احمد عبد الستار

انه الخوف من الشيوعية وليس "محاسبة" الصين!

 

قال مدير برنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، مايك رايان، خلال مؤتمر صحفي يوم الجمعة الماضي " أن فيروس كورونا المستجد لا ينحدر من مختبر في مدينة ووهان الصينية، التي بدأت منها الجائحة، مشيرة إلى أن هذه السلالة لها أصل طبيعي".

الرئيس الامريكي ترامب، في كل مناسبة يطل خلالها من الاعلام، يوجه الاتهام الى الصين، مردداً مع كثير من مسؤولي الحكومة الامريكية بأن الصين أخفت معلومات حول هذا الفايروس، ويدّعون دون تقديم أدلة بأنه مصنّع في معهد هذه المدينة.

وعلى نفس الوتيرة، طالب رئيس الوزراء الاسترالي، الذي يتخذ الموقف الامريكي دوماً، سكوت موريسون قبل اسبوعين، دعما مفتوحا لإجراء تحقيق دولي يدين الصين، باتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكذلك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وبلغ الامر بانتقاد الصين على المساعدات التي قدمتها الى دول الاتحاد الاوربي، في بدايات انتشار كورونا المروع على اراضي اوروبا، واعتباره سخاء مريب، يهدف الى " تشويه سمعة أوروبا" على حد قول وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.

كما اتهمت وزيرة الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية أميلي دو مونشالان الصين، وكذلك روسيا؛ "باستغلال" مساعداتهما الدولية و"إبرازها".

ويرون بأن " الصين تقوم أيضاً "بتمرير رسالة بشكل هجومي، مفادها أنها، على عكس الولايات المتحدة، شريك مسؤول وموثوق".. الخ من الانتقادات والتهم الموجهة الى الصين.

أجابت الصين على لسان سفارتها في فرنسا من على موقعها الالكتروني في حملتها الكبيرة ضد كورونا قائلة: "بعض الأشخاص معجبون كثيرا بالنجاحات التي حققتها الحكومة الصينية؛ يحسدون كفاءة نظامنا السياسي، ويكرهون عجز بلادهم عن القيام بالأمر نفسه!".

الصراع بين كتلة روسيا والصين وبين الدول الغربية متمثلة في امريكا واوروبا وكندا واستراليا، ليس جديدا. يدور الصراع بين كتلتين للاستيلاء على اوسع قدر ممكن من العالم، او حسب المبدأ الذي كتب عنه لينين والذي عرّفه ب (إعادة اقتسام العالم) بين الدول الامبريالية الكبرى منذ قرن تقريبا. ولكن هناك سمات مختلفة بين الدول الرأسمالية الكبرى،

كلاً حسب تطورها التاريخي، وخصوصية تجربتها الذاتية، فمثال الدول الغربية، التي اعتمدت خلال العقود الاخيرة منهج النيوليبرالية، تترك بموجبه الاقتصاد الخاص بكل حرية بلا اي تدخل من الدولة، وانتشار الخصخصة الى كل قطاعات الاقتصاد بما فيها الصحة وتحويل ملكيتها للقطاع الخاص، دون الالتفات الى حاجات المجتمع الى رعاية صحية عامة مسؤولة.

هو غير مثال الصين الذي تعتمده حاليا ومنذ عقود خلت، القائم على توجيه ممركز من الدولة بتوجيه سير الاقتصاد، بهدف اللحاق بالعالم الصناعي، والتطوير العاجل للبنى الصناعية والاستثمار الاقتصادي المفتوح بوجه كل العالم.

سيخضع بوجب هذا النوع من التوجيه الاقتصادي اجزاء مهمة من الاقتصاد القومي وفي مقدمتها الصحة، خلال محنة كورونا اثبتت الصين نجاع سيطرة الحكومة على الصحة العامة قياسا الى الغرب ولخصخصته الصحة وكيف تركت مئات الالاف من مواطنيها تحت رحمة هذا الوباء....

هذا الامر مبعث سخط جماهيري واسع يضع النظام القائم في الغرب تحت طائلة النقد المرير، وتحت طائلة السؤال عن البديل لهذا النظام الذي عجز تماما تلبية حاجات الانسان كما اظهرتها جائحة كورونا.

لذلك نرى إن المسؤولين الحكوميين في الدول الغربية أخذوا يطرقون في نقدهم الصين نبرة جديدة موردين اسم الحزب الشيوعي الصيني، في صراعاتهم التقليدية، ويكيلون الاتهام الى هذا الحزب، مثلما قال بومبيو في حوار مع قناة "فوكس نيوز": "نحن نعرف أن فيروس كورونا ظهر في ووهان الصينية، ولكن لا نعرف حتى الآن مصدره بالضبط"، مضيفا "نعرف أن الحزب الشيوعي الصيني لم يكن صادقا. ونعرف أنه عندما حاول الأطباء الحديث عن ذلك منعوهم، كذلك طردت الصين صحافيينا".

وكذلك الدعوة التي قدمها المدعي الجمهوري في الولاية، إريك شميت، تستهدف الحكومة والحزب الشيوعي الصيني ومسؤولين آخرين ومؤسسات في الصين. وتتهمهم خصوصا "بإخفاء معلومات مهمة" في فترة ظهور الوباء، واعتقال المبلغين عن ذلك، وإنكار الطبيعة الشديدة العدوى لفيروس كورونا المستجد.

وحتى في اوروبا، على لسان وزير خارجية اتحادها يقول".. الأزمة الصينية متركّزة في هوبي، وتفاقمت بسبب إخفاء مسؤولين في الحزب (الشيوعي) الصيني معلومات أساسية".

هذا دليل مضاف الى إن الدعاية الغربية ضد الشيوعية قائمة الى الآن، فهم يستغلون صراعهم مع الصين لتمرير تشويه الشيوعية، التي بدأت منذ مدة طويلة تتنبه اليها جماهير المجتمعات الغربية وتتطلع اليها كبديل عن هذا النظام الذي اثقل كاهلهم بالبطالة والتشرد والتقشف والحروب وقلة الاجور ..واخيرا جائحة كورونا التي تركتها الحكومات الغربية تفتك بهم دون تدخل يذكر حتى تفاقم امرها وحينها تذكرت هذه الدول، إن الدولة مسؤولة عن المجتمع.

الغربيون يدركون يقينا إن "شيوعية" الصين لم تكن ولا يوم واحد لها صلة بشيوعية ماركس، التي تتعالى الاصوات داخل المجتمعات الغربية للعودة اليها. النظام الصيني نظام رأسمالية الدولة، بقيادة الحزب الشيوعي الذي اثرى اعضائه وصاروا من اصحاب المليارات على حساب مئات الملايين من العمال.

الشيوعية الي نادى بها ماركس، والتي يخافها الغرب خوفا مميتا وكذلك الصين وروسيا، تدعو الى هدم النظام الرأسمالي سواء على النمط الغربي او الصيني والروسي. وتدعو الى دولة بقيادة الطبقة العاملة وسائر المجتمع العامل، بلا حاجة لأي نوع من انواع الرأسمالية وطفيلياتها، وتوجه اقتصاد البلد انطلاقا من حاجات الانسان الذي تحرر من عبودية الرأسمالية، بلا خصخصة للاقتصاد والمستشفيات ومصانع الادوية، الدولة تصاغ حسب مقياس الانسان وحاجاته ورفاهه وليس حسب اولويات الرأسمال.
المصدر : صحيفة الى الامام - العدد ١٢ بتاريخ ٢٠٢٠/٥/٣
#الى_الامام

مقالات