فارس محمود

بصدد الارضية السياسية والاجتماعية لتأسيس الحزب! (حوار الى الامام مع فارس محمود) (1-2)

 

الى الامام: تأسس الحزب الشيوعي العمالي في 21 تموز 1993. ثمة امر يلفت الانتباه نوعاً ما الا وهو ان تكون كردستان العراق هو مركز هذا التأسيس و مكان تواجد قوى الحزب وكوادره في حينها. الكثيرون يتسائلون: لماذا في كردستان؟ ماهي العوامل والارضية السياسية والاجتماعية لبزوغ الحركة الشيوعية العمالية هناك؟

فارس محمود: ظهرت بوادر حركة اليسار في اواخر سبعينيات القرن المنصرم من رحم الحركة القومية الكردية، اي الجناح اليساري لها، وقد كانت اقسام من الحركة القومية الكردية تعتبر نفسها ماركسية وماوية تحديداً، نظراً لكون هذه الاقسام كانت ترى ان هناك شبه بين طبيعة مجتمع كردستان وطبيعة المجتمع الذي هو منشأ الماوية، الصين من حيث عدم سيادة الطبيعة الصناعية للمجتمع، فلاحية المجتمع بمعنى ما، وكون النضال المسلح هو السبيل الاساسي لنضال الحركة القومية الكردية وجناحها اليساري.

جرت تطورات على ذلك اليسار وحلقاته ومحافله في ذلك الوقت، بيد ان التطورات الاكثر اهمية التي طرأت عليه هي تلك التي قدمت من ايران والقوى اليسارية في ايران في مرحلة ما بعد الثورة. اذ ظهرت "الماركسية الثورية" كتيار سياسي وفكري مقتدر يتبنى الماركسية الارثوذكسية، ماركسية منتقدة للشعبوية وللتيارات الاشتراكية العالمية السائدة في حينها، وبالاخص الروسية والماوية والالبانية والتروتسكية وغيرها. ولقد كان نقداً ينطلق من زاوية الاصالة الماركسية، اي فكري محض. ترك هذا التيار تأثير كبير على اليسار في كردستان ايران والعراق وقد ظهر هذا التأثير على شكل نسف مفاهيم ومقولات سابقة، واحلال اخرى "اكثر راديكالية"، حدثت جدالات عديدة واختلافات، وطرأت ازمات سياسية فكرية، انشقاقات و ظهرت في الوقت ذاته حلقات ومحافل جديدة بناءاً على نتائج تلك الانتقادات.

وقد لعب هذا التيار، بابحاثه وموضوعاته الاولى، والتي صاغها بالاساس منصور حكمت، وبالاخص "اسطورة البرجوازية الوطنية" دوراً في تطور ملامح اليسار في العراق صوب صّيغ ذات اصالة فكرية ماركسية.

من الناحية الاجتماعية، ظهرت الطبقة العاملة في كردستان بوصفها طبقة ذا حضور اجتماعي واضح وتنامى ثقلها، وتنامي ثقلها الاجتماعي. اي انتقال كردستان من مرحلة مجتمع تقليدي، بمزيج من علاقات انتاج رأسمالية وما قبل رأسمالية، الى مجتمع مديني وحضري. وبالاخص اثر الاصلاح الزراعي الذي جرى في سبعينات القرن المنصرم، وما تبعه من حملة نزوح واسعة من القرى للمدن. من جهة اخرى ساهمت سياسات النظام القومي البعثي بالتهجير القسري للقرى بهدف ضرب القوى القومية الكردية المسلحة المتواجدة هناك ومحاصرتها، ونقل سكان القرى الى اطراف المدن، الى توسع المدن، وحدوث تطور كمي ونوعي للطبقة العاملة.

بعد هذه المرحلة، توطدت صلات هذا اليسار بشكل مكثف وسريع بالقوى التي تتبنى

خط الماركسية الثورية، والحزب الشيوعي الايراني والشيوعية العمالية ومنصور حكمت تحديداً في الثمانينات. ولكن المنعطف الاهم الذي تركته الشيوعية العمالية ومنصور حكمت حدث بعد اجتياح العراق للكويت في 1991 واوضاع حرب الخليج والانتفاضة الجماهيرية وظهور منظمات وحلقات شيوعية عمالية كثيرة لعبت دوراً بارزاً في انتفاضة اذار وبالاخص تشكيل حركة المجالس العمالية والجماهيرية في كردستان العراق.

