سمير عادل

الجيش اداة للقمع الطبقي

ان التطبيل والتزمير في تمجيد الجيوش في العالم العربي لهما سمة مميزة وهي الاعلى في العالم. والسبب يعود الى ان اغلبية الانظمة القومية العربية، صاحبة السجون السرية والتفنن بالتعذيب وتذويب المعارضين في احواض الاسيد وتقطيع جثث المعارضين ومصاصي عرق ودماء العمال، ان هذه الانظمة اتت الى السلطة بواسطة الانقلابات العسكرية التي قادتها الجيوش. وبغض النظر عن تاريخ هذه الانظمة فأن الجيوش العربية ليست استثناء، فلم يكن تاريخ الجيوش في العالم سوى اداة بيد الطبقة البرجوازية لقمع احتجاجات واعتراضات العمال والمحرومين والمعارضين.

 

ان الجيش هو جزء من الدولة التي تحاول ان تظهر بمظهر فوق المجتمع، وتسويق نفسها بأنها محايدة، الا انها في الحقيقة هي اداة بيد الطبقة المسيطرة للحفاظ على امتيازاتها او تحسينها، وفي العديد من الحالات تعمل على توسيعها عن طريق عبورها حدود بلدانها لإرضاخ الشعوب وسلب اكثر ما يمكن من ثرواتها، كما هي بالنسبة لجيوش الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا والتحالف العربي بقيادة السعودية وروسيا والصين وايران..الخ وتحت عناوين حديثة وهي "الحرب على الارهاب". اي بعبارة اخرى ان ما يسمى بالجيوش "الوطنية" هي ادوات للدفاع عن جيوب الاغنياء على حساب البطون الخاوية للملايين من محرومي المجتمع. وهذا يفسر ان ميزانيات الدفاع هي الاعلى في اغلبية بلدان العالم من الموازنات المالية السنوية لكل دولة مقارنة بالصحة والتعليم والبيئة وتطوير البنية التحتية وتوفير فرص العمل.

 

بيد ان احدى التواريخ المظلمة والملطخة بالدماء والويلات والقمع في المنطقة هي للجيش العراقي الذي يحتفل به كل عام في ٦ كانون الثاني. والمدافعون عن الجيش العراقي من الليبراليين والقوميين ووكلاء موزعي ترياق الاوهام حول البرجوازية وادواتها، يروجون ويبررون السجل الدموي للجيش العراقي بأن الذنب ليس ذنبه بل بسبب سوء استخدامه. واذا ما تصفحنا سجل هذا الجيش فلن تجد فيه غير قمع الجماهير والانقلابات العسكرية للاستيلاء على السلطة، فمنذ انقلاب مايس ١٩٤١ بدعم النظام الفاشي في المانيا ومن ثم انقلاب تموز ١٩٥٨ الذي صور وسوق للعالم وفرض على الادبيات السياسية وعلى التاريخ، بأنه ثورة عظيمة، بينما مزقت صفحات منها تحكي عن قمع العمال ورمي قادتها في المعتقلات والسجون ونفي عدد منهم، ومرورا بالانقلاب الدموي عام ١٩٦٣ الذي قتل عشرات الاف من الشيوعيين واليساريين والمعارضين، ومن ثم انقلاب ١٩٦٨ ليحول العراق الى قلعة لإرهاب المعارضين وممارسة شتى صنوف التعذيب والمحاكمات بحقهم، وبعد ذلك اشعال حرب ضروس وقتل اكثر من مليون انسان تحت عنوان الدفاع عن البوابة الشرقية التي دامت ٨ سنوات من الارهاب والاعدامات والرمي بالرصاص للذين ارعبتهم الحرب في جبهات القتال، وكما قاد الجيش العراقي حينها اكبر حملة تطهير قومي في المنطقة، حيث دمر اكثر من ٣٠٠٠ قرية ناطقة باللغة الكردية واختطف ١٨٠ الف شخص من بيوتهم ولحد الان لا يعرف بمصيرهم، اضافة الى استخدام السلاح الكيمياوي في مدينة حلبجة وقتل ٥٠٠٠ الاف شخص، وعمل على تجفيف الاهوار وتحويل انهارها، واخيرا وليس اخرا احتلاله للكويت الذي ارتكب الاهوال ضد سكانها الآمنين لينتهي الجزء الاول من تأريخه بالقمع الدموي والوحشي لاحتجاجات الجماهير في جنوب العراق وكردستان العراق ضد السلطة البعثية الدموية في اذار ١٩٩١. وعند قدوم عام ٢٠٠٣ بعد غزو العراق واحتلاله اعلن حل الجيش العراقي او بالأصح اعيدت صياغة عقيدته العروبية وولائه السياسي الجديد من قبل بول بريمر رئيس التحالف المدني للاحتلال، وقد صفق له جميع من قدموا على حراب المارينز من الجعفري والمالكي والحكيم وعلاوي والياور وحميد مجيد موسى..الخ من اعضاء مجلس الحكم الطائفي والقومي المقيت والذين يحتفلون اليوم ب"عيد الجيش". والمفارقة المضحكة وهذه مميزات "العراق الجديد"، ان الجميع يقفون خاشعين خانعين والجوقة تعزف اغنية "موطني"!

