عواد احمد

اللاسلطوية والقيادة والتحزب

يقول آلان وود المفكر الماركسي المعروف (( إن الفكرة القائلة بأننا لسنا في حاجة إلى الأحزاب والقادة خاطئة حتى النخاع. بل إنها في واقع الأمر ليست منطقية حتى. لا يكفيك أن ترفض شيء لا تحبه. بل يجب عليك أن تقدم البديل.))

إن القيادات الحالية لأحزاب اليسار التقليدي عموما والمنظمات النقابية للطبقة العاملة هي قيادات اصلاحية وعاجزة بل انها تعمل بالضد من مصالح الجماهير الكادحة وتمارس سياسة التعاون الطبقي مع الطبقات الحاكمة البرجوازية .

 

اننا ندرك ذلك رغم ادعاءات اللاسلطويين وتقولاتهم المضادة للقيادة عموما والتي تزعم ان كل تنظيم يولد البيروقراطية والتعالي على الجماهير .ان حجج اللاسلطويين ودعاة الاناركية الجديدة مثيرة للشفقة فهؤلاء الناس لا يملكون أي حلول يقدمونها للجماهير المحرومة ويدعون ان الجماهير هي التي تقوم بتحرير نفسها وهي من يمارس السلطة ، في حين ان الجماهير البسيطة تتسم بغياب كامل للوعي الطبقي ولا تفقه في الامور السياسية الا القليل ولا تدرك اهمية دور التنظيم والقيادة والتكتيك في مواجهة العدو الطبقي ، البرجوازية المسلحة بكل انواع الاسلحة والجيوش والمليشيات والاعلام والتي تمتلك الاموال الطائلة وتستطيع تجنيد المرتزقة ورشوة قطاعات واسعة من الجماهير المحتجة ضد الظلم والتعسف الطبقي للبرجوازية .

 

هذا ناهيك عن جميع تجارب التاريخ القريبة والبعيدة التي اثبتت فشل التيارات اللاسلطوية والاناركية ومختلف تيارات شيوعية المجالس التي ترفض تنظيم العمال والكادحين تحت قيادة حزب عمالي متمركز وثوري .منذ ايام الاممية الاولى التي شارك فيها الفوضويين ودعاة اللاسلطوية .

 

في سنوات ثورة 1905 الروسية وما بعدها كان تروتسكي والى حد ما روزا لوكسمبورغ من اشد نقاد التنظيم اللينيني تحت حجة انه يولد البيروقراطية ويستبدل الحزب مكان الطبقة ، الذي وضع لينين خطوطه العريضة في كتابه الشهير ( ما العمل ) ولكن بعد تجربة ثورة 1905 وخيانة الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية الاوربية لقضية الثورة والطبقة العاملة وانهيار الاممية الثانية اثناء الحرب العالمية الاولى وبعد ثورة اوكتوبر التي شارك في التخطيط لها تروتسكي نفسه بشكل اساسي بعد انضمامه الى حزب البلاشفة تبنى تروتسكي طيلة حياته فيما بعد النموذج البلشفي اللينيني للتنظيم والتحزب ودافع عنه بكل قوة .لانه ادرك اهمية القيادة والتحزب والتنظيم الحاسمة في تحقيق انتصار اوكتوبر . وبعد تأسيس الاممية الثالثة عام 1919 تبنت الاحزاب الشيوعية الاوربية النموذج البلشفي للتنظيم قبل شيوع الانحطاط البيروقراطي في الحقبة الستالينية .وما بعدها

ما نريد ان نستخلصه هنا هو ان الجماهير العمالية والكادحة ولكي تحقق اهدافها تحتاج الى تنظيم ثوري مرشد للعمل السياسي والى قيادة ثورية تخطط للنجاح في تحقيق الاهداف .وبدون ذلك ستظل تحت رحمة الانظمة البرجوازية وشتى منوعات الوعي الزائف العشائرية الدينية والقومية والاوهام السائدة .

 

ان الذين ينكرون الحاجة الى التحزب والتنظيم عليهم ان يطرحوا لنا بديلا واقعيا بدل تمجيد عفوية الجماهير وفي حقيقة الامر تظل تنظيراتهم تمثل التيه البرجوازي الصغير الذي يرفض كل شيء ولا يقدم أي شيء منطقي ومعقول .

 

نحن نتفق مع دعاة اللاسطوية على اهمية القضاء على كل تمييز سواء كان طبقيا او اجتماعيا وعلى التراتبية بشكلها البيروقراطي القديم وجعل المكانة السياسية للمناضلين تنبع من ادوارهم الحساسة ومسؤولياتهم داخل التنظيم الثوري كما نؤكد دوما على اشاعة الديمقراطية بأوسع اشكالها واختلاف الراي داخل الحزب الثوري .

 

ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي ومنذ تأسيسه كان فضاء سياسيا واسعا لتداول الآراء المختلفة وممارسة النقد وتأكيد حق الاختلاف بأوسع معاني الديمقراطية التي لم تحققها كل التجارب في الاحزاب البرجوازية والليبرالية والقومية التي كانت ومازالت اشكالا تنظيمية تهمين فيها النخب السياسية المعزولة عن الجماهير .

 

وفي التحليل الاخير يجب التأكيد على اهمية القيادة الثورية والتحزب والتنظيم .وعلينا أن نناضل لبناء تنظيم ثوري يمثل حقا مصالح وتطلعات الطبقة العاملة وعموم الجماهير الكادحة لكي يتحول الى اداة بيد الجماهير لتحقيق التغيير الثوري للمجتمع. إن الشروط الموضوعية اكثر من ناضجة في ظل ازمة الرأسمالية المزمنة والحروب والارهاب والفساد في كل مكان. نحن نؤمن إيمانا راسخا بأن الطبقة العاملة وكل الجماهير الكادحة والمضطهدة والمهمشة مستعدة تماما لهذه المهمة ولكن لابد من وجود تنظيم ثوري وقيادة ثورية تقود الجماهير نحو الانتصار . لقد اثبتت تجارب الاحتجاجات في السنوات الاخيرة وعلى الصعيد العالمي منذ 2011 حتى الان ان الجماهير التي تفتقر الى القيادة والتنظيم والحزب الثوري لم تسطع مواجهة الطبقات الحاكمة وتحقيق اهدافها وعلى العكس تحولت تلك الاحتجاجات الى وسيلة للقمع بيد الثورة المضادة البرجوازية في غياب التنظيم الثوري .

 

ان العديد من الشباب وفي ظل الفقر المدقع واستشراء النزعة الاستهلاكية للرأسمالية وشيوع حالات الاغتراب بسبب الفساد والاستغلال المفرط والعنف يشعرون بالنفور والاحباط عندما ينظرون إلى الاحزاب اليسارية الموجودة والنقابات وخاصة (الأحزاب الكبيرة ، بسبب هياكلها البيروقراطية وممارسات قادتها الذين يساومون باستمرار مع الطبقة الحاكمة والرأسماليين) ويمارسون سياسة التعاون الطبقي الى حد انهم صاروا جزءا من النظام القائم . مما يفسر هروب اولئك الشباب الى الامام وتبني الافكار الخاطئة ورفض الاشكال التنظيمية القائمة على المركزية والانضباط واتهام الثوريين بانهم سلطويين وبيروقراطيين وهو رد فعل البرجوازية الصغيرة وتعبير عن انعدام رؤيتها السياسية وتخبطها .

 

 

25/

مارس /2019

مقالات