نادية محمود

أحراق المزارع في العراق، مسؤولية من!

تناولت الصحافة العراقية والعربية وبعض الصحف الاجنبية اخبار احراق مزارع القمح والشعير في العراق في العراق، وحسب المدى ليوم 9 حزيران، خسر الفلاحون أكثر من 37 ألف دونم خلال شهر واحد، وتصدرت محافظات صلاح الدين، ونينوى وكركوك قائمة الحرائق، وأعلنت مديرية الدفاع المدني العراقي، أن عدد حوادث الحرائق بلغت 272 حادثاً للفترة من (8 أيار 8 حزيران) فقط.

 

وزارة الزراعة، تدعو "الجميع للتعاون معها وعدم إيجاد أرضية للشائعات التي تهدف لزعزعة ثقة المواطن بالمؤسسة المسؤولة عن أمنه الغذائي".يبدو ان وزارة الزراعة، ومن خلفها الحكومة العراقية و " دولتها" تريد اغماض عينها عن رؤية الحقيقة التي يجب ان تتفتح لها الاعين والاذان والاذهان

.

 

من المعلوم، ان امكانية نشوب الحرائق قائمة ولعدة اسباب، ولكن الجميع يتفق على ان ما يجري من حرائق في العراق هي من " فعل فاعل". يوجه البعض اصابع الاتهام الى ايران حيث انها تحتاج "لسوق العراق" لتسويق محاصيلها من القمح والشعير وحيث ان العراق اعلن عن قدرته لتحقيق اكتفاء ذاتي لهذا العام، فان من مصلحة ايران حرق المزارع في العراق. ومن جهة اخرى توجه الاصابع الى الى طرف اخر وهو داعش، حيث استخدم هذا التنظيم حرق مزارع الحنطة والشعير في المدن الغربية لايقاع اكبر الاضرار اثناء و بعد انهاء "دولة خلافته الاسلامية". ان هذا تاكتيك قديم- جديد، قد مارسته داعش على امتداد السنوات الاخيرة في الموصل وصلاح الدين، وديالى وغيرها. ان هذا ليس بمستبعد او مستغرب فاصحاب المال مستعدين لقتل البشر، وليس حرق مزارع حقول من اجل مصالحهم. داعش يسعى لفرض دفع الزكاة على اصحاب حقول القمح، او يرغمهم على دفع 5 الاف دولار. ان هذا هو اقتصادهم السياسي القائم على النهب والاتاوات والتهريب

.

 

الا ان نشوب واستمرار تلك الحرائق صيف هذا العام تدلل على ما يلي

:

 

اولا: ان هنالك عدة اطراف حكومية واقليمية ومحلية ليس لديها ادنى مصلحة بان يعيش المجتمع في العراق بشكل مألوف وطبيعي.، من الحكومة العراقية واحزابها وميلشياتها، الى داعش، والحكومة الايرانية، كلها تتعاون بشكل متفق فحرق المزارع والاسواق والمعامل هي للقضاء على النمط الطبيعي الذي تعيش فيه الناس: الا وهو ميدان العلاقات الانتاجية الطبيعية، مثل الزراعة والتبادل. ففي الوقت الذي تفرض فيه داعش اتاوات على اصحاب المزارع باعتباره احد مصادر تمويلهم، تحرق فيه حقول اولئك الذين يرفضون تقديم الزكاة لها من محاصيل منتوجاتهم اي ما نسبته 20% من قيمة المحاصيل من اجل تمويل تنظيمهم. وسط عجز حكومي تام عن القيام باي فعل من شأنه ان يضع حدا لهذه الجرائم، وان يضمن الاوضاع الطبيعية لعمليات انتاج يقوم بها المرء سواء في الزراعة او في الانتاج بشكل عام

.

 

ثانيا: توجه اصابع الاتهام وتتوفر التقارير على ان الجهة التي تتهم بارتكاب هذه الجرائم بشكل محدد هي داعش. رغم اعلان حكومة العراق انتصارها على داعش. الا ان الحقيقة الماثلة للعيان، هي ان داعش لازالت حية ولم تمت بعد. لقد قلنا سابقا ان خروج داعش من الموصل، لا يعني نهايتها، بل انها ستعيد انتاج نفسها بطريقة جديدة، او انها ستغير ستراتيجيتها، وانها ستواصل تعقب اهدافها. ان الارضية التي خلقت داعش، لازالت باقية بقوتها، انه الواقع الرأسمالي- المحاصصاتي الطائفي، الذي لا يهمهه باية كيفية تكسب الاموال، وعلى حساب من يجري جمع الثروة والتمكن من السلطة، حتى وان كانت كلفة ذلك هو تدمير المجتمع، وتدمير كل ملامح الحياة الروتينية فيه. القضاء على داعش واستئصاله بشكل حقيقي، يقتضي استئصال النظام والبيئة الاقتصادية والسياسية والايديولوجية التي ولدته في العراق بعد نيسان 2003

.

 

ثالثا: انه يدلل على الغياب التام للدولة وعجزها المطلق عن حماية حياة المنتجين في هذا المجتمع. ان تذرع اطراف عديدة من الحكومة بان تلك الحرائق ليست بالقضية الكبرى، وتقليل اهمية الامر كله تحت شعار" عدم زعزعة ثقة المواطن بالمسؤولين" يدلل على مدى استهتار الطرف الحكومي بحياة ومعيشة الناس. يدلل على مدى عجز هذه "الدولة" عن ضمان الامن الغذائي للافراد والذي هو جزء من امن وسلامة الانسان. انه عجز عن حماية المنتجين واسرهم، وانتاجهم. ان حرق المزارع هو نوع من انواع الارهاب. ان الحرائق التي طالت مزارع العراق، يتحمل وزرها اولا وقبل اي كان، الحكومة واحزابها ودولتهم التي خلقت الارضية لكل الاعمال الارهابية من داعش وغير داعش، وقامت بتحطيم مصادر الانتاج، مصادر المعيشة في العراق، وفرص العمل، حيث ان وجود النفط بالنسبة لها، وتامين دخولهم منه، لا يجعلهم يكترثون باي شكل من الاشكال بحماية الزراعة او العملية الانتاجية بشكل عام. ان تأمين الامن والامان واقامة علاقات طبيعية في المجتمع قائمة لا على النهب والابتزاز والاتاوات بل على اساس العمل والانتاج، يقتضي التغيير التام لكل هذا النظاام وبرمته

.

 

مقالات