نادية محمود

حول زّج رجال الدين في المحكمة الاتحادية العليا في العراق.

باشر مجلس النواب القراءة الثانية لمشروع تعديل قانون المحكمة الاتحادية، والذي يدعو الى زج رجال دين باعتبارهم، فقهاء دين، داخل الهيئة القضائية. حيث ستقوم الاحزاب الاسلامية، بحالة اقرار القانون، بترشيح رجال الدين لعضوية المحكمة العليا.

 

من المعلوم ان تشريع القوانين هي من مهمة البرلمان، وليس مهمة المحكمة العليا اصدار القوانين بل ان مهمتها هي مراقبة دستورية القوانين الصادرة من قبل البرلمان. اي لن يؤثر وجود " الفقهاء" او يشكل اضافة رجال الدين للمحكمة الاتحادية العليا على " تفحص دستورية القوانين" لكونهم يفقهون في الشريعة. اي لن يكون لاضافة "الفقهاء" اي دور في مراقبة القوانين وفيما اذا كان لها محتوى يتناقض مع الشريعة ام لا.

 

 

من جهة ثانية ليس لرجال الدين اي دور في هذه المحكمة، حيث ان اختصاص رجال الدين هو " العبادات" والامور المتعلقة بالمسائل الدينية، اما الشؤون الرسمية او ما يخص " المعاملات" فان القانون العراقي لا يستند الى الشريعة الاسلامية، مثل قانون العقوبات والقانون المدني والعشرات من القوانين الأخرى، وبالتالي فان اضافة رجال الدين الى هذه المحكمة يعني ايجاد وظائف في مؤسسة لاناس لن يكون لديهم، في الواقع، اي عمل او مهمة للقيام بها. ناهيك عن ان هنالك اساسا في المحكمة العليا رجال دين منذ تشكيل هذه المحكمة أي ضمن قانونها. ان وجود رجل الدين في المحكمة العليا هو في الحقيقة تواجد في مكان لا يوجد لديه اي عمل او وظيفة فيه.

 

 

فلم هذه الاضافة اذن ولماذا هذه المساعي لزج رجال الدين؟ هل هذه الاضافة هي من اجل اسلمة المجتمع؟ من الواضح ان هذه المساعي اثارت وتثير ردود فعل ساخطة وغاضبة من قبل اوساط واسعة في المجتمع، من مدنيين وتحررين، ونساء ومحامين وحقوقيين، ومواطنين منحدرين من اديان اخرى، وقوى علمانية ومدنية ويسارية. باضافة ألبرلمان العراقي رجال الدين من الوقفين الشيعي والسني للمحكمة العليا يهدف الى مذهّبة المحكمة الاتحادية. في الوقت الذي قدمت الغالبية العظمى من المجتمع في العراق، المرة تلو المرة دليلا وشاهدا على رفض اسلمة المجتمع. لقد اثبت المجتمع العراقي عزوفه عن الاسلام السياسي وبشكل تام. ان اضافة رجال الدين الى المحكمة العليا هي ترسيخ للفساد، والمحاصصة واستحداث وظائف لا فائدة منها، تستهدف استنزاف ثروات المجتمع، حالها حال مؤسسات من قبيل هيئة النزاهة ، المجلس الاعلى للفساد ومكاتب المفتشون العموميون وغيرها من مؤسسات ووظائف تستحدث تصب في النهاية لصالح الاحزاب وتدر عليهم المزيد من الاموال.

 

 

لقد عجزت السلطات التشريعية والتنفيذية، عن "اسلمة" المجتمع بعد عقد ونصف من فساد احزاب الاسلام السياسي، و كفوا عن الاصغاء الى رجال الدين و الاحزاب الدينية. فلن تفلح مساعيهم باستقدام رجال دين الى السلطة القضائية باسلمة المجتمع. لقد خرجت التظاهرات تنادي باسم الدين باكونا الحرامية منذ عام 2015. ورفض 80% من الناخبين التصويت في انتخابات تهيمن عليها احزاب معظمها هي احزاب اسلامية، شيعية كانت او سنية. صوّت المجتمع بالاحتفال براس السنة الميلادية والاحتفال بها بالضد من ورغم فتاوى رجال وشيوخ الدين بعدم الاحتفال باعياد الميلاد. بل ان الاحزاب الاسلامية ذاتها سعت الى تغيير خطابها الديني، بل ومضت حتى الى تغيير اسماءها من اسماء دينية الى اخرى مدنية. فاذن، اقرار البرلمان او عدم اقراره لهذا التعديل في القانون لن يمكنهم من الامعان في " اسلمة المجتمع". لقد انتهى المجتمع العراقي من مسالة اقناعه بهذه الاحزاب الاسلامية الشيعية منها والسنية. فاذا كان هنالك فاعل يستخدم للضغط على الجماهير ليست القدرة السياسية والايديولوجية لهذه الاحزاب، بل هي فقط وفقط "ميلشياتها" في ارهاب الناس، القوى التقدمية والعلمانية والمدنية، وليس القوانين الاسلامية ولا العقائد الدينية.

 

 

في خاتمة المطاف، تتخبط السلطات الحاكمة في قراراتها، ومساراتها، في عجز تام ومطلق عن التطرق للقوانين التي طالبت بها الجماهير من السلطات التشريعية من قبيل قانون تجريم العنف ضد المرأة والعنف الاسري. الا انها دائما، تمضي الى قوانين تخدم مصالحها في المطاف الاول والاخير من قبيل تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا. انه لغط لا يقدم اي نفع لاي مواطن تطول يوما بعد يوما لائحة مطالبه من الدولة التي لم تستجب ولم تلتفت ولم تقلق هذه السلطة بشأنها.

 

 

 

 

 

مقالات