نادية محمود

تعاطف مع الضحايا ام امتياز للاسلام السياسي؟!

(حول عملية قتل المصلين في مدينة نيوزلندية)

 

ان التعاطف الانساني مع ضحايا العمل الارهابي في مدينة كرايست تشرتش النيوزلندية هو امر ضروري ومهم، التعاطف لسلب حياة اناس لاذنب لهم في كل ما جرى ويجري. بيد ان ما يجري على صعيد رئاسة الحكومة وسائر المؤسسات الحكومية والرسمية وغير الرسمية في نيوزيلندا هو مبعث امتعاض واقعي فعلا

.

لقد راينا، رداً على هذه الجريمة، كيف ارتدت رئيسة الوزراء "جاسيندا اردرن" الحجاب، وارتدته في مراسيم التابين المركزي للضحايا جميع "المسؤولات الحكوميات"!،وراينا كيف القت مديرة الشرطة النيوزلندية خطابها الاول عن الجريمة بالعربية المرفوقة بايات من القران، وكيف تحولت القنوات التلفزيونية والبرامج التلفزيونية الى بدء برامجها بتلاوة ايات من القران، واستهلت التجمعات التابينية بـ"القران" ايضاً، وارتدت المعلمات الحجاب في الدرس الاول، وراحو يستشهدون بخطاباتهم بايات من القران واحاديث محمد ورفع الاذان في كل مدن نيوزلندا امس....وغير ذلك. ان هذا ليس بتضامن مع الضحايا، انه اعطاء امتياز للاسلام السياسي المبتلاة به مئات الملايين في الشرق الاوسط واماكن اخرى من العالم

.

بمغالاتهم هذه لم يتعاطفوا مع الضحايا لانسانيتهم، بل تعاطفوا مع دين دون ذكر الضحايا. ان هذا الالتجاء للاسلام واللعب بقضية الحجاب هو العنصرية بعينها. كما لو ان الحجاب هو جزء من لوننا، كما لو ان الفتيات اتين للعالم والحجاب على رؤوسهن. لو نسأل السيدة "اردرن" وبقية السيدات "الحكوميات": هل انتن على استعداد لوضع الحجاب على رؤوسكن طول العمر؟! هل انتن على استعداد على الكف عن ارتداء ملابس السباحة في البحر طول العمر؟! هل انتن على استعداد لان ياتي ازواجكن رسما وقانونا عليكن بثلاثة اخريات و"ما ملكت ايمانهم" وعدد لايحصى "من نساء المتعة". كلا، بتاتاً. اذ من المؤكد انهن لسن على استعداد للحط من كرامتهن، ولايقبلن ان يكن "دونيات المنزلة". ان هذا التعامل هو عين الرياء والعنصرية

.

ان كانوا يتضامنوا فعلا مع اناس ونساء تلك المنطقة، لماذا لم يرفعوا عقيرتهم ضد اشكال الظلم الواسعة في منطقة الشرق الاوسط التي للاسلام السياسي اليد الطولى في سلب حقوق الانسان والمراة بالذات والقمع والاجرام. انهم يروا ويعرفوا ان، مثلاً، في ايران تعتقل سنويا مليون امراة وذلك لـ"ارتداء الحجاب بشكل سيء"! ويتعرضن للضرب والاهانة، السجن، الغرامة وغيرها، هم يرون بام عينهم، ويعلموا علم اليقين ان حركة نسوية عظيمة في ايران ضد الحجاب الاجباري تقارع الاسلام السياسي بالف شكل وشكل يومياً، وان السعودية وحكومات شيوخ الخليج متاخرة بقرن عن بلدان المنطقة من حيث حقوق المراة وحرياتها، وهناك الف مثال ومثال على الظلم الواقع على المراة في المنطقة جراء الاسلام السياسي واقتداره وحكمه. فلماذا لايتضامنوا معهم؟! الادهى من هذا، انهم يعيدون الناس الهاربات الى البلدان الغربية من جحيم الاسلام السياسي في المنطقة الى بلدانهم ويتعرضن لخطر الموت

!

