توما حميد

دلالة عودة ماركس ولينين... دلالات! (حول اقامة تمثال للينين في غرب ألمانيا)

دلالة عودة ماركس ولينين... دلالات!

(حول اقامة تمثال للينين في غرب ألمانيا)


لقد قام الحزب الماركسي- اللينيني الالماني في 20 حزيران 2020، اي بعد اكثر من 30 عام على انهيار جدار برلين، برفع الستار عن تمثال قائد الثورة البلشفية، فلاديمير لينين، أمام مقر هذا الحزب الذي يقع في مدينة غيلسنكيرشن قرب درتموند في غرب ألمانيا. وهو اول تمثال للينين في المانيا الغربية وربما في الغرب بشكل عام.

نعرف جيدا بان ماركس عاد الى الميدان بقوة بعد ازمة الرأسمالية في 2008 وخاصة في الغرب، وكثر الحديث عن نقد ماركس للنظام الرأسمالي، وتعاظم عدد المدافعين عن الماركسية والمتبنين للفكر الماركسي في كل الاوساط. ولكن، بشكل عام، بقى الحوار حول نقد النظام القائم وحل المشاكل التي تواجه البشرية ضمن حدود النظام نفسه، وهو امر بامكان الطبقة الحاكمة تحمله. لقد بقت فكرة الاطاحة بالنظام الراسمالي امر طوباوي، لايمكن تصوره وحتى بقى خارج مساحة الحوار. رغم ان حكمة الماركسية لاتكمن فقط في تحليل سبب عدم قدرة النظام الرأسمالي على خدمة البشرية وتحقيق شعار الثورة البرجوازية المتمثل في الحرية، المساواة والاخوة، بل ايضا في ضرورة قلب هذا النظام واقامة النظام الاشتراكي من خلال الية واحدة وهي ثورة تقودها الطبقة العاملة. الا ان عودة ماركس بعد 2008 لم تتجاوز الى حد كبير طابع النقد. فحتى اكبر منظري الماركسية في الغرب لحد الان لايتحدثون عن الثورة. ففي الوقت الذي يدعو ديفيد هارفي مثلا بشكل صريح الى الوقوف بالضد من اي محاولة للاطاحة بالنظام الرأسمالي، يتفادى ريشارد وولف الحديث عن الثورة لسبب ما، ويركز على اقامة التعاونيات العمالية ضمن حدود وقوانين هذا النظام من اجل جعل التعاونيات العمالية الاقتصاد السائد، اي التغيير التدريجي التطوري. لسبب ما، ربما لتفادي التعرض للنبذ لايجد الوقت ملائما حتى للحديث عن الثورة.

ان عودة لينين الى المشهد تزود الماركسية باسنان وتنقلها الى مرحلة اخرى وتجعلها تتجاوز النقد وتحليل الواقع الى مرحلة العمل على تغيير هذ الواقع من خلال الثورة الاشتراكية.

فاللينينية هي تعبير صريح عن استحالة اي امكانية لاصلاح النظام الرأسمالي بشكل جذري وتعلن ان الحل الوحيد امام البشرية من اجل انهاء الحرب، والفقر والحرمان وعدم المساواة والتمييز والاضطهاد القومي والان التغير المناخي والف مصيبة ومصيبة اخرى تواجة البشرية هو من خلال انهاء هذا العالم المقلوب، عالم الرأسمالية.

لقد اثبت لينين بان التغير لايتم من خلال عملية تدريجية- تطورية، بل من خلال ثورة تقودها الطبقة العاملة. فالثورة الاشتراكية التي قادها لينين في روسيا، رغم فشلها في العشرينيات من القرن العشرين بصعود التيار القومي في روسيا واختزالها الى رأسمالية الدولة، لم تحقق انجازات اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة لجماهيرالاتحاد السوفيتي والدول التي دارت في فلكه فحسب، بل حتى قيام "دولة الرفاة" في الغرب يدين في جزء منه الى الثورة التي قادها لينين.

لقد اثبت لينين لاول مرة، من خلال ثورة اكتوبر، بان ليس بامكان الطبقة العاملة كطبقة غير مالكة الامساك بالسلطة كما حصل في كومونة باريس فحسب، بل ايضا الاحتفاظ بالسلطة. لم تهزم تجربة العمال في الاتحاد السوفيتي امام هجمات العدو الطبقي من اشعال الحرب الاهلية وهجوم اربع عشرة جيشا جرارا بل فشلت بسبب

عدم تثوير الاقتصاد واقامة الاقتصاد الاشتراكي.

