نادية محمود

الام تستهدف الولايات المتحدة بطلبها نزع سلاح الميلشيات في العراق؟

اعلن وزير خارجية بومبيو في زيارته للعراق عن طلبه لنزع سلاح الميلشيات -رغم نفي عادل عبد المهدي-. بعيدا عن "دعاية الحرب" الامريكية، والتي تدعي بان الميلشيات اصبحت لديها قوة تضاهي قوة الحكومة ومؤسساتها، اوتتفوق عليها في الشأن السياسي والاجتماعي، او امتناع الميلشيات عن السماح للقوات الاميركية بجرد القوات العسكرية العراقية المرابطة على الحدود العراقية- السورية بعد انسحاب امريكا من سوريا، او استهداف تلك الميلشيات لقنصليتها في البصرة وضرب مناطق قريبة على السفارة الامريكية ببغداد بالصواريخ. ان الطلب اعلاه يأتي في مسار التحشيد الامريكي لتوجيه ضربة عسكرية الى ايران. حيث تسعى هذه الدولة كما يقول وزير خارجيتها- "لجعل ايران تتصرف مثل اية دولة طبيعية". امريكا لازالت تريد لعب دور شرطي العالم، لتقوم بـ"تأديب الدول المارقة". فبالامس كان العراق واليوم تتوجه الى ايران. مبتدئة بالانسحاب من اتفاقها النووي مع ايران، لتصل الى تجريد القوى التي يمكن ان تحارب بالنيابة عن ايران مثل الميلشيات الشيعية في العراق. حيث تؤكد الولايات المتحدة، انها لن تتواجه فقط مع المحاربين بالوكالة، بل ستستهدف اللاعبين الاساسيين في ايران. وهي عازمة على حشد وتعبئة التأييد لخطوتها القادمة، ورحلة بومبيو في الدول التسع في الشرق الاوسط هو تمهيدا لتنفيذ هذه الخطة، وتخطط لعقد مؤتمر في شباط القادم لهذا الهدف.

 

لست هنا بمعرض الدفاع عن الجمهورية الاسلامية على الاطلاق، الا ان صراع امريكا مع ايران هو صراع على مصالحها حيث تريد تثبيت وجودها في المنطقة امام خصومها روسيا والصين، وايران ذاتها. نتيجة هذه التهديدات، وان دخلت حيز التنفيذ العملي، يعني تحول العراق عمليا الى جبهة حرب بين العسكر الامريكان ووكلاء ايران بالنيابة، الميلشيات.

 

تجريد الميلشيات من اسلحتها هو شأن الجماهير في العراق، فهذه الميلشيات ما وجدت الا "بفضل" سياسة امريكا في العراق منذ عام 2003. فهي التي خلقت اوضاع سيناريو اسود، كان من سماته، وجود ميلشيات تبث الرعب في قلوب النساء، والشباب والناشطين، والمثليين، والكتاب، والصحافيين، وقتلت من الاطباء والعلماء، واصحاب صالونات الحلاقة، واستنجد بها من قبل اصحاب المصانع، والمعامل لوأد اي اعتراض عمالي، ونشرت الرعب في حياة الناس منذ اول هجمة قامت بها تلك الميشليات في مدينة البصرة في اذار عام 2003 حين شنت هجوما على طلبة احد الجامعات يقومون بسفرة ربيعية ولحد يومنا هذا.

 

لقد كانت ولازالت- تعبث تلك الميلشيات بحياة الناس نهارا جهارا، تحت اعين الامريكان دون ان ينبسوا بكلمة، بل روجوا للامر على "انه جزء من عاداتهم وتقاليدهم". وتعاملت امريكا مع حكومة مكونة اساسا من احزاب، كل له ميلشياته، كل يعمل لتقوية موقعه ومكانته وفرض اجندته على المجتمع، وبكل اريحية. فلماذا تشحذ الان سكاكينها وتحد اسنانها على الميلشيات؟ ان المسالة تكمن في ان امريكا في حرب الان مع ايران -وان كانت دبلوماسية، ولم ترتقي الى عسكرية بعد- وهي تريد خلع اظافر تلك الميلشيات. ان التحشيد الذي يقوم به بومبيو، يجعل امر توجيه ضربة عسكرية الى ايران امرا ليس مستبعدا. فشرطي المنطقة، يريد فرض اجندته في كل مكان يتمكن منه.

