توما حميد

هستيريا الاسلام السياسي تجاه المثليين


لقد فرضت الانتفاضة العراقية  تراجعا كبيرا على القوى الاسلامية وميليشياتها  وضربت هيبتها وجعلتها محل سخرية ونقد.  اذ تتحسس هذه القوى الخطر على حكمها ونفوذها. لذا سوف لن تبخس بجهد من اجل اعادة  هيبتها وتعزيز قبضتها على المجتمع.

نعلم جيدا ان الصخب الذي يثار في العراق في الايام الاخيرة  حول قضية المثلية والمثليين الذي وصل الى حد اقتراف جرائم قتل ليس لها اي  علاقة  بالمحافظة على "اخلاق وقيم  المجتمع".  انه لمن البديهي ان هذا الصخب هو لاسباب سياسية.

فمن جهة تستخدم هذه الميليشيات المثليين كشريحة "ضعيفة" في المجتمع من اجل ارعاب المجتمع. وقد استخدمت من قبل ظاهرة مشابهة وهي قتل بائعات الجنس من قبل النظام البعثي والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني ايضا للغرض نفسه.

من جهة اخرى تستخدم قضية المثليين والعديد من القضايا الاخرى من اجل حرف الانظار عن المسائل الاساسية التي تواجه المجتمع في ظل سلطة القوى الاسلامية والقومية. وهذه هي سياسة تستخدمها الاحزاب البرجوازية في كل مكان، فمن اجل ابعاد الانظار عن قضايا اساسية مثل الفقر، وانعدام الامان والبطالة والجوع ونقص الخدمات، وعدم المساواة، يتم حرفها نحو قضايا ثانوية، وحتى قضايا مصطنعة، وابرازها كقضايا اساسية.

ويستخدم التعصب والتميز على اساس الميول الجنسية من اجل تقسيم المجتمع وشق صف الطبقة العاملة، اذ تفرض المثلية كهوية  على شريحة معينة في المجتمع الى جانب هويات اخرى مثل اللغة والقومية والدين والجندر ألخ.  حتى في الدول الغربية تتخذ البرجوازية من شرائح معينة  مثل المثليين او العاطلين عن العمل او المهاجرين الخ ككبش فداء  باعتبارهم سبب مشاكل المجتمع و"تقويض قيمه" وحرف الانظار عن النظام نفسه .

تعتبر قضية المثليين من القضايا التي تظهر بوضوح نفاق البرجوازية. لقد اصبحت من البديهيات بان القيم الانسانية والرقي والتازر الانساني في المجتمع  له ربط وثيق بدرجة المساواة ومعدلات الفقر والتعليم  والحقوق والحريات الاجتماعية والفردية، وليس له اي علاقة بمسائل مثل المثلية الجنسية في المجتمع. رغم هذا، تصور البرجوازية  اي انحطاط وتدهور في قيم المجتمع كونه نتيجة مسائل ثانوية مثل المثلية الجنسية.

يقوم اليمين البرجوازي الذي يتحدث باسهاب عن اهمية العائلة وقيم العائلة بتحطيم اسس العائلة. ففي امريكا مثلا، يمتنع الكثير ممن هم في سن الزواج  عنه، وهناك ضغط كبير على العلاقات داخل العوائل ومعدلات عالية من الطلاق نتيجة للضغوطات الاقتصادية وصعوبة المعيشة الذي تسبب بها اليمين نفسه الذي يؤيد السياسات النيوليبرالية. وينطبق الشئ ذاته على المجتمع العراقي، اذ ان الاحزاب الاسلامية نفسها التي تتغنى بالعائلة والانجاب الخ تخلق الظروف المادية التي تقف عائق امام زواج الشباب وبناء عوائل الخ.

