قاسم علي فنجان

6 كانون الثاني ونهاية المؤسسة العسكرية

اهلا شيخنا "سيدنا" شلون اخبارك، شيخنا مد يدك بالكونية "كيس" وشوف شيطلعلك.

 

يابا طلعتلي هاي نجمات ثلاثه ونسر عود شني معناها.

 

بالعافية شيخنا، هاي معناها عميد!

 

بعد سنتين سيحتفل الجيش العراقي بذكرى مرور قرن "100 عام على التأسيس، "تأسس عام 1921 "، مؤسسة تاريخها الطويل جعلها تكون في الواجهة لأي تغيير يطرأ في العراق، او لنقل فأن تاريخها قد شكلته مجموعة الانقلابات التي اطاحت بالحكومات منذ تأسيس الدولة العراقية، فهي كانت اما قائدة للانقلاب، او مشاركة فيه، او هي التي تدفع بالتغيير، وعندما نطالع تاريخ تشكيل الحكومات العراقية فأن العسكر حاضر وبقوة، لمسته موجودة، فمنذ انقلاب بكر صدقي سنة 1936على حكومة ياسين الهاشمي، والذي يعد اول انقلاب عسكري في العراق، والحركات العسكرية ما فتئت تقود الانقلاب تلو الاخر، حتى انه ضرب المثل في تسلم السلطة في العراق من خلال المؤسسة العسكرية، (انقلاب الضباط 1941 ، انقلاب الضباط 1958، انقلاب 1963، انقلاب 1968 ، انقلاب 1979، غير تلك المحاولات الانقلابية الفاشلة، والتي تملأ الكتب)، لم تكن المؤسسة العسكرية بمعزل عن الواقع السياسي في العراق، بل كانت منخرطة به، بل تشكل جزءا اساسيا فيه، او هي التي تشكله في اغلب الاحيان، اراد البريطانيون بعد احتلال العراق وتأسيس الجيش اخضاع هذه المؤسسة ومراقبتها، لهذا فأنهم عملوا على معاهدة 1922 والتي ابقت على الجيش دون القوة المطلوبة، فقد اشترطت المادة السابعة من المعاهدة على(( منح اعتبار كامل لرغبات المندوب السامي في الشؤون المتعلقة بعمليات وتوزيع الجيش العراقي، كما منحت القائد العام البريطاني في العراق حق تفتيش الجيش متى ما رأى ذلك ضروريا))-تذكرنا باتفاقية الاطار الاستراتيجي مع الامريكان، التي اكتفت بتدريب وتجهيز القوات بالأسلحة الخفيفة، أي شل القدرة العسكرية وجعلها قوات هامشية- ولقد اشتكى الملك فيصل الأول في وقت متأخر "1933" في مذكرة يذكرها حنا بطاطو في سفره من ان((في هذه المملكة-العراق- اكثر من مئة الف بندقية لا تملك الحكومة منها غير خمسة عشر الفاً))، كانت سياسة مقصودة سيعيدها الامريكان بعد2003 .

 

الا ان المؤسسة العسكرية ورغم هذه المراقبة فقد كانت عيونها على السلطة في العراق، وبالفعل فقد نجح العسكر في الوصول للحكم بعيد انقلاب الضباط عام 1958 والذي ايدته جماهير واسعة في العراق، انقلاب انهى الحقبة الملكية، ليؤسس للحكم الجمهوري "العسكري" بمسيرة انقلابات مدوية (عبدالكريم قاسم، عبدالسلام عارف، عبدالرحمن عارف، احمد حسن البكر واخير صدام حسين الذي لم يكن عسكريا او تخرج في كلية عسكرية، الا انه لبس الزي العسكري اكثر من الباقين).

 

