عادل احمد

الاحتجاجات في العراق الى أين؟

اندلعت الاحتجاجات في المدن والمحافظات العراقية الجنوبية وفي بغداد مرة أخرى قبل أيام  وقتل عشرات الأشخاص وجرح المئات وان   أكثريتهم من الشباب المحتجين والمحرومين. ان انفجار جام الغضب والغليان الجماهيري في كل مرة  والقيام بالاحتجاجات والتظاهرات في الشوارع و الساحات والتضحية بالأرواح   من ثم قمعها بقوة الحديد والنار وبالآخير تطلع  الجماهير خالية الوفاض والرجوع الى بيوتهم وبدون مكتسبات او تحقيق مطالبهم،  حقا تستحق الوقفة والتمعن واستخلاص الدروس والتجربة وعدم تكرار الأخطاء مرة بعد مرة.

ان تجربة الاحتجاجات والمظاهرات منذ عام ٢٠١١ وحتى اليوم هي عبارة عن خليط من الغضب والوهم بالمرجعيات الدينية وقسم من الأحزاب من يعتبر نفسه من المعارضة ولكن هي في السلطة عمليا وخاصة التيار الصدري .. ان غضب الجماهير المحرومة من العمال والكادحين من الأوضاع  ابتدأ من الفقر المدقع والبطالة المليونية  والغلاء الفاحش والاستبداد والقمع اليومي من قبل المليشيات من جهة  و الفساد الإداري ونهب وسرقة الأموال العامة  من قبل المليشيات الدينية والقومية وتوزيع السلطة والمال حسب المحاصصة الطائفية والقومية  هي الأرضية لتحريك الجماهير القيام بالاحتجاجات والتظاهرات.. وان مطاليب الجماهير المحرومة من اجل العيش بكرامة وبرفاهية  والأمان هي مطاليب واقعية وحقوقية  لكل المواطنين في العراق.. وعندما ينزل المواطنون  الى ميدان الاحتجاجات فإنما يكمن تحقيق مطاليبهم  في احتجاجهم عن طريق قوة ومساندة بعضهم البعض ويدا بيدا ويتطلب قسطا من التضحيات وربما الاعتقالات والسجون أيضا و يواجهون كل هذه الضغوطات من اجل تحقيق مطاليبهم .. التي تبدأ عفوية  وبدون تنظيم  وليس واضحا حتى الان في كل التظاهرات من هو المطلوب ان تتظاهر وتحتج الجماهير ضده أهو المالكي ام العبادي ام  عادل عبد المهدي ام عمار الحكيم ام مقتدى الصدر ؟؟   وليس واضحا الاحتجاج بالضد من أي حزب ، الدعوة ام المجلس الإسلامي ام الفضيلة ام منظمة بدر ام التيار الصدري .. ليس واضحا موقف المتظاهرين من المرجعيات الدينية التي تساند السلطة بكل ثقلها وقوتها.. و لم تخرج آفاق التظاهرات حتى اليوم بالكامل نطاق افق الصراع الأمريكي والإيراني في العراق.. وهذا ما جعل الاحتجاجات ان تأخذ نطاق محدد بالضد من السلطة ولم تكسب حتى الان  أية مكتسبات محسوسة  التي سالت دماء الأبرياء كثيرا من اجلها.. إذا لماذا لا تتحقق مطاليب المحرومين و تتوهم دائما بالوعود الكاذبة  للحكومة او بفتاوي المرجعية الدينية ؟  ان الجماهير المحرومة لم تفصل افاق تظاهراتها عن افاق السلطات الحاكمة ومليشياتها .. ولم تفصل آفاقها عن آفاق أمريكا وسياساتها  وصراعاتها في المنطقة.. ولهذا السبب لاتوجد الإمكانية للوصول بدرجة من التنظيم الجماهيري والوعي السياسي لكي تخرج موحدةوقوية ومجربة بعد كل التظاهرات.

 

من الناحية التنظيمية إذا لم تتوفر لدى المتظاهرين أرضية قوية في محلات السكن واماكن العمل لرفض السلطة بكل اطيافها وأحزابها ومليشياتها لا يمكن لها القدرة  على المقاومة امام استبداد السلطات في الساحات العامة أي قبل الخروج الى الساحات العامة من الواجب وجود درجة من التنظيم في المحلات والمناطق السكنية او في المعامل والمصانع وأماكن العمل  وان هذه الدرجة من التنظيم تضعف السلطات على القيام بالقمع الدموي في الساحات العامة لانها سوف تواجه احتلال مقراتها ومكاتبها في محلات السكن ومعيشة الجماهير عن طريق تنظيمهم الذاتي وهذا من الصعب على السلطات قمعها. ان إنشاء مجالس المحلات الذاتية في كل المناطق والقيام بتنسيق العمل مع البعض  وظهور القادة الميدانيين وبطولاتهم سوف يكون الجبهة الخلفية والرئيسة  في كل الاحتجاجات  العامة في الميادين ووسط المدن.. ان درجة من التنظيم تعني درجة من القوة ، كلما يكون تنظيم قويا ومنسجما سياسيا ، كلما يكون التأثير قويا  وتحقيق المطاليب ممكنا ..

أما من الناحية السياسية إذا فصلت الجماهير آفاقها عن آفاق جميع الأحزاب الدينية والقومية  ومليشياتها وإذا فصلت آفاقها عن آفاق أمريكا والغرب ووقفت بالضد من كل سياساتهم ولم تتوهم باي من تلك الأحزاب في السلطة والتي جربناهم وهم في السلطة ام في المعارضة  وجربنا صراعات أمريكا في المنطقة ودمارها  وويلاتها ومأساتها ووقفنا بالضد من سياساتها ، وإذا اعتمدنا فقط على ارادتنا وقوتنا عن طريق تنظيم أنفسنا في المجالس والهيئات المحلية والواقعية لأمكننا تحقيق مطالباتنا بسهولة ومعبرة عن ارادتنا الإنسانية  المستقلة..

ان التضحية بالدم والاعتقالات والمطاردات والقمع الدموي يحب ان تقابله المكتسبات وإلا فان هدر دماء الأبرياء بلا فائدة وليس سياسة! وان العمل السياسي بدون التقدم الى الإمام ليس تكتيكا وان الاستمرار بالتظاهرات والاحتجاجات مرات عديدة بدون الوصول الى اسقاط الحكومة ليس استراتيجيا!  ومن هذا المنطلق يحب التفكير بالنجاح بعد النجاح وحتى إذا تراجعنا فمن الممكن الوقوف من جديد و نبدأ الهجوم مرة أخرى.. وهذا لا يحصل الا  بوجود درجة من  التنظيم والإرادة والاستقلالية عن الطبقات الحاكمة ..وفي الوقت الحاضر تكمن بانفصال سياساتنا عن أمريكا وإيران وصراعاتهما وكذلك أعوانهما من الأحزاب والمليشيات العسكرية.. ان قطع يد ايران في العراق عن طريق طرد منظماتها ومقراتها ومؤسساتها المخابراتية   وكذلك طرد أمريكا في العراق  عن طريق طرد مستشاريها السياسيين والعسكريين  و إغلاق قواعدها العسكرية والمخابراتية و تقليل موظفيها في السفارات والقنصليات العراقية ، يمكن الاحتجاجات ان تسقط الحكومة الطائفية بسهولة .. وانه بافاقنا المستقلة وباردتنا  المستقلة وبتنظيماتنا المستقلة بأمكاننا ان نحقق مطالباتنا .

 

 

مقالات