 

بيد ان تأريخه الحديث اي تأريخ الجيش العراقي الذي دشن في اب ٢٠٠٣ لم يكن أفضل او اشرف من تاريخه القديم، فالسلطة الجديدة الحاكمة بحاجة الى اداة قمعية جديدة، ولائها لها وعقيدتها تتمحور بالدفاع عن امتيازات الطبقة الجديدة التي يمثلها هذه المرة الاسلام السياسي وليس القومية العربية. فمع قدوم المالكي الى قيادة سلطة الاسلام السياسي، عمل بشكل حثيث لبناء هذه المؤسسة القمعية، فأسس قيادة عمليات بغداد ونينوى وديالى والانبار ودجلة والرد السريع الى جانب مليشيات ملحقة بها. ولعب الجيش خلال سنوات المالكي دورا طائفيا كبيرا في ترسيخ امتيازات سلطة الاسلام السياسي الشيعي، وهذا ما مهد الارضية اي الظلم الطائفي في ظهور داعش وتأسيس دولته الوحشية واسقاط المدن تلو الاخرى بعد ١٠ حزيران ٢٠١٤. وفي ١٦ تشرين الاول من عام ٢٠١٧ يعيد التاريخ نفسه ويكشف الجيش بقيادة العبادي عن ماهيته الحقيقية، عند سحقه دون وجه حق، حق الجماهير في كردستان بالاستفتاء، من اجل نفط كركوك وامتيازاته بعنوان عريض كاذب انه نفط شعب العراق، التي لم ترى جماهير البصرة خيرات نفط البصرة، فما بالك ان ترى جماهير العراق خيرات نفط كركوك.

 

اليوم تستحوذ ميزانية الدفاع التي عمادها الجيش بكل اذرعها ومؤسساتها، على حصة الاسد من الموازنة وتحت عنوان "الحرب على الارهاب" طبعا، في الوقت الذي تحتاج الحرب على الارهاب واجتثاثه الى اعادة اعمار المدن التي دمرها داعش والتحالف الامريكي، واعادة النازحين الى بيوت تتوفر فيها الخدمات، وتوفير فرص للعاطلين عن العمل وانهاء الظلم الطائفي. بيد ان المسألة بالنسبة الى سلطة الاسلام السياسي هو الحفاظ على امتيازاتها الطبقية باي ثمن، فكما شاهدنا وعشنا كيف ان الجيش وبالتنسيق والتعاون مع مليشيات السلطة قمع احتجاجات البصرة والمدن الجنوبية، وقتل وجرح واعتقل المئات من المتظاهرين لانهم طالبوا فقط بالخدمات وتوفير فرص العمل.

 

واخيرا نقول لا تتوهموا بالجيش ولا بعيده ولا بتأريخه، كما توهمت الجماهير المصرية بالجيش المصري وبانقلابه العسكري على الاخوان المسلمين بعنوان ادامة الثورة هذه المرة، فيما حول ثكناته الى سجون ومعتقلات للعمال، ومحاكمه الى منبر لمقاضاة المضربين والمعترضين من العمال. ان الجيش ابدا كان اداة قمع بيد الطبقة البرجوازية الحاكمة من اجل الحفاظ على امتيازاتها ليس في العراق فحسب بل في كل مكان من العالم الرأسمالي.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018