فارس محمود

انه انموذج شيوعية اجتماعية محبوبة!

 

(كلمة في مراسيم تابين الرفيق جبار مصطفى ستكهولم / السويد، 12 / 1 / 2019)

الأصدقاء والرفاق الأعزاء

ايها الحضور الكرام

....

اسعدتم مساءا

..

نلتقي هنا اليوم في مراسيم حول حدث هزنا جميعاً حتى نخاع العظم ألا وهو فقدان الرفيق العزيز "جبار مصطفى"، المعروف ايضاً باسم "جلال محمد". ان رحيله يشكل خسارة كبيرة للحركة الشيوعية والعمالية في كردستان والعراق، وحتى ايران. خسارة لاتعوض فعلا، والفراغ الذي تركه برحيله لايمكن ملئه قط للاسف

.

تعرفت على الرفيق جبار من قرب لما لايقل عن ربع قرن. وتعلمت، وتعلم مثلي الكثير من الرفاق والأصدقاء منه، ومن رفاق اخرين له، الاحرف الاولى للشيوعية العمالية. ولقد كان نعم المعلم فعلاً، لم يفتح لنا نحن الرفاق في جنوب العراق افاق سياسية شيوعية اوسع وارحب فحسب، بل اعطانا وزودنا برؤية للحياة، نقلتنا من عالم الى اخر

.

كان للرفيق جبار دوراً خاصاً في حياة كل رفيق منا من كوادر الشيوعية العمالية الاساسية في وسط وجنوب العراق، وترك نقلة نوعية جدا من الناحية السياسية والفكرية على جموع واسعة من الشيوعيين. سواء بجولاته السياسية في ذلك الوقت (في تسعينيات القرن المنصرم وكذلك مابعد سقوط النظام القومي البعثي) الى بغداد والناصرية والبصرة والنجف وكركوك ايضا، ام بكتاباته وترجماته الكثيرة للموضوعات الاساسية للشيوعية العمالية. ولهذا حاز مكانة خاصة واستثنائية لدى طيف واسع من الشيوعيين هناك، وانار دربهم النضالي المشرف

.

ولهذا باختصار، إن قال تشيخوف في يوم ما اننا كلنا خرجنا من معطف غوغل، فان الشيوعية العمالية في وسط وجنوب العراق قد خرجت من معطف جبار مصطفى ورفاقه في العراق. وان دوره لاينسى ابدأ، وقد خط اسمه باروع الاشكال في السجل الخالد للشيوعيين في وسط وجنوب العراق

.

رغم مالايقل من 4 عقود من العمل السياسي الشيوعي المحترف، بمشقاته، بخطورته، بمصاعبه، بحرمانته، بسجونه، بالامه، باعداماته، الا انه واصل عمله السياسي بروح شبابية قل نظيرها، بايمان وحماس منقطع النظير، دون كلل او شعور بالتعب. ولحد الايام والاسابيع الاخيرة من عمره، الايام التي كان يفتك بها المرض بصحته وجسده، كان مواظبا على عمله في الكتابة، ودعم الرفاق، ومساعدتهم، على ارسال افكاره ونصائحه وتوصياته من اجل دفع العمل الشيوعي في العراق

...

لم يستسلم للمرض وكان مفعما جدا بالامل والحماس منقطع النظير، امل وحماس يُستلهم من الايمان المطلق بضرورة وامكانية عالم افضل، عالم اكثر انسانية وعدالة، اكثر حرية ومساواة

.

ان الخص جبار بكلمة، اقول انه كان شيوعياً فعلاً بكل ماتعنية الكلمة من معنى، لا من حيث السياسة والنشاط والممارسة والرؤية السياسية فحسب، لا من حيث نظرته للمجتمع المعاصر وافكاره وقيمه، بل نجدها باوضح الاشكال في اصغر ابعاد ممارسته اليومية والحياتية

...

لاتناول هنا بعض سمات جبار التي عشتها من قرب، ومن ابرزها هو سموه الشيوعي، تقديم المصلحة الشيوعية، مصلحة الطبقة العاملة على اي مصلحة اخرى. منذ منتصف سبعينات القرن المنصرم، كان محور وهدف مهم لحياته السياسية هو تاسيس حزب شيوعي للطبقة العاملة العاملة في العراق. ورغم دوره الاساسي والخاص في تاسيس الحزب، وبالاخص في مدن العراق، فرضت اعتبارات شخصية وغير شيوعية ضيقة ان يكون خارج اول لجنة مركزية للحزب، رغم كل الام هذا الامر ووطأته عليه، الا انه لم يقبل ان يؤثر "ابعاده" على عملية تاسيس الحزب وتخلى عن حقه السياسي الشخصي من اجل ارساء حزب الطبقة العاملة، الحزب الذي ناضل من اجله، الحزب الشيوعي العمالي، فاس سمو هذا! وهذا ما كبّر مكانته السياسية والشيوعية مرات ومرات

!