الى الامام: سناتي لاحقاً على التطورات الجارية للشيوعية العمالية في كردستان، ولكن على صعيد العراق، كيف نشأت حركة الشيوعية العمالية وكيف تطورت...؟

فارس محمود: في وسط وجنوب العراق، تمت العملية بشكل اخر يختلف كلياً. ان كان تطور اليسار في كردستان قد جرى في سياق التاثيرات التي تركها اليسار في ايران، وتحديداً منصور حكمت، فان هذا التيار والميل قد تبلور باثر واضح من اليسار في كردستان، وتحديداً، منظمة التيار الشيوعي في المرحلة الاولى، وبعدها منظمة "اتحاد نضال الشيوعية العمالية" بشكل اوسع واوثق صلة.

في وسط وجنوب العراق، كان للحزب الشيوعي العراقي والشيوعية الرسمية السوفيتية الحضور السائد والمهيمن على الحركة الشيوعية لعقود مديدة، وتعرفت الشيوعية بهما حصراً. اذ كانت حتى الشيوعية المنتقدة لها مثل القيادة المركزية او الجماعات المنشقة منها، تنتمي ايضاً الى التقليد السياسي ذاته.

في اواخر الثمانينات، كان للاوضاع العالمية تاثير كبير على الشيوعية وعلى كل من تبنى الماركسية، باي شكل او فهم، كتيار فكري وسياسي له. لقد كان لتفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية دور جدي بحدوث تشوش وتيه وبلبلة فكرية وسياسية كبيرةعلى ناشطي هذا التيار. لقد كان بمثابة دوامة عصفت بالكثير من البديهيات والمسلمات. كانت هناك اشكال نقد واسعة للحزب الشيوعي العراقي من قبل جماعات انضمت للشيوعية العمالية لاحقا، بيد ان مجمل هذه الانتقادات لم تتعدى ان تكون انتقاداًت "فنية"، "تكتيكية"، "عابرة" وليست جوهرية او تتعلق بمضمون وماهية الشيوعية. اي انتقادات لم تنطلق من موقف حركات اجتماعية وطبقية اخرى، بل تنطلق من انتقادات هامشية من قبيل "الدخول في جبهة مع البعث"، "الجبهة مع القوميين الكرد"، "البيروقراطية"، و"الميول الانتهازية"، "الموقف من الدين" و...الخ.

لقد تزامن حدوث عمليتان في ان واحد: من جهة وجود تيه ودوامة وشكوك واسئلة تستلزم ردود حول تفكك الاتحاد السوفيتي الذي كان ينظر له باعتباره "دولة اشتراكية"، ومن جهة اخرى ظهور شيوعية جديدة ومتمايزة بالدرجة الاولى من الناحية الفكرية، تلك هي الشيوعية العمالية. لقد وجد هذا الطيف المنتقد ردود على اسئلته، فكان الانتقال للشيوعية العمالية، بالفهم البسيط والخام بعض الاحيان، سريعاً وقوياً. تلقف هذا الطيف تلك الابحاث ودب النشاط والحماس المنقطع النظير في صفوفه في اغلب مدن وسط وجنوب العراق، وغدا، باشهر قليلة، اسم منصور حكمت، كعلامة بارزة لظهور شيوعية جديدة ثورية متماسكة من الناحية الفكرية والسياسية.

تشكلت "منظمة عصبة تحرير الطبقة العاملة" في تموز 1992 امتداداً لمساعي بلورة تنظيم شيوعي عمالي في وسط وجنوب العراق، وتبنت "حركة النضال الشيوعي" المتواجدة في الناصرية والبصرة والعمارة على ما اتذكر الشيوعية العمالية كنهج لها، واتسعت بشكل كبير هناك، وساهمتا بشكل جدي في اتساع الشيوعية العمالية، وبالتالي، ظهرتا في خضم عملية تأسيس الحزب كعماد لقوى الحزب في تلك المناطق.

الى الامام: لنعد مرة اخرى الى التطورات الجارية في كردستان على صعيد اليسار ابان الانتفاضة ومابعدها، ماهي الشواخص العامة لهذه التطورات؟

فارس محمود: لقد شارك اليسار ومنظماته وحلقاته، وهذه المرة بتبني راسخ لطروحات منصور حكمت، بفعالية ونشاط في التحضير للانتفاضة، وبالاخص مهاجمة مقرات النظام الفاشي البعثي واجهزته الامنية، وبالتالي، طرد قوى النظام من كردستان. اما الخطوة الاهم، فتتمثل بالمساهمة الدؤوبة بتأسيس الحركة المجالسية في كردستان، في المعامل والمصانع والمجالس الجماهيرية، وقد كان للمجالس حضور اجتماعي مؤثر. وقد ساهم كوادر الحزب الشيوعي الايراني في حينها و بشكل نشط ومؤثر في هذه الحركات الجماهيرية الواسعة، وبالاخص استناداً الى خبرتهم العريضة في تشكيل المجالس ابان الثورة التي اطاحت بالشاه في ايران.