اذا ينوون فعلا التضامن مع اناس "تلك المنطقة"، لماذا لايتضامنوا مع الف حركة وحركة علمانية ومدنية وداعية للحقوق والحريات، حركات مناهضة للاسلام السياسي و"القوانين الاسلامية"؟! ان تتصور الانسان في "تلك المنطقة" بوصفه يختلف عن اناس "هذه المنطقة"، فهذا هو محور العنصرية والرؤية العنصرية للانسان، محور اليمينية، الوجه الاخر لرؤية الاسلام السياسي. اذ ماذا تنشد وماذا لاتنشد ليس مهماً، طالما انت في جغرافية معينة فانت "مسلم" و"محجبة" و.. انت من العراق او اليمن او مصر او الشرق الاوسط اجمالا؟! اذن مسلم! مافرق رؤية وتصوير السيدة "اردرن" وسائر الساسة الغربيين عن نظيرهما القاتل. ان هذا التصوير اليميني الغربي هو المتمم للتصوير اليميني لـ(الاسلام السياسي). لكلا الطرفين مصلحة في اشاعة هذا التصوير، لانه انسب طريق للدفع ببرامجهم ومشاريعهم السياسية المتعطشة للسلطة والحكم والثروة

.

ان ذرف دموع التماسيح على الضحايا وكل المسرحية التي يقوم بها الغرب واليمين الغربي ليس من اجل عيون الضحايا، بل من اجل صيانة مصالحهم الاقتصادية مع شيوخ النفط وسائر الاستبداديين من امثال اردوغان وروحاني وغيرهم. اذ انهم يعرفون جيدا ما الدور الذي يلعبه الاسلام السياسي في الوقوف بوجه اليسار والشيوعية، بوجه الحركات العمالية والتحررية، بوجه حقوق المراة وحرياتها وسائر. يعرفون الاسلام انه اداة لكبح جماح التحركات وصيانة "قبضة حديدية" كي لاتنفلت الاوضاع وتتعرض اسواقهم وارباحهم للخطر

.

ان جريمة "كرايست تشرتش" في نيوزلندا وحملة العنصريين على المساجد واعمال القتل الجماعية التي يقوم بها، ومقابلها كانت هجمة 11 سبتمبر في وسط نيويورك والعشرات من الاعمال الرهابية التي قام بها الإسلام السياسي كذلك ليست "احداث فردية"، "حالات فردية لاناس غير اسوياء"، اعمال "مجردة" ضد اناس مدنيين، ليست صدفة او صدف، انه صراع على الاقتدار والسلطة في المجتمعات الغربية، حرب ارهابية لقطبين ارهابيين. ان خلف هذا الصراع وقطبيه افكار وقوى وسياسات وعقائد يمينية تبحث، في ظل ازمة راسمالية عميقة وغياب يسار قوي ومقتدر، عن مكانة في المجتمع من حيث السلطة والثروة

.

ان هذا اليمين الغربي ساخط على "التقدم" الذي يحققه يمينه المقابل، الاسلام السياسي في اوربا والعالم، ساخط على هذه الوضعية "الجديدة" ودور الحكومات "الوسطية" و"يمين ويسار الوسط" المهادن لتيارات الاسلام السياسي عبر سياسات "التعددية الثقافية" وغيرها، ولهذا، فان العنصرية (حاجة البرجوازية اليوم) خير وسيلة للضغط على الحكومات الغربية كي تجنح لليمين اكثر. الموضوع لايتعلق بالاجانب، انه ظاهر القضية فقط.انه يمين يستهدف مجمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمع الذي يغط بازمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خانقة، ازمة طبقة، الراسمالية بالاخص بعد ازمة 2008. ولهذا ليس بغريب ان نرى ان يرافق تصاعد اليمين الحملة الشرسة لا على حق اللجوء وكل قوانين الهجرة واللجوء، بل على مجمل الضمانات الاجتماعية، الترشيق الاقتصادي، تجميد الاجور، العاطلين، على حقوق الامهات المعيلات بمفردهن لعوائلهن. اذ ان مايتعقبه اليمين ليس "ضد الاجانب" فقط، هذا مايروج له الاسلام السياسي واليمين المقابل، بل هجمة على كل حقوق المجتمع من اجل تخفيف اعباء ازمة الراسمال، او بوصفه سبيل لحل ازمته المتعاظمة والعميقة. ولهذا ليس بغريب ان نجد ان اول صفوف الحملة على يسار المجتمع، على تظاهرات 1 ايار، على الناشطين العماليين و... هم العنصريين او النازيين الجدد انفسهم

.

لو نضع "سذاجات" "اردرن" وسائر المؤسسة الحكومية النيوزلندية جانباً، ان هذا العمل الاجرامي ورد فعل الحكومة على السواء قد قويا الى حد الاسلام السياسي. ان جرائم مثل هذه هي "عيد" الاخير للدفع بقضيته وبالتالي، نيله مكانة اكبر في خارطة الحكم والثروة، وهو بضرر التقدم والمدنية والحرية والرفاه

!

مقالات