توما حميد

العنصرية في ظل الرأسمالية!

 

(1-2)

توما حميد

المقدمة

لقد اثبت العلم، بشكل لا لبس فيه، تفاهة تبرير الظاهرة العنصرية ، باعتبارها التمييز بين الناس على أساس أن بعض الخصائص الموروثة تجعلهم أقل شأنا من مضطهديهم، من خلال الفروقات الجينية. اذ على الرغم من الاختلافات الفيزيائية الواضحة مثل لون البشرة وطول القامة والخ، لايوجد على المستوى الجيني اختلافات جوهرية بين البشر يمكن من خلالها تبرير العنصرية، بل حتى فصل البشر الى مجموعات مختلفة. اذ لايمكن، من الناحية الجينية، تقسيم البشر الى اعراق. فالاختلافات الجينية بين الافارقة انفسهم مثلا هي اكثر من الاختلافات بين الافارقة والاوربيين. كما ان اكثر من 85% من الاختلافات الجينية موجودة في كل مكان وبين كل "الاعراق". من جهة اخرى، ليس هناك اساس جيني يجعل الانسان عنصري، واستنادا الى المشاهدات التاريخية، ليست العنصرية جزءًا من الطبيعة البشرية، و أفضل دليل على ذلك هو أن العنصرية لم تكن موجودة في معظم تاريخ الجنس البشري.

لقد استخدمت الانظمة الطبقية كل اشكال الهرميات، بما فيها العنصرية، اي تقسيم البشر على اساس العرق، من اجل ادامة الاستغلال. رغم ان استعباد الاجانب و القمع والتمييز ضدهم في المجتمعات ما قبل الرأسمالية كان بشكل اساسي على اساس الدين ومعيار البربري- المتحضر، والنصر والخسارة في الحروب، الا ان القمع والتمييزعلى اساس العرق كان موجودا. اي ان العنصرية، هي ليست من اختراع الرأسمالية، كما يدعي الكثير من الماركسيين.

ولكن العوامل الثقافية والايديولوجية التي بررت نظرة امبراطوريات مجتمعات العبودية في العصور القديمة الى الاجانب على انهم اقل شأنا، وبالتالي، بررت حروب وغزوات ضد الشعوب التي اعتبرت اقل تقدما لا تفسر مفاهيم العنصرية في العصر الرأسمالي. فالعنصرية في العصر الرأسمالي هي ظاهرة حديثة.

لقد قامت الرأسمالية خاصة في بداية بزوغها بترسيخ مفاهيم "العرق" و "العنصرية" واعطائها معناها الحديث وترسيخها في الكثير من الاحيان في القوانين، وجعلها جزءاً من الأيديولوجية السائدة والدائمية للمجتمع. حولت الرأسمالية العنصرية الى ايدولوجية وظاهرة مؤسساتية لتبرير قمع واستغلال الغالبية العظمى من البشر، وخاصة ذوي البشرة غير البيضاء. ليست العنصرية مسالة عرضية بالنسبة للرأسمالية، بل برزت الرأسمالية كنظام يستند الى العنصرية. وكانت العنصرية واحدة من أليات سيادة الرأسمالي منذ البدايات الاولى للرأسمالية.

بدأت نشوء الراسمالية و عملية تراكم البدائي للرأسمال عبر السيطرة من خلال القوة

على مصادر الثروة من ارض وماء ووقود، اي انتزاع الملكية وخلق قوة عاملة رخيصة في الدول الاوربية وانتزاع الملكية من السكان الاصليين في "العالم الجديد"، اي المستعمرات مثل امريكا واستراليا واستخدام عمل العبيد. ورافق بروز الرأسمالية نشوء الدولة القومية، واشتداد الاستعمار وتجارة العبيد من افريقيا. لقد ادت كل هذه الظواهر الى نمو الفكر العنصري والعنصرية والتمييز لا على اساس الدين والتقافة ومستوى التطور فحسب، بل على اساس العرق ايضا، بشكل قوي. ادت تجارة الرقيق من افريقيا بالذات و الاستعمار ومصادرة اراضي السكان الاصليين الى ظهور العنصرية كايدولوجيا لتبرير هذه الظواهر التي رافقها عنف وحشي.