في الوقت الذي كان خلفه تاريخ حافل وبهي فعلا، الا انه في علاقاته الرفاقية والحزبية والشخصية في قمة الادب والتواضع. لقد اعتقل من قبل النظام الفاشي البعثي، وحكم بالسجن 5 اعوام في سجن ابو غريب. لقد قال لنا رفاق معه في السجن، بانه حتى في السجن، لم يكف جبار مصطفى عن نضاله وواصل بجسارة شيوعية عالية ببث وغرس وتعميق الافكار والمواقف الشيوعية بعمله داخل جدران السجنوكانت مكانته السياسية والفكرية الشيوعية كبيرة، بحيث كنا نصطف للحديث معه، ننتظر ساعات للحصول على فرصة الحديث معه وسؤاله عن كل ما يتعلق بالشيوعية والاوضاع والنضال السياسي

.

انضم للجان حزبية كثيرة، ولكنك تجده، وبسهوله بعد عقود من ذاك التاريخ المديد والمشرف، في لجنة حزبية او غير حزبية مع رفاق جدد، ولكنه كان يتحلى بمنتهى التواضع، بمنتهى الاحساس بالمساواة، لايسمح لكل تاريخه المشرف ان يعطي لنفسه امتياز يذكر على الاخرين. ان النزعة المساواتية العالية، التحلي بالتواضع المنقطع النظير سمة مفعمة بالعبر فعلا

.

حين وجهت الضربة لتنظيمنا في وسط وجنوب العراق، "منظمة عصبة تحرير الطبقة العاملة" في تموز 1992، ولم يبق لنا مجال سوى اللجوء الى مدن كردستان، وقد توفرت لاول مرة لنا الفرصة للعيش في كنف رفاقنا الشيوعيين في كردستان، وكان بيت جبار مصطفى احد البيوت التي آوتنا هناك

.

كنا نتطلع الى ان نتعلم في تلك الايام الكثير الكثير من "السياسة" و"من الشيوعية العمالية" وموضوعاتها وابحاثها، من "التعرف على منصور حكمت وافكار منصور حكمت"، من "الالتقاء بكوادرها القيادية"، من "التعلم"، من "بدء دورة جديدة من النضال"، من تعلم الكردية والفارسية لغات كوادر الشيوعية العمالية و ..الخ... بيد ان اول وأجمل وأغلى درس تعلمناه، هو ماذا يعني ان تكون شيوعياً، كيف تتعامل مع المراة، كيف تتعامل مع الطفل، التهذيب، الانسانية، الرقي، التمدن، المساواة.. لقد راينا جبار وكيف يتعامل مع شيرين شريكة حياته.. رايناه وكيف كان يتعامل مع بناته زاريا وماردين.. مع ناس المحلة و...الخ

.

كم كنت مذهلاً ياجبار... لقد نقلنا جبار، وللانصاف ولكي أحفظ حقهم ايضا، رفاق جبار في السليمانية وبقية كردستان الى امر مهم، أن الشيوعية ليست افكار وعقائد وسياسة وايديولوجيا، بل هي حياة، هي قيم مساواتية بكل معنى الكلمة، هي تفاصيل حياتية، وإن هذا جزء لايتجزأ من الشيوعية! برايي أن هذا احد اهم الدروس التي تعلمناها نحن كرفاق "الطيف الاول" من الشيوعيين العماليين في وسط وجنوب العراق

.

جبار مصطفى اعطى نموذجا مذهلاً لشيوعية محبوبة، لشيوعية اجتماعية، لشيوعية يربطها بالناس الفرح والتفاؤل والحب والاحترام وكل القيم المتمدنة

.

لقد كان مفعما بروح الدعابة،كان مستمعا جيداً، يجيد الاصغاء، كان قريب الى القلب جدا، قريب الى قلب كل من تعامل معه، من السهولة التعامل معه، تشعر بارتياح واطمئنان خاصين عند التعامل معه. كان يجيد فن كسب احترام الاخرين بشكل كبير

.

انها خسارة حقيقة، فعلا، أن يغيّب المرض الرفيق جبار. إن جبار ومن هم مثل جبار من اعطوا ويعطون للحياة معنى. بغيابه، يكون العالم اقل انسانية، اقل جمالا، اقل بهاءا، اقل "تحملاً

"!

شكرا لك رفيقي العزيز! سعدت جدا اني، ومئات من مثلي، كنا رفاق لك وعاصرناك وعايشناك عن قرب وتعلمت منك عن قرب وانت المعلم الذي كنت حريصا الى ان تتعلم حتى اللحظات الاخيرة له. ان مايعزيني هو حين انظر الى ذلك النصف الملآن من القدح، اقول ماذا لو لم تصدف الحياة ان نلتقيك، ولم تكون رفيق درب لنا؟من المؤكد ان الحياة كانت تفقد جزء كبير من "طعمها" من جمالها، من فرحها، من انسانيتها، ولغدت اكثر جفافاً وبؤسا

!

رحلت ولكنك باق في حياتنا، في نضالنا من اجل عالم افضل، حزبينا في العراق وكردستان، في رفاق الشيوعية العمالية في ايران، في نضالات عمال العراق، وفي عيون رفاقك عمال نفط البصرة، في كتاباتك، في القيم الانسانية الراقية والمتمدنة التي اشعتها، في كتاباتك وكتبك، في ترجماتك، في مواقفك الطريفة وقهقاتك، في كل شيء جميل نثرته على امتداد عمرك الزاهي.... اشكرك رفيقي العزيز من صميم واعمق واعماق قلبي

....

المجد والخلود لذكرى جبار مصطفى

!

شكرا لكم

!

مقالات

فارس محمود

23/11/2015