نادية محمود

كلمة في مراسيم تأبين الرفيق جبار مصطفى (جلال محمد) في 4 كانون الثاني 2019، السليمانية – العراق

الحضور الاعزاء احييكم بحرارة واشكر لكم حضوركم ومشاركتكم لنا في مراسيم تأبين رفيقنا جبار مصطفى. واتقدم بالتعازي لكم ايضا اصدقاءه ورفاقه، من عرفتوه وعملتوا معه في مراحل مختلفة من حياته، اتقدم بالتعازيي لعائلته واشكر لهم حضورهم معنا هذا اليوم.

 

رحيل الرفيق العزيز جبار مصطفى، خسارة كبيرة لاسرته، لرفاقه في الحزب الشيوعي العمالي في كردستان، وهو خسارة كبيرة لنا نحن في الحزب الشيوعي العمالي العراقي. لن ابالغ، ان قلت لكم، ان الرفيق جبار مصطفى كان بالنسبة لنا نحن في وسط وجنوب العراق اثرا ودورا وتأثيرا، قد يزيد اضعافا مضاعفة عن ما كان له دور هنا في كردستان على اهميته ومكانته. ان كان لديكم هنا في كردستان عدد من الشيوعيين، صغير او كبير، ممن يحملون سمات وخصائص واخلاق واخلاص الرفيق جلال، نحن في جنوب العراق، كان جبار مصطفى بالنسبة لنا، واسمحوا لي ان استخدم هذه العبارة، "عملة نادرة"، بكل معنى الكلمة. مثله يعدون على اصابع اليد.

 

ان شيوعية وانسانية ومدنية الرفيق جبار، هي ما شدتنا اليه وما تعلمناه منه، وما اكسبته مكانة عظيمة بيننا،نحن شيوعيو وسط وجنوب العراق.لقد كان متدفقا ومعطاءا وبدون تعب، منح عقله وقلبه وحياته للدفع بقضية نضالنا في وسط وجنوب العراق. اشتغل معنا وعن قرب، منظمات صغيرة قبل تأسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي، وخلال حياة الحزب، وحتى مع تركيز ميدان عمله الشيوعي في كردستان ومع الحزب الشيوعي العمالي في كردستان، الا انه بقي معنا، وبقي يعمل معنا.

 

لقد عبر عدد من رفاقنا، ليس في الحزب فقط، بل وحتى اولئك الذين غادروا الحزب عبروا عن حزنهم وشعورهم بالخسارة الكبيرة لفقدانه. لقد عمل معنا، منظمات وافراد، على توضيح المنهج الماركسي في التحليل السياسي الطبقي وفي صياغة المواقف السياسية الشيوعية، وفي نوعية العمل السياسي الاجتماعي الطبقي، نحن الذين كنا، في نهاية الثمانينات واوائل التسعينات لازلنا نعتبر ان الشيوعية هي مسالة اسقاط النظام، واقامة نظام ديمقراطي. لقد شرح ووضح وكتب وترجم، وسافر، والتقى واجتمع، ونقد، وسجن، ماذا تعني الشيوعية، وماذا يعني ان تكون شيوعيا، في وضع كانت تتعرض فيه هذه الحركة الى اسوأ هجمة.

 

اسمحوا لي ان امر وبشكل سريع على بعض المحطات التي مررنا بها مع الرفيق جبار. في حرب الخليج عام 1991، وبينما كانت حملة الولايات المتحدة ومعها قرارات مجلس الامن، للهجوم على العراق في اوجها، كنا نحن الشيوعيين في جنوب العراق، نؤيد حرب الخليج، ونعتبرها عملا رادعا لنظام صدام حسين، كان الرفيق جبار، يشرح ويوضح حقيقة ان ما يجري هو ليس لردع دولة محتلة، بل لتثبيت اوتاد النظام العالمي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. بينما كنا نحن شيوعيو وسط وجنوب العراق بان الشيوعية تدور حول اسقاط النظام الديكتاتوري، واقامة نظام ديمقراطي، كان يوضح لنا، هو والرفيق ريبوار احمد، ورفاق اخرين، بان الشيوعية هي شيء اخر. الشيوعية تعني حكم الطبقة العاملة، وانهاء النظام الرأسمالي والغاء نظام العمل المأجور. لقد كانت تلك الاوقات والايام التي نقضيها في اجتماعات متواصلة، في كركوك والناصرية وبغداد، في اوائل التسعينات، دورا كبيرا في اعادة نظرنا لموضوعة الشيوعية كما فهمناها، وكما قيلت لنا، نحن في اوائل العشرينات من اعمارنا، مع ماكان يشرحه لنا الرفيق الذي فهم واستوعب ماذا تعني الشيوعية العمالية. لقد لعب دورا في غاية الاهمية ليعيدنا الى طريق ماركس، والبيان الشيوعي.

