احمد عبد الستار

لنتحدث قليلا عن معاناة ذوي البشرة السمراء في العراق.

احمد عبد الستار

حدثني صديقي لي من ذويي البشرة السمراء، في سنوات الثمانينيات، قائلا لي" اقبل بأي صفة أو لقب يطلق علي مثل اسود او صخل (ماعز) أو ابو الليل...لكنني لا أوافق نهائيا على اطلاق كلمة (عبد) عني". ظلت هذه الكلمات في ذاكرتي وفي بالي طول مدة هذه العقود المنصرمة. لماذا تنسب العبودية للشخص الاسمر البشرة في العراق وحتى في مناطق كثيرة من العالم، وهل أن لون بشرة الانسان السمراء، هي سبب كافي (كما يقول سبينوزا) ليكون "عبدا".

عاد بيّ هذا الموضوع لأتذكر وأتمعن في قضية ذوي البشرة السمراء. عند مشاهدتي للقاء مع احد قادتهم على شاشة قناة الشرقية ليلة امس، وتطرقه الى معاناتهم، من النظرة الدونية اليهم وتهميشهم في المجتمع.

تاريخيا، جيء بالسود الى العراق خلال القرن السابع والثامن الميلادي من عدة مناطق من افريقيا، واشهرها زنجبار أي بلاد السود، ومنها اطلق على السود (زنوج)، وهي ليس كما يطلق على السود في اللغات الاوربية، مثل (nigger) او (Negro) التي يعتقد بأن مصدرها منطقة نيجريا الحالية. جيء بالسود لجعلهم عمال سخرة في اصلاح الاراضي (الموات) في البصرة وجنوب العراق في ذاك الزمن، دون أجر سوى ما يقدم لهم من طعام (السويق) وهو تمر معجون مع طحين، مورست بحقهم ابشع صور العبودية والاذلال، ولا ننسى رد فعلهم المعروف تاريخيا بثورة الزنج وما عرف بخراب البصرة، والمواجهات العنيفة بينهم وبين السلطة العباسية في القرن التاسع الميلادي، حتى هزيمتهم على يد الموفق أبن المتوكل.

والظاهر، إن هذه الصورة لذوي البشرة السمراء على إنهم "عبيد" منذ ما كانوا يعملون إجراء سخرة في الاراضي والاعمال الاخرى، ظلت باقية في الموروث الاجتماعي الشعبي، على امتداد قرون طويلة من تاريخ العراق، واقتران العبودية ولفظة "عبد" بالإنسان الاسمر، تطلعانا في أحاديثنا مع بعض الناس دون أن يدركوا خلل هذه العبارة وما يختفي خلفها من فكرة مستنكرة.

والنظرة الغريبة للسمر، في المجتمع أدت في أحيان كثيرة لعزلهم وحتى نبذهم في العمل وفي الدراسة... ، وعدم الاقتران معهم، وإن حدث تصاهر معهم يُطلق على مواليدهم (عنتري) أو (مولد). ومن الظرائف في هذا الصدد أذكر حادثة أخرى رواها لي أحد أصدقائي، عن جاره اسمر البشرة، كانت أخته السمراء في علاقة حب مع شاب ابيض البشرة ووسيم، حدثوا اخوها عنها بأنها تلتقي مع هذا الشاب في ركن الشارع، كذب الاخ الموضوع، وفي لقاء من لقاءات العاشقيين المعتادة ذهب أحدهم لأخيها ليؤكد له الحقيقة بأن يرى هو بنفسه اخته تقف مع حبيبها، من باب المزاح الثقيل، خرج الاخ من البيت وفعلا تطلع الى اخته تقف

مع حبيبها الابيض، رد على اصدقاءه قائلا " أي ولكم ميخالف هذا ابيض حلو".

في الاعوام التي تلت 2003، شهدت منطقة البصرة، باعتبارها المدينة التي تحتضن اكبر عدد من ذوي البشرة السمراء، البالغ عددهم بين 400000 الى 500000 الف في عموم العراق، تأسيس " جمعية أنصار الحرية الإنسانية" وهي "حركة مدنية علمانية خاصة بالسود تحذو حذو حركة الحقوق المدنية الأمريكية لإحقاق العدالة والمساواة ورفع التمييز العنصري، والاعتراف بوجودهم وحقوقهم كأقلية والخوض في المضمار السياسي" تزعمها جلال ذياب الذي اغتيل على يد المليشيات المسلحة، عام 2013، وهي حركة شبيه الى حد ما بحركة مارتن لوثر كنج في امريكا، وحتى ذياب اطلق عليه لقب مارتن لوثر البصرة، هذه الحركات مدنية، لا تتعدى المطالب الشكلية دون الخوض في اسباب التفاوت هذا واستئصال شأفته من الاساس. منذ ظهور مثل هذه الحركات في مناطق كثيرة من العالم، لم يتغير شيء جوهري في حياة السمر في كل مكان. وما نراه من انتهاك لحياة السود في امريكا وقضية خنق (فلويد) هي خير دليل على ما نقول.  

يقول كارل ماركس " الزنجي هو زنجي، لكن هناك علاقات اجتماعية تجعل منه عبد"، ولتاريخ اوروبا والامريكيتين، سجل مخزي من صيد سكان افريقيا الاصليين وبيعهم الى اصحاب المصانع والحقول على انهم عبيد، وتاريخهم ملوث بالدم وانتهاك حقوق البشر.

النظرة الدونية الى السمر، جاءت على خلفية تاريخية يوم كان يستعبد للعمل المجاني، حتى الموت. عندما كانت وسائل الانتاج متخلفة والانتاجية متأخرة، خلال حلقة من حلقات التطور الصناعي والاقتصادي، والان بلغت الإنتاجية الاجتماعية حدا كافيا لإلغاء ملكية وسائل الانتاج الخاصة، يمكن للبشر أن تنعم بكل انواع الحرية مع تحرير هذه الوسائل من التملك الخاص، وجعلها ملكية لعموم المجتمع، بلا أي نوع من انواع العبودية القديمة وما ترتب عليها من افكار، وتحرر العامل من عبودية العمل المأجور. ولا رقيق ابيض ولا اسود.

مقالات