لقد علمنا لينين بان الطبقات الحاكمة في المجتعات الطبقية لاتسلم السلطة ومصادر القوة بدون مقاومة. لقد علمنا لينين وعلمتنا ثورة اكتوبر، بعكس التصوير البرجوازي، بان الثورة هي ليست سبب العنف، بل هي مقاومة الطبقة الحاكمة ضد نضال الجماهير من اجل العدالة الاجتماعية وضد الثورة هي التي تولد العنف. اذ ما مكن لينين من تحويل الثورة البرجوازية ضد القيصرية في يناير 1917 االى ثورة اشتراكية في اكتوبر 1917 هي وقوفه بشدة ضد مشاركة روسيا في حرب العالمية الاولى. لقد كانت ثورة اكتوبر ثورة ضد الحرب وكانت ثورة بدون اراقة دماء، ولكن ثورة اكتوبر تحولت الى ثورة عنيفة من خلال فرض الحرب الاهلية عليها من قبل البرجوازية المحلية، وبدعم من القوى الراسمالية العالمية في حينها ونتيجة لغزو همجي من قبل الدول الرأسمالية المتطورة الذي تبعه اكبر حصار يفرض على مجتمع بشري على مر التاريخ.

رغم اتهام البرجوازية للينين بللجوء الى العنف والقتل والاضطهاد، الا انه من الصعب نسيان ان ثورة اكتوبر كانت سببا في تحرير عشرات البلدان في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية من استعمار الدول الرأسمالية وعنفها الهمجي الذي لايزال يطبع حياة الكثير من تلك المجتمعات بطابعه. بعكس زعم البرجوازية، التاريخ الواقعي لثورة اكتوبر يؤكد بان لينين لم يقد الحزب البلشفي والحكم بعد الثورة من خلال الدكتاتورية الفردية، بل كان اكثر ديمقراطية من جميع قادة البرجوازية في عصره. كما تتهم الدعاية البرجوازية لينين في التسبب في مجاعة بعد ثورة اكتوبر، في حين ان الحرب الاهلية والغزو الخارجي والحصار هي التي ادت الى المجاعة وعبقرية لينين هي التي انقذت الملايين من خطر الموت جوعا بعد سنوات قليلة.

لقد اثبت لينين من خلال قيادته للنضال قبل وخلال السنوات القليلة التي عاشها بعد الثورة براعة تكتيكية هائلة تثبت بان القيام بثورة ناجحة هو شئ مختلف جدا عن التغني بالثورة وبالعدالة الاجتماعية والطبقة العاملة والايدولوجية الماركسية.

رغم كل دعايات البرجوازية ضد لينين واللينينية وثورة اكتوبر، الا ان البشرية عندما تريد الخروج من المازق الذي حشرت فيه بسبب النظام الرأسمالي تنظر الى نقد ماركس للنظام الراسمالي والى ممارسة لينين من خلال ثورة اكتوبر كدرس يمكن الاستفادة منه. لن يحكم التاريخ على لينين وثورة اكتوبر من منظور البرجوازية، فالتاريخ البشري هو غير التاريخ الذي كتبته البرجوازية. ان الرواية البرجوازية التي تصور الستالينية التي هي ممثل للتيار القومي الروسي كادامة للينينية بدأت تصدأ.

لقد دخل لينين التاريخ باعتباره قائد للنموذج الاكثر تجسيدا في بداية القرن العشرين للايدولوجية الماركسية التحررية.


هناك حكمة في ان يتم نصب تمثال لينين والاحتفال به في وقت يتم فيه ازالة ثماتيل رموز الاضطهاد الطبقي. اذا كانت عودة ماركس هي دلالة البحث عن البديل، تعني عودة لينين البحث عن سبل تحقيق هذا البديل.

ان نصب تمثال للينين في المانيا الغربية يتعدى الرمزية، بل هو دلالة على بدء البشرية بالخروج من تحت جبال من الاوهام والزيف التي بثته البرجوازية في العقود الماضية . عاشت ايدي المناضلين في الحزب الماركسي-اللينيني الالماني على هذه الخطوة الجريئة. فزعيق الاعلام البرحوازي حول كون هذا الحزب منظمة صغيرة لن ينال من اهمية هذا العمل الذي سيسجله التاريخ لصالح هذا الحزب.

مقالات