فارس محمود

حول حملة تركيا

 

قامت القوات التركية بالتوغل في شمال كردستان العراق فجر الاربعاء المنصرم، وجاء هذا التوغل بعد عملية قصف جوي ومدفعي واسعة وشديدة لعدة ايام شملت 8 قرى حدودية في مناطق سنجار ومخمور وقنديل مما ادى الى نزوح واسع للعوائل في تلك القرى وخسائر مادية كبيرة تخص مزارع اناس القرى. وتنتشر الان القوات التركية التي اطلقت على عملياتها "مخلب النمر" بعمق 10 كم داخل اراضي شمال كردستان العراق. 

رافقت هذه الحملة العسكرية، حملة اعلامية ودعائية قومية وشوفينية سافرة وشعواء بهدف تضليل جماهير تركيا المبتلاة بنظام اردوغان القومي-الديني واشاعة احط الاحاسيس والمشاعر والمفاخر القومية والوطنية، وبالتالي ايهام الجماهير التي ترسف في اوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية صعبة ومدمرة وجرها خلف حكومة اردوغان وحزبه الذين يعانيان من تصدع سياسي واجتماعي جدي ويواجهان نقمة جماهيرية متعاظمة في الوقت الذي يفتقدان الى اية حلول واقعية وعملية للرد على هذه الاوضاع الكارثية وتخفف من وطأة معاناة الاغلبية الساحقة للمجتمع.

وبهذا الخصوص، وبعد احاديث مسؤولي وزارة الخارجية في تركيا وايران، دخلت الاخيرة على الخط ايضا، وقامت بدورها باعمال قصف للمنطقة ايضاً، فيما لم تبدي مايسمى بـ"الحكومة العراقية" الهشة والمتداعية اي موقف سياسي جدي ومسؤول يضع حد لتطاول حكومة اردوغان الاجرامية على "الاراضي العراقية"، وسايرت "حكومة اقليم كردستان" والاحزاب القومية الحاكمة في كردستان، وكلا ارتباطاً بسادته الاقليميين الى لزم الصمت عن هذه الجريمة، كما لو انه شيء لم يكن!

تدعي حكومة اردوغان وابواقها الاعلامية الشوفينية والفاشية انها تشن هذه الحملة بهدف "محاربة" و"انهاء مخاطر الحزب العمال الكردستاني". انها كذبة صلفة وسمجة لا اكثر. ان كان الامر كذلك، لماذا اتت بداعش لسوريا والعراق قبل سنوات؟! لماذا دفعت بمايقارب (15) الف شاب سوري لاجيء متواجد في تركيا جراء الحرب في سوريا التي لتركيا دور اساسي في شنها واستمرارها، واستغلت فقرهم وعوز وجوع عوائلهم واطفالهم من اجل جعلهم مليشيات ومرتزقة في حربها في ليبيا؟! اذ بلغ عدد هؤلاء بالالاف، من بينهم (300 طفل)، وراح اكثر من 400 شاب و(30 طفل) من السوريين فقط لحد الان ضحية النزعات التوسعية لحكومة اردوغان في ليبيا فقط. لماذا تقيم القواعد العسكرية في الصومال وقطر وافغانستان والعراق... وغيرها؟

ان الهدف الاساسي التي تتعقبه تركيا من هذه العمليات في شمال العراق، الحملات العسكرية في سوريا واحتلال مناطق شمالية منها بحجة "حماية الامن الوطني" وارسال القوات المليشياتية الى ليبيا ودعم حكومة الوفاق ومليشياتها ومحاربة مليشيات خليفة حفتر... وغيرها بهدف تقوية مكانة الدولة التركية في المعادلات السياسية للمنطقة التي تشهد صراع ضار من قبل اطراف عالمية واقليمية ومحلية بهدف صياغة الملامح السياسية للمنطقة وحصة كل من هؤلاء الضواري من ثروات حكم المنطقة. هذا من جهة.

من جهة اخرى، ان الحكومة تهدف الى الهروب من المشاكل الداخلية العويصة. اذ ان ادواتها قليلة للرد على هذه المعضلات الداخلية التي يمكن تلخيصها بالتالي: الرد على عواقب كورونا والارتفاع الهائل في معدلات البطالة، عدم استقرار العملة، والضربة الكبيرة التي تلقاها القطاع السياحي الذي يمثل مصدر اساسي للاقتصاد في تركيا، اي باختصار ازمة شاملة تتعرض لها حكومة اردوغان وحزبه وتنامي احتجاجات العمال والجماهير المحرومة والكادحة في تركيا ضدهما.

تسعى حكومة اردوغان القومية الفاشية الى ايجاد لها مكانة في المنطقة بعد ان عجزت عن تحقيق هذه المكانة عبر التقارب مع الغرب. اذ من جهة، فقدت مكانتها الاستراتيجية الخاصة وحضوتها لدى الغرب والتي كانت عليها ابان مرحلة الحرب الباردة وضرورة مجابهة الكتلة السوفيتية، وفشلها في اللعب باوراق وملفات عديدة بهدف الضغط على اوربا ونيل مكانة في الاتحاد الاوربي. من بين هذه الملفات (الضغط والتغريب) هي مواضيع العمالة التركية في دول الاتحاد الاوربي، الهجرة بوصفها اداة وقناة عبور اللاجئين من بلدان اسيا والشرق الاوسط الى اوربا، او عبر زيادة الاستثمارات الاوربية في تركيا، وفشل هذه الاوراق كلها في نيل تركيا مكانة تليق بمطامحها السياسية. لم يبق لها بد من ان تنتزع هذه المكانة عبر تدخلاتها في بلدان "الجنوب"، عبر التوجه المتعاظم لنشر القواعد العسكرية التركية في البلدان، التدخلات الاقليمية والحروب في المنطقة وغيرها.

ان هذه الحملات العسكرية التي تقوم بها حكومة اردوغان ومعها اليوم نظام الجمهورية الاسلامية لاتعني سوى تعريض حياة الجماهير في المنطقة الى مخاطر جدية. على الجماهير التحررية في العالم ادانتها فوراً وممارسة شتى اشكال الضغوطات كي تكف هذه الدول عن التلاعب بحياة جماهير المنطقة ومصيرها، كي تكف دولة اردوغان و"من سايرها وماشاها" عن جعل حياة ملايين الابرياء وقود لمحرقة مصالح حكومة اردوغان وسائر الحكومات القومية والدينية الشوفينية في المنطقة.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015