 

لقد تجشم عناء السفر في عام 1991 و ما تلاها، والتعرض للخطر، ليلتقي بمنظمات شيوعية صغيرة في الناصرية وكركوك وبغداد، ليجلس معنا ساعات وساعات، ليشرح ويوضح ويستمع ويجيب على الاسئلة التي تعتمل في صدورنا. بل كان حتى في ايام سجنه في ابو غريب في ثمانينات القرن الماضي سعى الى ايصال الشيوعية الى الناطقين بالعربية ممن كانوا معه في السجن. وبعد اطلاق سراحه، ذهب يبحث عنهم ليلتقيهم مرة اخرى في جنوب ووسط العراق.

 

في عام 1992 وعندما وجهت اول ضربة امنية الى عصبة تحرير الطبقة العاملة من قبل النظام البعثي، واعتقل ستة من اعضائنا، نساءا ورجالا، فتح بيته مع رفيقته شيرين وحوله الى مقر ومسكن لنا، نحن الذين هربنا من بطش النظام والاعتقالات من وسط العراق. لم يمنحنا الامن والطمأنينة فقط في بيته، بل وبدأ في نفس الوقت بشرح المزيد والمزيد من مسائل الشيوعية العمالية مشاركا افكاره ومعرفته.

 

استضافنا في بيته لشهور في اوائل التسعينات، عدد من الرفاق، نساء ورجالا، بفترات مختلفة، ولاماد متباينة. رغم ايام الحصار الاقتصادي، والطعام القليل، لكنه قبل ان نتقاسم معه طاولة طعامه، وبيته. لم يضق بنا يوما، بل استضافنا بقلب وبمحبة كبيرين.

 

اثناء تواجدنا في بيته، كان فرصة عظيمة ورائعة لنا للتعلم، للتعرف على نمط جديد من الحياة لم نألفه كثيرا بالجنوب: كيفية التعامل مع المرأة، احترام الزوجة، التعامل الراقي مع الاطفال، و احترام الاخرين.

 

في عام 1993 ، وكما اوضح الرفيق سمير عادل سكرتير الحزب في كلمته بموت الرفيق جبار، لم ينتاب جبار الخوف من ان يلتقي رفاقا كانو خرجوا من من معتقلات الامن العامة في بغداد، وطلبوا اللقاء به في كركوك.لم يتردد ، ولم يخشى ان يكون قد نصب له كمين، وهو الذي كان معتقلا لعدة سنوات، لكن لشجاعته وايثاره، التقى بهم، استمع اليهم، احتوى كل هواجسهم ومخاوفهم وشكوكهم لقد قدم لهم دعما معنويا عظيما، واضاف اليهم خبرة نضالية جديدة لمواصلة عملهم السياسي.

 

بعد عام 2003، عاد من جديد الى العراق، مغادرا من استراليا الى بغداد. لقد كان على صلة وثيقة باناس لم نكن نعرفهم، فعمل على ان يكون جسرا لايصال وتعريف بعضنا ببعض. فرفاق عرفهم من السجن، مع خروجه منه، قام بتعريف الشيوعيين بعضهم على بعض. تشهد كركوك والناصرية والبصرة، اعماله ونشاطاته و مهمته بتقوية الشيوعية العمالية في العراق. ، لقد ساهمت زيارته بعد سقوط النظام، في تأسيس لجنة تنظيم البصرة للحزب الشيوعي العمالي العراق التي بدأت بتوزيع ادبيات الحزب وصحافته وتأسيس المنظمات الجماهيرية للعمال والمشردين والعاطلين عن العمل والشباب وكسب عشرات الاعضاء الى صفوف الحزب.

