فارس محمود

أللقتلة حق بان يقرروا مايجب او ما لا يجب ان يكون عليه المجتمع؟ (ملاحظات عابرة حول حملة الاسلام السياسي على رفع علم المثليين)

أللقتلة حق بان يقرروا مايجب او ما لا يجب ان يكون عليه المجتمع؟!

(ملاحظات عابرة حول حملة الاسلام السياسي على رفع علم المثليين)

فارس محمود

رفع الخزعلي والعامري، ومن قبلهم مقتدى الصدر ومعهم اطياف من تيارات الاسلام السياسي وشخصياته، عقيرتهم احتجاجاً على قيام "بعثة الاتحاد الاوربي" في العراق برفع علم المثليين في بغداد بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية المصادف (17 ايار).

لو جرى هذا الصخب في بلد مثل عمان، البحرين، الاردن او غيرها، من الممكن ان يفهم المرء هذا الامر. بيد ان يحدث هذا في العراق المبتلى بالف مصيبة ومصيبة هو امر غير مبرر مطلقاً. فللجماهير الف هم وهم. اذ يوميا تتقافز اطراف من الحكومة لارعاب الناس عن ثمة خطر هو "عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب ملايين العمال والموظفين بعد" (هكذا ببساطة!!). ليست مواضيع هذا الصخب الجاري يحتل ولا حتى المرتبة الالف في اولويات مجتمع مفقر ومسلوب لهذا الحد.

برأيي، يجب ان يحاكم مثل هؤلاء للجرائم التي ارتكبوها ويرتكبوها يومياً بحق المجتمع، لا ان يصرحوا بما يجب او ما لا ما لايجب ان يكون عليه المجتمع. انهم اطراف اساسية في تيار الاسلام السياسي الذي جلب ويلات ما بعدها ويلات لهذا المجتمع. تيار جعل من بقاء مجتمع مدني وعصري وذا تاريخ في لمجتمع تقارب نسمته على ال 40 مليون ووجودهم كله تحت طائلة السؤال. كل مصائب المجتمع يجب ان تكتب على جبينهم: الفقر، الجوع، البطالة، البغاء، المخدرات، الانتحار، عمل الاطفال، الاتجار بالنساء، بيع البنات عبر تزويجهن القسري، بيع اجزاء الجسم وغيرها..هي جزء من جرائم هم المسؤولين عنها وبشكل تام. انهم اساس كل هذه المصائب والمآسي.

ان هذه التيارات التي فرض عليها متظاهروا ومحتجوا انتفاضة اكتوبر تراجعاً جدياً، ونازلتهم الجماهير شر منازلة وفضحتهم ودفعتهم نحو التهميش والعزلة، بعد ان احرقت مقراتهم في العديد من مدن العراق، ها هي تريد، عبر استغلال ودغدغة مشاعر اكثر اقسام المجتمع تخلفاً ان تتعكز على هذا الموضوع، وان يكون لها كلمة مرة اخرى في المجتمع. بأي وجه يتحدث قادتها عن ماهو صحيح في المجتمع وماهو غير صحيح؟! عليهم ان يردوا اولاً على جرائمهم بحق قتل 700 شاب و جرح واصابة يقارب 25 الف شاب، ومصير 2800 شاب لازال مجهولا في غياهب السجون او مختطف. عليهم ان يجيبوا على هذه الاسئلة اولا.

ان دعايتهم بان رفع العلم هو "هجمة على المسلمين" وعلى "قيمهم واخلاقهم"، وسعي من اجل "استبدال قيمنا" بـ"قيم الغرب الكافر" . انها ادعائات متهافتة.

يوم (17 ايار من كل عام) دخل التاريخ، ويحيوه مثليو/ات العالم في كل مكان سواء رفعته ممثلية الاتحاد الاوربي او لم ترفعه. ورفعه مثليو ومثليات العراق في قلب بغداد، وقبل الاتحاد الاوربي. لاربط لهذا الامر بـ"الاسلام"، ولا "الهجمة على قيم المجتمع"، ولا "اشاعة الانحلال" ولاغيرها من ترهات.

العلاقات الجنسية من حق البالغين. لا اكثر ولا اقل. انها امر شخصي بحت اساساً. اي امور تخص اؤلئك البالغين الذين يدخلون طوعاً، وبوعي، وباحترام متبادل لحقوق وحريات كل منهما.

العلاقة الجنسية بين الجنس الواحد، من الرجال والنساء، هي موجودة مع وجود الانسان. (ليس هناك حديث كبير عن العلاقات المثلية بين النساء او نقدها، ان هذا نابع من الثقافة الذكورية التي ليس للمراة واحاسيسها ومشاعرها ورغباتها مكان، بل حتى وجودها هو مجرد تتمة للذكر، "من ضلع له"!!). انها واحدة من بين 17 شكل من اشكال العلاقات المعروفة مابين الجنسين، وفق دراسات المختصين.

كيف يقيم الانسان البالغ علاقاته الجنسية ومع من يقيمها، ومتى يقيمها، هذا شأن خاص باطراف هذه الصلة، وليست لها صلة باي شخص اخر خارج هذه العلاقة. وبدون اي قيد او شرط. ليس من شأني ولاشأنك، ولا شأن الشرطة، ولا ِشأن الدولة، ولا شأن اي منظومة اخلاقية او فكرية، ولا الدين!

والادهى من هذا ان يتم التعامل او تصوير المثلية كما لو انها "هوية" لقسم من البشر. لايمكن تعريف الناس او اعتبارهم كـ"صنف" وفق امر شخصي بحت، اي ميولهم الجنسية. ان هذا ليس سوى تحجيم غير مقبول للانسان، لانسان مفعم بداهة بمشاعر واحاسيس وافكار و...! انه ابتذال.

ان ضجيجهم حول "علم المثلية" يهدف اولا، الى حرف انظار المجتمع عن قضاياه الاساسية ونضالاته الحقة، بمسائل لا تخص احدا اساسا وهي " العلاقات الجنسية بين بالغين". الا انه يهدف الى عرقلة عجلات التاريخ، المقاومة والوقوف بوجه الحريات والحقوق الفردية الاساسية.

قبل الخزعلي والصدر والعامري، وقفت الكنيسة واليمين وسائر التيارات الرجعية في الغرب باستماتة من اجل الحيلولة دون كسب المثليين حقوقهم او الاعتراف بها، موجهين "التهم والمبررات" تلو بعضها بكون المثلية "مرض"، "عقدة نفسية"، "طفولة مشوهة"، "مرحلة عابرة" وغيرها من مبررات تافهة ليس لها اي سند عملي من جهة بقدر ماهي حملة تشهيرية بحقهم. بيد ان قلاع تلك المقاومة تحطمت تدريجياً هنا وهناك، يوم بعد اخر، امام الاقرار بهذا الحق، كسائر الحقوق التي ماطلوا بها.

ان المثليين هم اناس عاديين مثلي ومثلك. وينبغي ان يُكن لهم الاحترام ذاته الذي لسائر افراد المجتمع عامة. و هي ليست مسالة احد.

لم يقتل مّثلي احد، لم يصوّب او يختطف او ينهب او يفسد.

هذا ما فعلتموه انتم.. وهذا ما سنحاسبكم عليه.. لستم انتم من يتحدث عن ما يجب او ما لا يجب ان يكون عليه حال المجتمع!!

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015