وحتى في الدول الغربية تقوم الاحزاب اليمينية، التي  تمثل من الناحية الاقتصادية مصالح حفنة من الاغنياء، باستخدام شرائح من المجتمع مثل المثليين لمكاسب سياسية، ولتشكيل تحالف بين اكثر الشرائح رجعية في المجتمع مثل كارهي المثليين وكارهي الاجانب ومعارضي عمل المرأة خارج البيت ومعارضي استخدام وسائل منع الحمل ومؤيدي حق حمل السلاح وحق الصيد بدون قيود الخ من اجل المكاسب الانتخابية.

 فمثلا لقد بينت استطلاعات الرأي في استراليا لسنوات طويلة  بان السكان كانوا مع مطلب تشريع حق المثليين في الزواج، وحتى معظم رؤساء الشركات الكبرى كانوا مناصرين لتشريع قانون يسمح بزواج المثليين الا ان الاحزاب السياسية  ظلت تتاجر بالموضوع الى ان رضخت مؤخرا في كانون الاول 2017 بعد اجراء استفتاء عام. وكان بعض الساسة اليمينين يحذرون من "انهيار قيم المجتمع" و"سيادة الفوضى" و"ضعف القيم العائلية ولكن في الحقيقية لم نرى اي تغير يذكر بعد تشريع زواج المثليين في استراليا،  لا نحو الافضل ولا نحو الاسوأ.وقامت البرجوازية من جهة  اخرى بتسليع المثلية. اذ يشكل السوق المخصص لهذه الشريحة من حانات، مقاهي، اماكن تجمع، ملابس، بضائع وخدمات اخرى بمئات المليارات في امريكا لوحدها. وقد اصبح امراً معروفاً بان في الوقت الحاضر للكثير من المثليين الذين  يعيشون بدون اطفال قوة شرائية تفوق القوة الشرائية لغير المثليين، ولهذا السبب تقوم الكثير من الشركات "بالدفاع عن حقوق المثليين".

لقد تجاوز المجتمع البشري كل الهراء الذي اشاعته البرجوازية حول كون مسالة المثلية هي "ضد الطبيعة"، او "خطر على المجتمع"  او كون المثلية هي "نمط حياة" يختاره الشخص او "مرض نفسي" يجب علاجه او "اخلاق مستوردة" من مجتمعات اخرى،  وحول محاولات اليمين الخلط بين المثلية كعلاقة طوعية بين البالغين من نفس الجنس وبين اغتصاب الاطفال.  فحتى الامم المتحدة تدين الاعتداء  والتمييز على اساس الميول الجنسية والهوية الجندرية.

لقد دافعت البرجوازية على مر تاريخ الرأسمالية  بقوة عن الزواج بين الرجل والمراة من اجل توفير القوى العاملة اللازمة للانتاج واعادة الانتاج. ويتم تقديس وحدة العائلة لانها  مؤسسة مثالية للطبقة الحاكمة تقوم من جهة بخصصة الخدمات الاجتماعية مثل رعاية الاطفال وتربية اجيال من العمال. كما تعزز عدم المساواة  في موقع العمل والبيت، وهي تفسر دفع اجور اقل للنساء وجعل مسالة العناية بالعمل المنزلي وتربية الاطفال وظيفة النساء فقط.

ولكن، من الناحية الاقتصادية، لاتحتاج البرجوازية الان الى محاربة المثلية الجنسية وترويج مؤسسة الاسرة  من اجل انتاج البشر لانفسهم، اي انتاج قوة عمل. ان الميل الى الزواج من الجنس الاخر والانجاب هو بدرجة في المجتمع بحيث يمكن ايفاء بحاجة  الرأسمالية الى قوة العمل. ان معاداة البرجوازية للمثلية هي من اجل حرف الغضب تجاه النظام وتقسيم صفوف الطبقة العاملة. يجب ان نقف ضد التمييز ضد البشر تحت اي من الهويات المصطنعة، فالمثلية هي ليست هوية للبشر. يجب ان تذكر بان البلاشفة قاموا بعد الثورة برفع الجرم عن المثلية ، وعندما صدر قانون جنائي جديد بعد الحرب الأهلية في عام 1922 ، لم يتم الاشارة الى  المثلية الجنسية باي شكل من الاشكال .

مقالات