توما حميد

ما سر "الفوضى المعلوماتية" فيما يخص كورونا؟

 

تنتشر الاكاذيب والشائعات والاخبار الزائفة والمعلومات المضللة في مجال فيروس كورونا بشكل هائل، فهناك فوضى حقيقية في هذا المجال. اذ تتركز المعلومات المضللة في المجال الطبي على التهوين من خطورة المرض والترويج لحميات غذائية او مكملات غذائية او ادوية معينة للوقاية او العلاج او عدم جدوى الإجراءات التي تدعو لها السلطات او التشكيك بجدوى اللقاحات.

تخلق هذه الشائعات توهم لدى الانسان بانه بمأمن من خطر الاصابة بالفيروس وتشجعه على عدم الالتزام بالإرشادات التي تصدر عن السلطات الصحية وتقوض الثقة بهذه السلطات او تشجع الناس على اخذ علاجات زائفة.

قد تبدو الكثير من المعلومات الخاطئة التي تنشر مقنعة او تكون مسالة التأكد من صحتها او دحضها صعبة بالنسبة للإنسان غير المتخصص، وخاصة عندما يكون وراءها شخصيات مشهورة بما فيهم الاطباء الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي.

واهم الطرق التي تستخدم في خداع المتلقي للشائعة او المعلومة "الطبية" الخاطئة هي استخدام مصطلحات وتعابير ونظريات طبية وحتى استخدام حقائق علمية، ولكن توظيفيا للخروج باستنتاجات غير صحيحة او استنتاجات تخدم مصالح سياسية او مالية معينة او لتحقيق الشهرة.

على سبيل المثال يتم تداول فيديوهات ينشرها أحد الاطباء باسم اريك بيرج بكثافة، حيث يقوم بالترويج لمعلومات اغلبها خاطئة او على الأقل غير مثبتة علمياً مستفيداً من معلومات طبية صحيحة. فمثلا يحث الناس على اخذ مكملات مثل فيتامين دي وسي واي ومعدن الزنك لتقوية جهاز المناعة، ويبدوا ان له عيادة تستند على الطب البديل. اذ يقوم بالتحدث عن تأثير نقص هذه الفيتامينات والمعادن على جهاز المناعة والتي هي مسائل طبية مثبتة. ولكن الذي يخفيه هو ان هذه المعلومات لا تنطبق على انسان ليس له نقص في الفيتامينات او عامة المجتمع. فمثلا نقص فيتامين سي او أي في المجتمعات الغربية هو امر نادر، ولكن يخرج بيرج باستنتاج بان على الجميع اخذ هذه المكملات. ولا يخبر الناس بانة قد يكون للإفراط من هذه المواد سلبيات خطيرة. ولا تتعدى آرائه حول فعالية دواء كلوروكوين فعال في معالجة كوفيد -19 مستندا الى دراسة سريرية سيئة أكثر من دعاية سياسية لترامب.

قد يكون لهذه الادوية بعض الفعالية ضد كوفيد-19، ولكن ببساطة لحد الان لا نعرف الحقيقة، لان نتائج الدراسات التي يمكن الاعتماد عليها لم تظهر، علما انه هناك دراسات كبيرة تجري في الصين وامريكا. معظم الخبراء يؤكدون بان هذا الدواء، حتى وان كان له فعالية فأنها ستكون محدودة، فهو ليس بالمعجزة التي يتحدث عنها بيرج. وقد نصحت السلطات الصحية في الكثير من الدول، الاطباء بعدم استخدام هذه الادوية الى ان تظهر نتائج الدراسات الجارية والتي قد تأخذ أسابيع او أشهر. ويجب ان اذكر بان هذه الادوية ليست بدون اضرار جانبية.

 

ومن المعلومات الطبية غير الصحيحة التي تنشر هي خطورة التطعيم ضد الامراض

المعدية. ومن الادلة التي تقدم من اجل تأكيد هذا الرأي هو ان بيل غيتس الذي هو ملياردير يؤيد التطعيم. ان تاييد غيتس للتطعيم لا يغير من أهمية التطعيم للبشرية. بإمكان الانسان التأكد من خطأ تلك الآراء من خلال اجراء مقارنة بسيطة بين عدد الوفيات والعوق والمرضية بين الأطفال في دول لا يتم فيها التطعيم وتلك التي يتم فيها التطعيم.

