فارس محمود

حتى لانقع فريسة الوهم مرة اخرى...!! (حول اعتقال اعضاء من مليشيا حزب الله)

حتى لانقع فريسة الوهم مرة اخرى...!!

(حول اعتقال اعضاء من مليشيا حزب الله)

لقد هلل الكثيرون لما قام به رئيس الوزراء الكاظمي بـ"الحملة" على مليشيا حزب الله واعتقال بعض من قواهم المسلحة. لم يبق الامر عند هذا الحد، بل عدوا الامر "بشارة عراق جديد"، و" بدء عهد جديد
ألعودة بالعراق الى مايفترض ان يكون عليه، دولة تضع حد للاستهتار والانفلات المليشياتي وعصابات الجريمة المنظمة" و"تتمتع بحكم القانون" و"ذات قبضة قوية". اذها هو عراق جديد يبنى بسواعد وفوهات بنادق رجالات الكاظمي والساعدي وغيرهم من ضباط امن ومخابرات وعمليات عسكرية!

ان هذا الفرح والغبطة ومايسمى بـ"الوقوف خلف ظهر الكاظمي" يعكسان حجم غضب الاغلبية الساحقة للجماهير من مليشيات الاسلام السياسي التي استهترت وعاثت فساداً الى ابعد الحدود. مليشيات اغترت كثيراً ولم يعد يمكن الحديث معها بالاخص بعد دحر داعش وتحرير الموصل. لقد ذاقت الجماهير الامرين على ايدي هذه العصابات المليشيات التي لم يبقى اي شيء قذر لم تقم به: من اغتيالات الاطباء، الاساتذة الجامعيين، الكفاءات العلمية، ومجازرها في المناطق الغربية وصولاً الى دورها المباشر باعمال القتل والاغتيال والخطف لمتظاهري تشرين والجريمة المنظمة بحق كل صوت مدني، داعي للحرية والمساواة او حتى معارض لوجود المليشيات الموالية لايران، ناهيك عن النهب والفساد وتجارة المخدرات، المكاتب الاقتصادية والاستئثار بثروات المجتمع والهيمنة والتحكم بكل شؤونه.

ان تزاح مثل هذه القوى ويفرض عليها التراجع على ايدي اي كان هو مبعث فرح كل انسان يتطلع لمجتمع يتمتع بابسط مقومات مجتمع عادي ومتعارف ذو قوانين وحقوق معروفة ومحددة يعرف المواطن فيه حدود حقه وحق الاخرين، مجتمع فيه حد ادنى من الضوابط السياسية والاجتماعية. ان تهليل الجماهير لخطوة الكاظمي هذه هو امر يمكن ادراكه وفهمه، بل وحتى التعاطف معه.

بيد ان خطوة الكاظمي ليست من اجل ان ينعم الناس بحقوق وحريات اكثر ورفاه اكبر. انها خطوة ضمن مسلسل صراع اجندات ليست محلية فحسب، بل اقليمية وعالمية. لقد تم فرض الكاظمي في سياق سياسي معين: ميل التوازن السياسي في الصراع الامريكي-الايراني لصالح امريكا في هذه المرحلة. بالاخص مع تعاظم العواقب الاقتصادية والسياسية للحصار الجائر على ايران، اغتيال سليماني والمهندس، واهمها تعفر وجه المليشيات "الولائية" على ايدي شباب انتفاضة تشرين وتصاعد المد المعادي لنظام الجمهورية الاسلامية. في هذا السياق والتوازن، اجبر "التيار الولائي" على الرضوخ لاستلام الكاظمي مقاليد رئاسة الوزراء!

