سمير عادل

نحو تبديد الاوهام في صفوف العاطلين عن العمل

 

 

 

اوهام وتصورات في المجتمع سنتناولها في هذا المقال، وهي تشكل عوائق مهمة امام توحيد صفوف العاطلين عن العمل وتقوية احتجاجاتهم والحصول على دعم كل اقسام المجتمع لهم كي تتحول حركتهم الى حركة عارمة بإمكانها تغيير حتى المعادلة السياسية في العراق.اولى تلك الاوهام والتصورات هي تسفيه المجتمع بكل شرائحه الاجتماعية واتهامه بالتخاذل والجبن ويستحق ما وصل اليه، وتستمد ارضية تلك الاوهام والتصورات من منظري ومثقفي البرجوازية الصغيرة الساخطين على كل ما حولهم بالدرجة الاولى والعمل على ترسيخه ، من قبل البرجوازية بكل امكانياتها كي تنتزع الارادة الثورية من المجتمع وتديم سيطرتها عليه.

ليس هناك انسان شجاع واخر جبان، انه تقييم البرجوازي الصغير الساخط   والمتوهم بثوريته الذي بالكاد يرى راس انفه وليس ابعد من وقع اقدامه، ولا  يفضي ذلك التقييم الى شيء بل لا يتعدى عن ان يكون جدل بيزنطي؛ هل البيضة من الدجاجة او الدجاجة من البيضة مما يجعلك تدور في حلقة مفرغة. الا ان هناك انسان مؤمن بعدالة قضيته ومستعد للتضحية بحياته من اجلها، واخر غير مؤمن ولذلك يكون اما غير مكترث او متردد. 

 من هذه الزواية يجب النظر الى “ضمان البطالة”، فهو حق يجب انتزاعه، وان النضال من اجل نيله هو قضية عادلة وتستحق العناء من اجلها، وهو خطوة نحو تحقيق الرفاه للمجتمع برمته. هذا التصور عن مسالة ضمان بطالة بأنه حق العامل، حق الانسان العاطل عن العمل يكاد يكون غائب في صفوف الملايين من خريجي المعاهد والجامعات بل وكل العاطلين عن العمل وبغض النظر عن شهاداتهم الدراسية في العراق. وبدل من المطلب المذكور يتحول الشعار السائد في صفوف العاطلين عن العمل الى المطالبة وتقديم المشورة الى البرجوازية كي تعيد تشغيل المصانع. 

وهذا المطلب هو الاخر من الاوهام التي يسوقها البرجوازي الصغير الذي خسر عمله اما بسبب عدم قدرته على منافسة معمله السلع الاجنبية الرخيصة التي دخلت الى العراق او بسبب غلق المصانع والمعامل وبشكل مدروس ومخطط من قبل السلطة السياسية الحاكمة واذعانا للسياسة الليبرالية الجديدة التي فرضها الاحتلال وبالتالي المشاريع التابعة له مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لحين بيعها على شكل خردة في سوق المزاد العلني. فمطلب ايقاف تدفق السلع الاجنبية واعادة فتح المصانع، يصور بأن الرأسمال الدائر في العراق هو محليا “وطنيا” وغير مرتبط بالرأسمال العالمي، وان السوق العراقية يمكن تطويقها بجدار برلين جديد، وهو لا يدرك ان ذلك السوق ارتبط بالسوق الرأسمالية العالمية منذ قرن من الزمان. ان خداع العاطلين عن العمل ونشر الاوهام في صفوفهم عن طريق دفعهم الى تقديم او تبني برنامج البرجوازي الصغير لتقديمه الى البرجوازية كي يكون قادر على النهوض الاقتصادي من جديد، غير مدرك  بأن البرجوازية لا تحتاج الى من ينصحها ويعلمها، فهي تعرف من اين تؤكل الكتف. ولذلك كما قلنا ونقولها مرارا الى جهنم ان تذهب تلك المصانع وليس برنامجنا ان نقدم المشورة للبرجوازية ، فأننا نريد ضمان بطالة ولا ننتظر حتى تعمل تلك المصانع والمعامل، نريد شراء انتاج وسائل عيشنا، نريد ان نستمر على قيد الحياة، نريد ان نرعى عوائلنا، فليس من شأننا ان تعمل تلك المصانع او لا تعمل. 