 

في اخر المطاف، بالنسبة لنا، جماهير عمالية وكادحة، نساء ورجالا وشباب، وعاطلين عن العمل، فان الصراع الامريكي - الايراني، هو صراع مصالح بين اقطاب رأسمالية عالمية واقليمية تتحارب فيما بينها، ومآسي حروبها وصراعاتها سيقع على رؤوس الجماهير في العراق، كما في ايران. صراع بين اقطاب متفقة جملة وتفصيلا على سياسة اقتصادية واحدة تجاه الجماهير، هي سياسة الاقتصاد الحر الجديد (النيوليبرالية)، والتي تتمحور حول اثراء الطبقات الحاكمة على حساب الملايين المنهكة اقتصاديا، عبر تحجيم وتقليص دور ومسؤولية هذه الطبقة التي تشكل الحكومة ومؤسساتها تجاه المواطن، واخلاء مسؤولية هذه الطبقة تجاهها توفير فرص عمل، ضمان بطالة، قيامها بخصخصة الكهرباء، خصخصة التعليم، خصخصة الصحة، جعل الرعاية الاجتماعية للاطفال والمسنين من مسؤوليات العائلة وليس الدولة، وكل الحزمة الرأسمالية الحرة الجديدة. ان ما يختلفون عليه هو حصصهم، ومرة اخرى، حصصهم ومكانتهم ومواقعهم، كاقطاب راسمالية تتصارع فيما بينها على مصالحها.

 

ان مايجب التصدي له هو مساعي امريكا لتحويل العراق الى "جبهة حرب" مع ايران، والتي بدأت تدق الطبول لها بالادعاء انها ستواجه الذين يحاربون بالوكالة. بالتاكيد الوقوف الى جانب جماهير وعمال وكادحي ايران للتصدي لاية ضربة عسكرية او عقوبات اقتصادي هو واجب انساني واممي، ولن نحتاج لان نفكر مرتين، بضرورة التصدي لاجندة الولايات المتحدة، راعية الارهاب في العالم، على ان تشن حربا على شعب، يتظاهر يوميا من اجل لقمة العيش، لتنهكه الولايات المتحدة بويلات الحروب. فالحروب والحصار لم تدفع ثمنها الطبقات السياسية الحاكمة، بل الجماهير الكادحة والفقيرة ونحن شهود على مآسي الاثنين.

 

ان لنا تاريخا مع امريكا وحروبها وعقوباتها وحصارها، التصدي للميلشيات في العراق شأن العراقيين انفسهم، فهم بمواجهة يومية مع حكومة واحزاب وميلشيات، والتظاهرات مستمرة في مدن العراق وخاصة في الجنوب. يجب بذل كل ما يمكن للحيلولة دون حدوث اي "حرب بالوكالة" في مدن العراق، حيث الميلشيات مرابطة في المدن، وعلى حزام بغداد، والتي من المؤكد ستؤدي، ان بدأت، الى ازهاق ارواح واسالة دماء ومزيد من التشرد في وضع نالت منه الجماهير ما يكفيها، فايران لن تستغني عن جبهتها الغربية، اي العراق، في جعله ساحة مواجهة مع امريكا. لذا يجب الوقوف ضد سياسة امريكا، وفضح النوايا الكامنة خلف طلبها بنزع سلاح الميلشيات. امريكا راعية الارهاب، وسجلها اسود في المنطقة، ولن نحتاج الى اكاذيب جديدة.

 

 

مقالات