 

لقد ترجم عشرات الابحاث وكان اخرها، كتاب الاقتصاد في البلدان الرأسمالية التابعة الى العربية والتي وصلت نسخه في اواخر عام 2017 لتصل الى رفاقنا واصدقاءنا. وانا على اطلاع انه كان يهيأ لترجمات اخرى جديدة، حين داهمه المرض، ولم يترك له مجالا للعمل. لقد كانت مساعيه بترجمة الادبيات الشيوعية والعمالية الى اللغة العربية والكردية ونشرها بين العمال والشباب الشيوعيين ايضاً من بين الجوانب المشرقة لحياته صوب تقوية الوعي الطبقي والشيوعية

لقد كان مرجعا ومستشارا حتى بشكل فردي لنا، نحن اعضاء الحزب الشيوعي العمالي العراقي، فحين يحتاج اي منا، لان يسمع رأيا سديدا، وتحليلا صائبا، او استشارته بخصوص بعض الكتابات، واعطاء الملاحظات على ابحاث مكتوبة، لم يبخل على اي احد، بمراجعة نصوصه وابداء الاراء، وبقلب محب، وبروح رفاقية وباعلى درجات الاحترام والتقدير. بكلمة واحدة، كان للرفيق جبار مصطفى، دورا خاصا ولا ينسى، لجيلنا، في تبلور الشيوعية العمالية في وسط وجنوب العراق.

 

على الصعيد الشخصي، كنت اكتب كراسا عن التجربة المجالسية، وطلبت منه مقابلة ليتحدث عن تجربة المجالس في كردستان العراق، وهو على فراش المرض اجاب على اسئلتي، وقد وعدني، انه حين تتحسن صحته سيقوم بمساعدتي اكثر في اي موضوع قد احتاج اليه.

 

لقد دعوته في صيف 2017 للمجيء الى بغداد، ليتحدث لرفاقنا عن الكتاب الذي اصدره للتو، وكنت واثقة، انه سيمنح الحضور علما ومعرفة جديدة، وقد عبر عن حماسه ورغبته، الا ان كثرة مشاغله في كردستان منعته من الحضور. ووعد انه في المرة القادمة سيضع ذلك على اجندته. لم تسعفه صحته، ولا جسده لتحقيق الوعد، حيث انهى المرض حياته.

 

لقد كتب رفاق في الحزب، واخرون خارجه، عن مكانته وبدون سابق اتفاق، الا ان كل كتاباتهم اتفقت اولا وقبل كل شيء على التعامل الانساني الراقي و رفيع المستوى، وعلى مقدار ما تعلموا منه.

 

لقد كان يؤكد في نضالنا على مدينة البصرة ومكانتها الحيوية والمهمة في العراق بسبب صناعيتها وتاريخها العمالي والنضالي، تحدث عن مكانة عمال النفط والموانئ ودورهم في تقرير المصير السياسي للعراق، وعن اليات وسبل التصدي للاحتلال. لقد سخر الرفيق جبار مصطفى حياته لتأسيس حزب شيوعي موحد للطبقة العاملة في العراق، وبعد تأسيسه، ناضل من اجل ان يكون هنالك حزبا مدافعا عن مصالحها، حزبا يجيب على كل المعضلات والقضايا في المجتمع، من وجهة نظر طبقية مدافعة ومن وجهة نظر المصالح الطبقية للعمال والكادحين. لم يكن هنالك لديه اي تشوش في تحليل القضايا والمواقف التي اتخذها عن مصالح هذه الطبقة. لقد كان قائدا لنا جميعا نحن في وسط وجنوب العراق.

 

اذا كانت هنالك اية طريقة نعبر فيها عن اخلاصنا ووفائنا للرفيق جلال محمد، وهو الجدير بالوفاء، فهي ادامة طريق الننضال واستكمال رفع الراية، التي حملها، والتي تركها دون ارادة منه.

 

4

-1-2019

 

مقالات