الوهم الاخر هو احقية الحياة المترفة الى حد الصفاقة التي يعيشها عضو البرلمان او الحكومة. ان مقارنة اجتماعية بسيطة بينه وبين العامل العاطل عن العمل، فالاول يتقاضى على الاقل ٥ ملايين دينار شهريا ويتمتع براتب تقاعدي مغري، عن عمل وهمي او فضائي لم يقم به، وهو لا يحرك ساكن، وينفق اوقاته ويتفنن بتشريع القوانين كي يظل عاطلا عن العمل مدى الحياة ويعتاش كالطفيلي على حساب المجتمع ليحتل حيز من الحياة دون اي وجه حق، بينما ذلك العامل العاطل عن العمل يتظاهر ويعتصم تحت درجات حرارة لاهبة ويعتقل ويضرب ويهان من اجل الحصول على فرصة عمل. هل هناك اية عدالة!. بينما يقاتل الاول من اجل البقاء في مقعده ويسوق التفاهات الطائفية والدينية ويشرع القوانين للانفاق على وسائل الاعلام المأجورة وتشييد المعتقلات والسجون وتأسيس الاجهزة الامنية والقمعية، وكل ذلك من فائض قيمة العمل الذي ينتجه العامل في النفط والغاز والكهرباء والطابوق والمواد الغذائية والسمنت. ولا يقف مثقفو البرجواية الصغار التافهون ابواق السلطة عند ذلك الحد، بل يٌنًظًرونْ بكل صفاقة وبالكذب بأن لا وجود للطبقة العاملة في العراق، بينما هم يعتاشون على فتات فائض قيمة خيراتها التي ترميها لهم اسيادها البرجوازية الحاكمة. فبرميل النفط العراقي الذي لا يتعدى تكلفته ٥ دولارات وهو الارخص تكلفة  انتاجه في العالم تضاف اليها القيمة الاستهلاكية والتبادلية بجزء كبير من فائض قيمة العامل لتحقق ارباحا مهولة للسلطة البرجوازية المتمثلة اليوم بالاسلام السياسي، ومن ارباحها تشكل المليشيات لتقتل وتخطف وتهدد وتنشر الرعب كي ترسخ نفسها في السلطة. او ليس من حق العاطل عن العمل ان يحصل على ضمان بطالة من انتاج زميله العامل في القطاع النفطي والطاقة بشكل عام.انها معادلة معكوسة وترسخ تلك المعادلة جميع اقسام البرجوازية، وخاصة ذلك البرجوازي الصغير الساخط على اوضاعه. والنقطة الاخرى والمهمة في هذا الصدد، ان العاطلين عن العمل ليس هم الذكور الذين يخرجون الى الشوارع للاحتجاج بل الالاف المؤلفة من النساء الجالسات في البيوت، اما يشتغلن في العمل المنزلي غير مدفوع الاجر او ينتظرن مثل زملائهم من الشباب الذكور فرصة عمل، وهن جميعهن يستحققن ايضا حق ضمان بطالة. ان جر النساء الى هذه الحركة يجب ان يكون في خدمة استراتيجية هذه الحركة، ويجب ايضا كسب تضامن المجتمع الى جانب هذه الحركة.ان حق انتزاع ضمان بطالة لكل ذكر او انثى لمن بلغ عمره ١٦ عشر عاما وما فوق، سينزع فتيل انفلات المليشيات واستهتارها، سيرغم البرجوازية على التقليل من فسادها ونهبها وسرقتها، سيردع عبد المهدي عن أعادة جميع المناصب الفضائية والمحاصصاتية كرشوة قدمها الى القوى القومية والاسلامية للمشاركة في السلطة والتي الغيت وتحت ضغط احتجاجات تموز ٢٠١٥ من قبل حكومة العبادي، سيضفي الطابع المدني والتحرري على المجتمع، وسيفرض التراجع على الاسلام السياسي خطوات الى الوراء.لنعمل على تأسيس هذه الحركة، حركة من اجل انتزاع حق ضمان بطالة بدل المطالبة بتشغيل المصانع والحصول على فرصة عمل التي لا نعرف متى تأذن المؤسسات الرأسمالية العالمية بالشروع بها. 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018