ولهذا، فان هذه الحملة لا يمكن فهمها الا في هذا السياق، سياق تقليم اظافر المليشيات الولائية وكل جبهة موالاة ايران في السلطة الحاكمة في العراق. اذ ان حذف هذه القوى المليشياتية الولائية من الساحة السياسية عبر القمع والعنف هو امر غير

ممكن. اذ ان نتيجة هذا الصراع مرهون بالدرجة الاولى بنتيجة الصراع الاقليمي-العالمي الاكبر، الصراع الامريكي-الايراني وما تترتب عليه من تفاهمات، املاءات، لوي اذرعة، "تقاسم الكعكة" وغيرها. ان القوة الوحيدة القادرة فعلاً على ازاحة هذه المليشيات والسلطة الحاكمة بمجمل قواها هي الارادة الموحدة والواعية لجماهير العراق وليس غيرها.

ولغرض اشاعة الوهم الجماهيري بهذه الخطوة، وتعكزاً على غضب وسخط الناس ايضاً، زامن الكاظمي هذه الخطوة باجراءات ادارية على الصعيد الحكومي تتعلق بـ"محاربة الفساد" من مثل التقليص الحاد لرواتب رفحاء والغائها بالنسبة للكثيرين، قطع الرواتب المزدوجة، بالاضافة الى حملة للسيطرة على المنافذ الحدودية التي تشهد فساد رهيب تمارسه المليشيات الولائية بالدرجة الاولى واحالة بعض المسؤولين الى هيئة النزاهة واجراء تغييرات على مسؤولي هيئات حكومية.

ليس الكاظمي "منقذ" الجماهير. انه وجه اخر للعملة ذاتها. انه جناح من بين اجنحة السلطة الحاكمة اشترك في مراحل كثيرة مع الجناح "الولائي" في رمي جماهير العراق بنفق مظلم لازال ممتداً ومتواصلاً من 2003 ولحد الان.

ان عقد آلامال على الكاظمي والتطلع له بوصفه "المخلّص" و"المنقذ" لايتعدى ان يكون وهماً ستدفع الجماهير ثمنه عاجلاً. اذ انه ابن المنظومة السياسية، منظومة فرض الجوع والفقر والبطالة وانعدام الخدمات، منظومة السير وفق قرارات المنظمات المالية الدولية من مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واملائاتهما بسياسات "شد الاحزمة" والتقشف وايقاف التعيينات، والبطالة وتخلي الدولة عن اي مسؤولية اجتماعية تجاه المواطن ومعيشته.

كما انه ابن المنظومة الامنية للطبقة البرجوازية الحاكمة، بل قل المنظومة القمعية، امن وجيش ومخابرات وسوات وحرس وطني وسائر الاجهزة القمعية والتجسسية التي اياديها مخضبة بدماء الابرياء من جهة، وهدفها ودورها هو "اسكات" العامل والكادح ودعاة الحرية والمساواة بالنار والحديد، بقسر قانون الطبقة الحاكمة ومصالحها المناهضة لمصالح الاغلبية الساحقة للجماهير.

ان الكاظمي يبغي من خلال انتصاره على الخزعلي والعامري وامثالهم بالانتصار على عمال المجتمع وكادحية ومحروميه وتقوية قبضته على المجتمع. ورغم الفارق، ان تجربة مصر حية امام اعيننا. لم ينقلب السيسي على الاخوان ومرسي، بل على الثورة والجماهير الثورية، ولم ينتصر على الاولين وانما على الاخيرين. ودفعت ولازالت تدفع جماهير مصر ثمن هذه الاوهام، وهو الدرس الذي ينبغي ان نتعلمه من تجربة امثال الكاظمي، وان يكن باوضاع اخرى وقوى واشكال اخرى.

ان هذا الصراع صراعهم، من اجل اهداف ومصالح هي اهدافهم ومصالحهم، ولكن مايجب ان يكون واضحاً وما لا ينبغي ان تقبل به جماهير العراق هو تحويل امن وامان المجتمع الى ملحق لهذا الصراع. ينبغي الوقوف جدياً بوجه اي مسعى لتعكير امن المحلات والاحياء والمدن المبتلاة اناسها اساسا بوباء كرونا والجوع والفقر والازمة الاقتصادية الخانقة التي فاقمها هذا الوباء.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015