بعد هذا التاريخ الطويل من الوجود الفعلي والحقيقي على الساحة السياسية، آن لهذه المؤسسة ان تستريح وتتقاعد، ولكن ليس بشكل كلي، هذا ما يقوله لسان حال الامريكان بعد احداث 2003 واحتلالهم العراق, اولى اولوياتهم كانت حل هذه المؤسسة, ولقد نجحوا بالفعل في ذلك، احالوا وجودها الى شكلي جدا، رغم ان ميزانيتها تقصم الظهر، لكن بدون فاعلية تذكر، أسس الامريكان قوات رديفة او موازية لهذه المؤسسة، لا ترتبط بوزارة الدفاع، ( جهاز مكافحة الارهاب، الحرس الوطني، ودعم لا محدود لقوات البشمركة، ثم بعد ذلك توحيد المليشيات المسلحة والفصائل والحشود العسكرية "الحشد العشائري، الحشد الوطني" تحت مسمى " الحشد الشعبي") ايضا فقد اعتمد داخل هذه المؤسسة نظام المحاصصة الطائفية والقومية، الذي زاد من تهالكها، وهذه كلها سياسات ليست بالجديدة، فالأمريكان يعيدون السياسة البريطانية ابان تأسيس الجيش، فالبريطانيون كانوا قد اوجدوا توازنا اذا ما حصل وتمرد احد العساكر او الملك، كانوا يقوون من سلطة شيخ العشيرة هذا او ذاك، اما اليوم فهناك فصائل مسلحة تتباهى بأنها اقوى من الجيش عدة وعددا، وتقاتل خارج الحدود، وقادتها تصرح وتهدد وتتوعد "الشيخ العميد، الحاج اللواء، السيد القائد الخ" انه التوازن الذي كان احد اسباب حل الجيش.

 

بقيت المؤسسة العسكرية وعلى مر تاريخها الطويل موضع نزاع وفي كل الحكومات، منصب وزارة الدفاع كان ينظر اليه على انه قد يكون بوابة لاستلام الحكم، تحول النزاع على هذا المنصب بسبب الفساد الكبير فيها، فقد تجني منه الكتلة التي تفوز به ثروات كبيرة بدون حساب، فعقود التسليح والجنود "الفضائيين" صارت تتغنى بها كل القنوات الفضائية-احداث الموصل 2014 خير دليل- لهذا فأن المنصب خضع لمعايير البيع والشراء "بورصة بيع الوزارات"، فوراء كل "انتخابات وهمية" تتأخر تكملة الحكومة بسبب وزارات تسمى "سيادية"، وسيادتها ليست من قوتها الكل يعرف ذلك-بل بما تجنيه من اموال.

 

يقال ان الدولة تعٌّرف على اساس انها القوة الوحيدة التي تحتكر العنف، كانت فائدة الامريكان من خطوة حل المؤسسة العسكرية هو غياب الة الدولة, اي غياب القوة المسيطرة، بالتالي فأن كل السيناريوهات التي يريدون تنفيذها محتملة الوقوع, بل لا شيء يعوقها, وكذلك فأن البلد اصبح مسرحا لأحداث عالمية وتصفيات حساب وحروب بالوكالة، وقد اعرب ترامب في زيارته الاخيرة بأنه سيجعل من العراق قاعدة لعملياته العسكرية، مع ان اتفاقية الاطار الاستراتيجي جاء فيها((لا يجوز استخدام اراضي ومياه واجواء العراق ممراً أو منطلقاً لهجمات ضد دول أخرى))، ولم يرد عليه احد من وزارة الدفاع بل عددا من قادة الميليشيات! ولهم كل الحق في ذلك.

 

قطعا لا احد يرغب بأن يكون العسكر هم من يحكم، لأنها ستكون فاشية، ولن يشهد البلد اي استقرار، فستكون الانقلابات هي الوسيلة الوحيدة لاستلام الحكم، والانقلاب هو عمل فردي او عدة افراد، غالبا ما تكون الرغبات الشخصية هي السمه الغالبة فيه، يذكر التاريخ ان انقلاب بكر صدقي على حكومة ياسين الهاشمي جاء بعد ان منح الهاشمي منصب رئاسة اركان الجيش لغير بكر صدقي، والذي كان طامحا به.

 

لقد صارت احتفالات السادس من كانون الثاني شكلية جدا، وكأنها اسقاط فرض كما يقال، او لأن الكل اتفق على ان تكون عطلة السادس من كانون الثاني كباقي المناسبات "الوطنية" ثابته بدون ان تعبر عن شيء او يحس بها احد، بعدما كانت تقوم الدنيا ولا تقعد، والاحتفالات والاستعراضات العسكرية تطوف في كل المدن، اصبح الاستعراض بسيارات "البيك اب" مع رفع رايات الطوائف، ومجموعة عمائم تقف على المنصة، حقا لا يبقى شيء على حاله، وتبقى كلمة ذاك الفيلسوف عالقة في الاذهان ((الثابت الوحيد هو التغير المستمر)والتاريخ دائما ما يعيد نفسه على شعوب الثبات والجمود.

 

 

مقالات