سمير عادل

الاول من ايار واقتدار الطبقة العاملة في العراق

ليست مناسبة الاول من ايار عيد للاحتفال، وفي اغلب بلدان العالم ليست عطلة رسمية والادهى من ذلك تعد القوات الامنية والشرطة نفسها لقمع تظاهرات العمال في هذا اليوم حتى في اغلب الدول التي تتباهي بديمقراطيتها مثل فرنسا وتركيا وكوريا الجنوبية وعشرات الدول الاخرى.

 

تمتع العمال في الاول من ايار في العراق بعطلة رسمية هي ثمرة لنضالات العمال منذ اول اضراب رسمي قاده عمال مسفن دوكياد في البصرة عام 1918. وليس سرا على احد عندما قلنا في اكثر من مناسبة ان الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر الغى جميع قوانين البعث وقرارات مجلس قيادة الثورة بأستثاء قرار 151 "تحويل العمال الى موظفين" ومنع كل اشكال التنظيم العمالي وسلب حق الاضراب والتظاهر في القطاع العام. وعندما علق ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي في ادارة بوش الابن التي قادت غزو واحتلال العراق على مسودة قانون النفط والغاز، بأنه لا يبالي للاعتراضات على القانون في البرلمان او من قبل القوى السياسية، الا انه يخشى كثيرا لو وصلت هذه المسودة للاتحادات والمنظمات العمالية في العراق. ويجدر بالذكر كيف قاد العمال احتجاجات ضد رفع سعر الوحدة الكهربائية من قبل الشركة البريطانية عام 1931 وضد رسوم البلديات عام 1933 مدافعين عن جميع الاقسام الاجتماعية المحرومة في العراق انذاك، ولعبت الاحتجاجات دورا قاطعا في اسقاط وزارة العمري عام 1946 بعد ان تعرض عمال النفط في كاورباغي في مدينة كركوك اثناء اضرابهم الى قمع وحشي. ولم يكن فتح النار على عمال الزيوت النباتية عام 1968 اي بعد اربع اشهر من استيلاء البعث على السلطة الا رسالة واضحة للطبقة العاملة في العراق بأن اي حركة احتجاجية ستواجه بالحديد والنار. اي ما فعله بريمر وما صرح به تشيني يعكس حقيقة ساطعة بأنهما درسا وقرئا جيدا التاريخ النضالي للطبقة العاملة في العراق و دورها في صنع المشهد السياسي العراقي.

 

ان الاول من ايار هو مناسبة لاستعراض قوة العمال وامميتهم، وبأنهم طبقة موحدة وعالمية وان تقسيمهم هو تقسيم جغرافي ومصطنع من قبل البرجوازية للحفاظ على رأسمالها القومي. ومع هذا ان البرجوازية تسعى كل يوم في ازالة حدودها القومية عندما تجد ان الحدود تعيق نمو رأسمالها. فكل مساعي البرجوازية من تأسيس جي 7 ومن ثم جي 8 وبعد ذلك جي 20 ومنظمة التجارة الحرة والسوق الاوربية المشتركة ودافوس والبحر المتوسط واتفاقية المحيط الهادي ونافتا والمناطق الحرة بين الدول..الخ هي من اجل ازالة كل المعوقات امام تطور ونمو الرأسمال. ولكن عندما تصل الى الطبقة العاملة فتضع عشرات الحواجز القانونية والسياسية، وتحاول وعبر اعلامها الممول من استقطاعات ارباح واجور وتشديد ظروف العمال بنشر الاوهام القومية والسخافات الدينية والطائفية والعرقية والجنسية لضرب وحدة صف العمال. فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تشكل الاتحاد الاوربي ووحدت العملة في 27 دولة والغيت الحدود فيما بينها منع توحيد المنظمات العمالية على مستوى اوربا بحجج سخيفة.

 

ان التصنيف الطائفي وفرضه على البشر في العراق وبعد ذلك اشعال حرب طائفية ومن ثم القتل على الهوية هو من اجل الاستحواذ على الامتيازات والنفوذ والسلطة، وبالتالي لتشويه الهوية الانسانية وطمس الهوية الطبقية، ليصطف القسم المشبع بالاوهام من العمال الى جانب برجوازيتهم التي تلبس العباءة الشيعية او السنية وعلى رأسها عمامة بيضاء او سوداء او من يتغني ويحتمي بظلها، اصحاب شركات الطيران والعلاوي ومصافي النفط والجامعات والمدارس الاهلية والبنوك وتجارة السيارات، ويصوب بنادقهم تجاه صدور بعضهم متوهمين بأنهم يدافعون عن مقدسات قيل عنها مقدساتهم وليس مقدسات تلك البرجوازية، ودونها لا يمكن لها من اعادة انتاج ترهاتها ووجودها "الدنيوي"، بدلا من ان يقفوا اي العمال صفا واحد ويوجهون فوهة بنادقهم تجاه من حرض على قتل بعضهم فيما كانوا يشاركون ويتقاسمون الالام والمسرات فيما بينهم جميعا واطفالهم حتى يوم امس يلعبون مع بعضهم. ولا نحتاج الى اي عناء كي نكشف كم ان هذه البرجوازية موحدة فيما بينها وتكره العمال الكادحين، فنظرة عابرة لاجتماعات البرلمان، تجد الجميع تحت قبته تتوحد وتصوت لتشريع قوانين مناهضة للعمال ومحرومي المجتمع مثل قوانين التقشف والخدمة المدنية والحريات النقابية وخصخصة المصانع والتعليم والصحة.

 

ان القضاء على الفساد واستصال التصنيف الطائفي والقومي من الدستور والمجتمع وانهاء المحاصصة ليس منبعها مواعظ ونصائح المثقفين المقطوعين من جذورهم الاجتماعية ومصحلي العملية السياسية ولا بمحاولات العزف على اوتار القومية المحلية "الوطنية" التي اصبحت مناسبة لان تضع في "المتحف البغدادي" اكثر من من اجترارها في الادبيات السياسية لهذا اليوم، بل يتم عن طريق اقتدار الطبقة العاملة في العراق. ان ما نشهده اليوم من دمار وخراب بكل انواعه هو بسبب تراجع الحركة العمالية ونضالات الطبقة العاملة في العراق. فعندما تتراجع الحركة العمالية ونضالات الطبقة العاملة في اي مكان من هذا العالم، فأن بربرية ووحشية البرجوازية تسود في المجتمع.

 

ان الاول من ايار هذا العام هو مناسبة لاعادة البريق للطبقة العاملة في العراق وتأريخها النضالي، ورسم خطواتها الاولى من جديد لتنطلق الى الامام وتجر المجتمع برمته. ان الاول من ايار هذا العام هو فرصة لنفض الغبار عن الصراع الطبقي في العراق والكشف عن محتواه الذي حاولت البرجوازية بجميع تلافيفها طمسه واحلال الصراع الطائفي والقومي وحتى المناطقي بدلا عنه .

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018