عادل احمد

السودان والتغيير السياسي المحتمل!

ان ما يجري في السودان منذ التاسع عشر من ديسمبر من العام الماضي وحتى الوقت الحاضر، يتطلب رؤية واضحة ونظرة دقيقة الى ما يجري هناك في ظل الاوضاع والازمة السياسية العالمية التي يمر بها عالمنا. ويتطلب تحليلا وموقفا وعملا كي لا تسير الامور نحو الاسوء كما حدث في سورية واليمن وليبيا وتونس ومصر ومناطق اخرى من العالم، والتي اصبح عدم الاستقرار وعدم الامان ميزة هذه المناطق. ليس من شك بأن الحكومة السودانية العسكرية المستبدة هي المسؤول الاول لما يجري من حرمان الجماهير وانتشار الفقر والجوع وارتفاع الغلاء الفاحش والقمع الوحشي من قبل قوات البشير العسكرية والامنية. ان هذه الحكومة الفاسدة والمستبدة والمدعومة بكل قوة من قبل الدول الرجعية في الخليج وحتى من قبل اكثر دول العالم الغربي. هذه الحكومة هي حكومة بالضد من الطبقة العاملة والجماهير الكادحة وتهاجم يوميا مائدتها الخالية وان هموم الناس بشكل عام هي الحصول على خبزهم اليومي لادامة معيشتهم. ان هذه الحكومة الغير انسانية تستحق ان تسقط بيد الجماهير الثورية وتستحق محاكمة المسؤلين السياسيين فيها بمحاكمات علنية من قبل الجماهير المحرومة. وان العمل الثوري لاسقاطها هو مهمة الجياع الاصليين. وهنا يأتي السؤال هل ان محاولة اسقاط حكومة البشير العسكرية بالطرق التقليدية عن طريق التظاهرات والاعتصامات والمواجهات الدموية تكفي صوب هذا الطريق؟ وهل اسقاط الحكومة هو الهدف الرئيسي من كل هذه التظاهرات والمواجهات؟ وماذا بعد اسقاطها؟ وماذا سيحصل لأمن الجماهير؟ والى ماذا ستتغير حياة ومعيشة الناس بعد اسقاط البشير وحكومته؟.

 

في ظل الاوضاع العالمية الماساوية والمتأزمة الحالية ليس شرطا ان يأتي كل تغيير في الحكومات واستبدالها لصالح الجماهير المحرومة، وليس شرطا ان تتغير الاوضاع حسب اماني واهداف جماهير العمال والكادحين والفقراء. مادام الامور تجري بشكلها الاعتيادي في اطار السياسات العالمية الحالية للرأسمالية العالمية والطبقة البرجوازية. في ظل الازمات السياسية يجب ان تكون هناك افاق سياسية ثورية لتعميق الازمة على رؤوس اصحابها ومسببيها الاصليين، اي العمل الثوري يجب ان يؤدي الى شل طاقات وخطط الطبقة البرجوازية ومنع مساراتها المأساوية بطريقة ثورية. ان اسقاط حكومة البشير في حد ذاته ليس هدفا نهائيا وليس هو المطلب الوحيد، وانما هي الخطوة الاولية لاي تغير ثوري. ان الأهداف والاماني التي تناضل من اجلها الجماهير المحرومة والتضحيات التي تقدمها كل يوم، هي من اجل انهاء الغلاء وانهاء الفقر وانهاء الاستبداد والعيش بكرامة وحرية ورفاه.. هذا ما تصبوا اليه الجماهير العمالية والكادحة في تظاهراتها وهذا ما يتردد على لسان كل المتظاهرين في الشارع.. ولكن هنا يأتي السؤال هل مسارات الاحتجاجات والتظاهرات تسير على نفس الخط مع اهداف واماني المحتجين؟ وهل تخدم كل هذه التضحيات اهدافهم الحقيقية؟ وقلنا حتى اذا تمكنت هذه التظاهرات من أسقاط حكومة البشير، هل يمكن ان تحقق ما تطلبه الجماهير المحرومة والكادحة؟ وما هي الدلائل التي تشير الى تحسين الاوضاع خطوة الى الامام؟.

 

هذه هي النقطة المهمة التي تشغلناا في الحقيقة. لا نريد ان تتكرر تجارب ما حصل في سورية واليمن وليبيا والتي صارت فيه الجماهير تتمنى ان ترجع عجلة التاريخ الى الوراء وتحن الى الحكومات المستبدة. لان ليس سقوط تلك الحكومات لم يتبدل فيه الاستبداد الى الحرية ولم يتبدل فيه الفقر الى تحسين الاوضاع المعيشية، بل اضيفت اليها عدم الامان والاستقرار ايضا اي زاد الطين بله! وعندما تناضل الجماهير من اجل العيش افضل يجب على الاقل ان تحصل على جزء منه وان تتجه حياتها نحو الاحسن، ولكن اذا أتجهت حياتهم نحو الاسوء عندما تسقط حكومة البشير فيجب ان نفكر بطريقة اخرى وبافاق اخرى وعملية اخرى! وان هذه الطريقة وهذه العملية وهذه الافاق ما هي الا الطريقة الثورية. اذن على الجماهير المحرومة التفكير جديا بهذا الامر والا ستخسر كل شيء بالاضافة الى عدم الاستقرار وعدم الامان. ان التظاهرات والاحتجاجات يجب ان يصاحبها التنظيم وان يصاحبها اليقظة، وان التنظيم يجب ان يجيب على المطالب الجماهيرية المستحقة. ويجب ان لا نثق بالقوة البرجوازية الموجودة على الساحة السياسية السودانية على الرغم من معارضتها للحكومة، والتي لا تتعارض مع النظام الاقتصادي ولا تتعارض مع وجود حركة الرأسمال المحلي والعالمي في السودان. وستكون في احسن الحالات تغير للوجوه وكسر الارادة الثورية للجماهير المحرومة.

 

يجب ان ننظر من هذا الباب الى كل ما يحصل في السودان! ان الحكومة المناهضة للانسانية يجب ان ترحل هذا لا مجال فيه للشك، ولكن في نفس الوقت اذا لم تكون الطبقة العاملة والجماهير الكادحة على درجة من الاستعداد التنظيمي والسياسي، فيجب التفكير الف مرة عندما تريد ان تخطوا خطوة عملية من اجل اسقاط السلطة الاستبدادية للبشير وحكومته. ومن هنا تأتي ضرورة او عدم ضرورة القيام بعمل ما من اجل اسقاط الحكومة. والا رحيل الحكومة هي مهمة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. ان الاوضاع العالمية سنحت للقوة الرجعية والامبريالية ان تتدخل بشكل سافر ورجعي من اجل تضليل الطريق امام التغير الثوري، كما حصل في سورية واليمن وليبيا ومصر وتونس.. لانها لم تصل لاهداف المحتجين بل وازدادت معاناتهم اثر هذا التدخل الرجعي من قبل الدول الامبريالية ورأينا كيف تسير الامور حتى الان. اذن على الجماهير المحتجة ان تكون حذرة وان تكون مستعدة لاي مواجهة ضد القوى المحلية والعالمية لتخريب اوضاعهم نحو الاسوء. أن الوعي واليقضة والاستعداد الثوري هي الكفيل من اجل اي تغير ثوري.

 

مقالات