وكان لتجارة العبيد والعبودية بالذات، من بين كل الظواهر الاخرى، دور اكبر في بروز العنصرية. العبودية كانت موجودة منذ اكثر من 1100 سنة ومورست داخل اوربا نفسها ضد اليهود والغجر ومجموعات سكانية اخرى، ولكن كان استخدام الرأسمالية المبكر للعبيد من السود لتزويد مزارع "العالم الجديد" بالعمال حدث هام في نشوء الرأسمالية، واصبح سبب رئيسي في بروز العنصرية وتحولها الى ايديولوجية راسخة، واسهم في جعل نظريات "العنصرية العلمية" اكثر تطورا وتكاملا. لعبت الدول القومية دورا حاسما في الجمع بين العنصرية و نمط الانتاج الراسمالي لزيادة الاستغلال.

لقد كانت وحشية تجارة الرقيق من افريقيا مروعة للكثير من الناس ومعارضة لكل مفاهيم الانسان، لذلك دفع الرأسماليون وممثليهم بالعنصرية كايدولوجية لتبرير تلك الفظائع والمعاملة المروعة للسود، بعد تقسيم البشرية الى اعراق ووضع الافارقة في ادنى السلم، في وقت حدث فيه اكبر تراكم للثروة المادية التي شهدها العالم حتى ذلك الحين. وهكذا، لقد برزت العنصرية كايديولوجيا لتبرير واحدة من اكبر الجرائم في تاريخ البشرية، اي تجارة العبيد من السود، والتي كانت ركيزة اساسية لعملية التراكم البدائي، حيث تم استعباد الملايين للعمل في مزارع امريكا وجزر البحر الكاريبي.

واتخذت العنصرية ايضا كمبرر ايديولوجي لتبرير الهيمنة الغربية والاستعمارعلى بقية العالم، وادت الى بروز مفاهيم مثل "عبئ الرجل الابيض".

و قد اشتدت العنصرية ومحاولات تفسيرها علميا واثبات ان للاوربيين الحق في حكم الافارقة والاسيويين مع وصول الاستعمار الغربي الى ذروته في أواخر القرن التاسع عشر "التدافع لأفريقيا" وأجزاء من آسيا والمحيط الهادئ الذي تزامن مع صعود القومية في اوربا. ووصلت العنصرية الذروة في القرن العشرين مع وصول أنظمة عنصرية الى الحكم مثل المانيا النازية وتشديد القوانين العنصرية ( قوانين جيم كرو) في الجنوب الأمريكي التي دعمت العنصرية البيولوجية والعنصرية المستندة على الاصول الثقافية من خلال القانون.

ولكن تراجعت العنصرية بعد سقوط النازية وتبني الاعلان العالمي لحقوق الانسان في 1948، والالغاء التدريجي للقوانين العنصرية في الجنوب الامريكي. لكن بقت العنصرية في هذه المجتمعات حية حتى دون الدعم الكامل والصريح من الدولة والقانون، ولم تعد العنصرية تتطلب أيديولوجيا تتمحور حول مفهوم عدم المساواة البيولوجية. تعيد الرأسمالية انتاج العنصرية ويستمر التمييز من قبل المؤسسات والأفراد ضد أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم مختلفون عنصريًا. و لعبت سياسات صدام الحضارات والتعدد الثقافي والثقافة النسبية التي برزت بعد انهيار الكتلة الشرقية الى تقوية العنصرية وتشجيع التمييز ضد المهاجرين في العديد من البلدان الغربية على اساس "الاختلافات الثقافية" ولون البشرة.

يتبع.....

مقالات