نادية محمود

هي الكعكعة ذاتها والتقسيم ذاته والنهب ذاته: حول تعيين محافظ الموصل الجديد!

في النصف الاول من شهر ايار الجاري تم تعيين منصور المرعيدي محافظا للموصل، بعد مّد وجزّر، وبيع وشراء، ومفاوضات وتدخلات اقليمية ومحلية وبين الاقليم والحكومة الاتحادية، وصراعات بين كتل في بغداد والموصل، وصراعات داخل الموصل، وائتلافات وانقلابات في مجلس محافظة الموصل( الهيئة الرقابية!!) للمحافظ، تمّكن الفياض والعامري، قادة الحشد الشعبي، من تعيين مرشحهم عن كتلة العطاء منصور المرعيدي محافظا للمدينة. وسط غضب واستياء اطيافا من زملائهم، مما يتزاحمون على احتلال هذا المنصب، لما فيه من فرصة لجلب امكانيات مالية لا عد ولا حصر لها.

 

الا انه ومع تثبيت محافظ الموصل الجديد، في مدينة لازالت أجزاء كبيرة منها كما كانت عند إخراج قوات داعش من الدمار، لم يكن ولن يكون هنالك اعمارا ولا بناء ، حالها حال المدن الاخرى في الجنوب. فاذا كان حال المدن التي من المفترض ان الاحزاب الشيعية جاءت لتخليصها من "المظلوميات"، لم يزل الحيف والمظلومية عنها، بل تحولوا- القادة الشيعة الجدد الى مسببين للمظلومية، مع وصولهم الى سدة الحكم و الى المال والسلطة والقوة. فكيف سيكون حال المدن التي يعرفوها بانها " سنية"! ان استخدام الدين في كل هذه الصراع لا يخفي الحقيقة الساطعة كالشمس والتي تحدث عنها ماركس بان المجتمع انما هو مقسم على اساس طبقي، وليس على اساس ديني. وما سعوا اليه من الترويج على تصنيف الناس على اساس ديني او طائفي، قد دحضته اعمالهم وسياساتهم ومصالحهم في المقام الاول والاخير.

 

 

في مدينة تحتاج الى ملياري دولار من اجل اعادة اعمارها، تبرع بها مؤتمر الكويت، من ضمن ال 30 مليار دولار التي تبرع بها الى العراق بشرط ان تضع الحكومة العراقية حصتها والتي تبلغ 120 مليون دولار ليبدأ الاعمار، الا ان سنتين مرتا على خروج داعش، ولما تزل المدينة تطمرها الانقاض. ولو لم تغرق " عبارة الموصل" لما ازيل المحافظ القديم ولما جاء المحافظ الجديد، ولبقيت الامور على حالها.

 

 

الا انه الان، ومع مجيء المرعيدي، لن يتغير شيء، كما لم يتغير شيء من حال المدينة. الفساد لن يحارب، والاعمار لن يحدث، حيث هنالك طبقة في السلطة تنهب، وتتصارع من اجل المواقع الحكومية من اجل ان يكون لها مدخلا وبوابة للحصول على اموال الدولة، لتحرفها لاحقا وتحولها الى احزابها وميلشياتها ومريديها. ولن يكون بوسع رؤوساء الوزراء الا ان يأنوا ويبكوا على الفساد ويذكرونا بحجمه وعدده، فقط لا غير.

 

 

الكل يعرف ان البصرة، المدينة التي تولد 70 من نفط العراق، و التي يتقاسم مصادرها المالية الاحزاب الشيعية، تغرق في البؤس والفقر والامراض، تصل حالات السرطان فيها الى 800 حالة شهريا، وقابلة للزيادة الى 1500 حالة حسب حديث مكتب مفوضية حقوق الانسان في البصرة بسبب التلوث. في اواسط شهر اذار الماضي، تم تعيين هادي العامري مسؤولا عن مجلس الاعما فيها تزامنا مع تخصيص وتسلم البصرة مبلغا وقدره ترليوناً ونصف الترليون دينار من ميزانية 2019 وأموالاً مدورة من العام الماضي، مخصصة لتنفيذ 450 مشروعاً خدمياً في المحافظة. ولكن هل ستبنى مدارس ومستشفيات وجسور؟ لم تبنى في العقد ونصف الماضيين، هل سيتغير الامر الان؟ ام ان رئيس الوزراء القادم سيضيف ملفات فساد جديدة الى ملفاته الاربعين التي احصاها في البرلمان قبل ايام؟

 

ان استلام المرعيدي لمهام محافظ الموصل وكل النزاعات التي دارت حول هذا المنصب، انما يوضح حقيقة صراع القوى من اجل الاستحواذ على مصادر المال، كفرص للعمل والبزنس. البرجوازية الشيعية تتصارع مع البرجوزية السنية في المدينة من جهة، من اجل ازاحتها وكل تلك الصراعات تعكس شيئا واحدا لا غير، توسيع حصة الحشد الشعبي من الكعكعة، وتبقى، المدن، على حالها من البصرة الى بغداد، الى الموصل، يفسد فيها الماء والهواء وتسودها الامراض، وتفتقد للخدمات.

 

 

لكن اذا كانت جماهير البصرة تهيأ نفسها لجولة جديدة من الاحتجاجات وسط ترقب الاحزاب الحاكمة، فان داعش، او من يخلف داعش، سيجد الارض ممهدة ليستثمر الغضب والاحباط من جديد، في مدينة ابتلت بالطائفية وبالفساد والاجرام، ان لم تهب جماهير الموصل لتطرح نفسها قوة ثالثة، خارجة عن هذين الغولين اللذين يتناطحان من اجل ان يأكل قويهم ضعيفهم

مقالات