كما يقال ان كوفيد-19 هو ليس أخطر من انفلونزا الموسمية او هناك الملايين ممن يموتون نتيجة امراض القلب والسل الرئوي والملاريا وحتى الجوع، فلماذا كل هذا الاهتمام بكوفيد-19. لكن يجب ان نؤكد بان كوفيد -19 ينتشر بسرعة فائقة وحوالي 5-6 % يحتاجون الى اسرة العناية المركزة والنظام الصحي غير مهيئ للتعامل مع هذا العدد الهائل من المرضى في وقت واحد، مما يعني وفاة الكثير ممن يمكن انقاذهم. ان وفاة عدد كبير من البشر في وقت قصير يشكل صدمة للمجتمع وله عواقب اجتماعية، اقتصادية ونفسية وخيمة. كما ان ضرر كورونا من الناحية المرضية والوفاة هي اعلى بين الفقراء، فمن له الحق ان يقرر من يموت او يعيش؟! على البشرية النضال من اجل تقليل أثر الجوع وامراض القلب والسل الرئوي والملاريا التي تقتل الملايين ايضا وليس ترك كوفيد-19 يقتل الناس.

ويدعى بان عدم وجود علاج او لقاح لكوفيد -19 لحد الان هي مؤامرة من اجل قتل أكبر عدد من البشر. كان من المفروض ان تصرف اموال من اجل ايجاد تلك الادوية واللقاحات منذ سنين، ولكن الان حيث ظهر الفيروس، ليس هناك اي مؤامرة تجمع كل الحكومات والسلطات الصحية ومؤسسات البحث والخبراء والعلماء من اجل منع ظهور هذه الادوية واللقاحات. في الحقيقة ما من يوم كان التعاون على مستوى العالم بدرجة اليوم، ولكن إيجاد العلاجات واللقاحات للفيروسات يحتاج الى وقت.

ومن المعلومات الطبية الخطيرة التي تنتشر هي تلك التي تشكك بمصداقية السلطات الطبية في البلدان المختلفة ومصداقية منظمة الصحة العالمية باعتبارها منظمات فاسدة. نحن نعلم بان لحد الان الممول الاول لهذه المنظمة كانت الحكومة الامريكية، والثاني هي مؤسسة غيتس. ان بعض القرارات التي لها طابع سياسي تتأثر برأي الممولين، ولكن هذه المؤسسات هي من منجزات البشرية وليس الرأسمالية. قد يكون هناك فساد في ادارة هذه المنظمة والمؤسسات الصحية في البلدان المختلفة، ولكن هذا لا يدحض حقيقة بان الاف الخبراء والباحثين في هذه المنظمات يصرفون جهودا جبارة في خدمة البشرية وتبقى القواعد الارشادية التي تصدر عنها أفضل مصدر للمعلومات الطبية.

هناك عوامل كثيرة وراء انتشار الشائعات ونظريات المؤامرة والمعلومات المضللة. المسالة هي ليست مسالة طبية. من الناحية الطبية، نحن نعرف ما هو معلوم حاليا وما يجب دراسته. ان من اسباب هذه الظاهرة هو عدم ثقة الجماهير بحكوماتها. ان الشائعات التي تروج بان الفيروس هو من انتاج الجيش الأمريكي او نتيجة لحادث عرضي في مصنع بايولوجي صيني هو نتيجة توغل هذه الحكومات في الجريمة. كما ان أجواء الخوف وعدم اليقين التي تخيم على المجتمع نتيجة للفشل المريع للتحضير لهذه الجائحة، توفر الأرضية لانتشار الشائعات والاخبار المزيفة، وهي فرصة لمن يريد توظيف هذا الخوف لمصالح سياسية ومالية.

ويعتبر اهم أسباب انتشار الشائعات والمعلومات الخاطئة هي وقوف مصالح سياسية ورائها، فجزء منها هي نتيجة الصراع بين الدول وخاصة الصراع بين الصين وامريكا. وسبب اخر مهم هو سعي افراد وشركات الى التربح من الازمة ماليا من خلال

إشاعة علاجات زائفة او تحقيق الشهرة.

لذا ارجو من الشيوعيين والتقدميين عدم الترويج او نشر اي معلومات غير موثقة، ولم تصدرها السلطات الصحية في بلدانهم او منظمة الصحة العالمية، وهذا يشمل حتى الاخبار التي تنتقد النظام. يجب ان لا نصدق كل شيء نسمعه او نقرأه ويجب التأكد من موثوقية مصدر الخبر. يجب ان نكون متفتحين على احتمال ان تكون المعلومات خاطئة. يجب ان لا نصدق باي علاج يقدم بانه معجزة او فعال بشكل غير طبيعي. بل على الشيوعيين التصدي للمعلومات الخاطئة لأنها قد تلحق ضرر كبير بالمجتمع والافراد. فمثلا، توفى شخص في أمريكا وحالة زوجته حرجة بعد تناولهما كلور وكوين الفوسفات وهي مادة تستخدم في تنظيف حاويات الأسماك، وهي نفس المادة الموجودة في ادوية الملاريا، مثلاً!!

المصدر : صحيفة الى الامام العدد ١٢ بتاريخ ٢٠٢٠/٥/٣
#الى_الامام

مقالات