه، تُجلَب قوات "العدو الخارجي"، الجيش، بوصفه اكثر تنظيماً واكثر تسليحاً وشراسة وفتكاً، وبالتالي اكثر ردعاً للقيام بذلك. ولهذا، فان هذا التقسيم قوات "تختص بامر الداخل، المحل" واخرى "تختص بامر الخارج، والعدو الخارجي" هو كذبة صرف. لقد بينت عن هذا كل تجربة التاريخ البشري والمجتمع الطبقي. ان القاء نظرة عابرة يكشف مدى حمامات الدم التي اقامتها هذه المؤسسة بحق "ابناء الوطن" قبل "اعداء الوطن"!

 

من جهة اخرى، الطبقة البرجوازية الحاكمة، طبقة فرض الظلم والاستعباد، الجوع والفقر والبطالة وسلب الحقوق والحريات. ولهذا، حين تعجز الطبقة الحاكمة وسلطتها السياسية او تفتقد الانسجام للرد على "انفلات الاوضاع" الذي تخلقه الطبقات المضطهدة، من عمال وكادحين ومحرومين، حين تجد هذه السلطة عاجزة عن فرض و"استتاب الامن"، فانه لامناص من تدخل الجيش بهدف اعادة العقارب الى ماقبل الازمة، اي اعادة الامور الى نصابها، اوضاع التدوير "الهاديء" للراسمال لعجلة الانتاج والربحية. ان العراق وبلدان المنطقة نموذج حي على ذلك. فعبد الناصر، ملك حسين، عبد الكريم قاسم، بينوشست، نميري، سوهارتو، و.... غيرهم من اتوا على رؤوس انقلابات عسكرية لاتعد ولاتحصى في العالم، كلهم اتوا للرد على عجز الطبقة الحاكمة عن تسيير امورها بالطرق التقليدية "الناعمة" (برلمان، وحكومة ومؤسسات منتخبة او غير منتخبة)، ولابد من اللجوء الى الطرق السافرة، الوحشية في اغلبها، انقلابات.

 

قد يقولون ان هذه خصيصة البلدان "النامية" او "المتخلفة" او "العالم ثالثية" و"الشرق اوسطية" وحكوماتها الاستبدادية. انها خصيصة المجتمع الطبقي. انها شيم الطبقات البرجوازية الحاكمة في كل مكان. انظروا الى فرنسا. ارايتم الاستعدادات والتحضيرات العسكرية لمجابهة "العدو الداخلي"، "المشاغبين"! ان ضاقت السبل بالبرجوازية الغربية وداهم الخطر سلطتها ومصالحها، تضع وجهها الديمقراطي جانباً، لتكشف عن وجهها الحقيقي والواقعي. ان رات بام اعينها تطاول الطبقات "الدنيا" على"مصالح العليا"، سنرى بام اعيننا الابعاد الخرافية للقمع "الغربي"!

 

كما ان الصراع الخارجي، على الحدود، في كل الاحيان هو صراع وتعارض مصالح الطبقات الحاكمة لبلدان مختلفة يذهب ضحيتها ابناء العمال والكادحين في تلك البلدان على شكل قوات مسلحة، وقود هذا الصراع. فمن اجل ماذا شنت الحروب العالمية الاولى والثانية وعشرات ومئات الحروب على امتداد التاريخ البشري، ومن اجل ماذا يقرع ترامب، بوتين و قادة اوربا طبول الحرب اليوم؟! انهم يقومون بذلك من اجل ان يفرض كل ما على الطبقة الحاكمة المنافسة، نيل اكبر مايمكن من حصة من الثروة والهيمنة والتسلط. لماذا اتت امريكا باساطيلها الى العراق وهددت باعادته مئة عام للوراء، ان لم يكن فرض نفسها على العالم بوصفها شرطي يجب ان يؤخذ الاذن منه تجاه اي شاردة وواردة، ولماذا شمرت روسيا عن سواعدها المجرمة حين اتت وقصفت وقتلت وسفكت الدماء في سوريا، ان لم تكن دفاعا عن مصالح البرجوازية الروسية وعدم قبولها بان "تبتلع" البرجوازية الامريكية اليابس والاخضر، ومن السهولة رؤية المصالح والمنافع الاقتصادية التي تقف وراء كل هذه الصراعات العسكرية.

 

ان مايتعقبوه من وراء هذه المؤسسة (قمع المحتجين في الداخل) و(فرض التراجع على الخصوم في الخارج)، هو فلسفة وجود هذه المؤسسة. لا غير. ولهذا تحيك البرجوازية والطبقات الحاكمة على امتداد التاريخ الروايات والاساطير التمجيدية والتبجيلية لهذه المؤسسة.

 

مثلما ذكرت ان وقود هذه المؤسسة وذخيرتها هم ابناء العمال والكادحين والمحرومين، من يسموهم زوراً "ابناء الوطن"! انهم "ابناء" وطن طبقة، من اجل اهداف طبقة تدوس على حقوقهم وحرياتهم يوميا بالف شكل وشكل.

 

لماذا تطالب ابواق الطبقة الحاكمة والواهمين باعادة "التجنيد الالزامي" و"الخدمة العسكرية"؟! كي يتحول ابن العامل والكادح الى وقود محرقة الدفاع عن هذه السلطة المتقيحة. يكذبون حين يقولون انه "الزامي" للجميع، "كل الشعب"! شكلياً قد يبدوا الامر كذلك، ولكن كل من جرب هذه المؤسسة وعاش ايامها الكالحة يعرف ان للطبقات المالكة الف طريقة وطريقة لتبعد ابنائها عن مصاعب هذه المؤسسة ومشقاتها ومخاطرها.

 

في ذكرى (6 كانون الثاني)، يجب التاكيد على حل الجيش وسائر المؤسسات القمعية. لا للتجنيد "الالزامي" ولا لـ"غير الالزامي" حتى! لان من السهولة بمكان "التملص" من جعل الامر "واجبا"، وتحويله الى "اجبار" غير مدون، اي شيوع الفقر والجوع والبطالة والعوز والفاقة. ان شيوع المليشيات في العراق قبل ان يكون له صلة بـ"الشيعة" و"السنة" و"الحسين" و"معاوية" وغيرها، فانه ذا صلة اساساً بعدم وجود اي منفذ لامان اقتصادي.

 

ولكن قد يسال احد ما "مالعمل تجاه العدو الخارجي ان داهم البلد؟!" ان حل هذا الامر في مكان اخر، في سلطة اخرى تعيد الامان بكل ابعاده للمجتمع عبر اليات اخرى مبنية على الارادة والوعي العام لنساء المجتمع ورجاله بضرورة الدفاع عن المجتمع وامانه سواء في "الداخل" او "الخارج"!

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015