لقد شهدنا في هذه المرحلة درجة من توثق الصلة مابين اليسار والمجتمع. اذ ابتعد اليسار كثيراً عن مرحلة حلقات دراسية فكرية معزولة وهامشية. حيث انهمك مع المجتمع، رغم محدودياته السياسية والاجتماعية في وضع وتطورات هائلة وكبيرة، اذ كان له دور كبير في تنظيم العمال الطليعيين في المعامل ودعم والمساهمة في النضالات العمالية، ارساء حركة العاطلين عن العمل وتشكيل فروعها ومكاتبها، وتشكيل جمعية المشردين في كردستان، مساهمة خاصة بدفع نضالات المرأة والوقوف بوجه ممارسات الاحزاب القومية الكردية التي اتت للسلطة، والتي سعت لاخافة وارعاب المجتمع عبر الحلقة الاضعف، وهي حملة اغتيال النساء بحجة "العمالة للبعث"، وقد كانت حملة واسعة وشرسة راح ضحيتها مايقارب 5 الاف امرأة في كردستان، وهم الذي كل تاريخهم هو تاريخ تقبيل اكتاف صدام والحكومات المركزية في العراق والمنطقة.

لقد نظمت القوى اليسارية المجالس في كردستان العراق، وتصدت ببسالة للقوميين الكرد، بيد ان ما كان غائباً عن اذهان القائمين على الحركة المجالسية ، هو ملئ فراغ السلطة، امتلاك الرؤية لافق استلام السلطة السياسية والتحول الى بديل سياسي، افق استلام ادارة المجتمع. ولهذا تلاشت الحركة المجالسية تدريجياً واضمحلت ولم تصمد امام احزاب الحركة القومية الكردية التي تعرف ماذا تنشد بالضبط، السلطة وادارة المجتمع. ان ضغط حركة اليسار، وفي مقدمتها الحركة المجالسية، كانت بحد بحيث اجبر جلال الطالباني والجبهة الكردستانية الى حياكة الالاعيب والخطط لكي يمتصوا زخمها وهضمها الا انهم فشلوا في ذلك، اذ وجه الطالباني نداءاً لتوحيد قوى اليسار والتقدمية داخل الاتحاد الوطني اولاً، وحين فشل في مسعاه اضطر الى اصدار فتوى ضد منصور حكمت وحركة المجالس.

ورغم نقوصات اليسار وافتقاده للتجربة السياسية والعملية، الا ان اليسار اصبح له حضور جدي ومؤثر على صعيد اجتماعي. وهذا ما خلق الارضية الواقعية ليرتقي اليسار باشكاله التنظيمية وتأسيس الحزب.

الى الامام: تأسس الحزب الشيوعي العمالي في 21 تموز 1993. مما تقدمت به، وضحت الارضية الاجتماعية والسياسية لتأسيس الحزب، ولكن ماهي المسارات العملية التي اتخذتها عملية تاسيس الحزب؟

فارس محمود: ان قضية تأسيس حزب شيوعي عمالي، حزب ماركسي، هي امر قديم في اوساط اليسار. فمنذ ثمانينات القرن المنصرم وحتى الحلقات الاولى لليسار كان تأسيس حزب شيوعي للطبقة العاملة هو هدف لها. بيد ان التصور السائد هو احالة هذا الامر الى ظرف غير معلوم، مجهول، وليس هناك خطة او تصور واضح لذلك.

ولكن، واستناداً الى هذا الدور والتدخل السياسي والاجتماعي والعملي الواسع لليسار، وتحديداً الفصائل المناصرة لخط الشيوعية العمالية، ابان الانتفاضة وبعدها، بعث منصور حكمت في اوائل عام 1992، مقالة داخلية الى جميع المنظمات ، المقالة باسم "مهامنا تجاه اليسار العراقي"، وهي مترجمة ومنشورة على سايت منصور حكمت، وارفق هذه المقالة بمجموعة من الاسئلة وجهها لقادة اليسار العراقي حول موضوعة تأسيس الحزب ومدى امكانية تحقق هذا الامر، والاسلوب العملي لذلك ومكانة المنظمات القائمة. وبحكم وضعية الشيوعية العمالية، طرحت مسألة حول فيما اذا يجب تأسيس حزب او منظمة على صعيد كردستان العراق، نظرا لتواجد القوى اليسارية بكثافة في كردستان العراق ام تنظيم لعموم العراق. خلقت هذه المقالة جدلاً واسعاً حول هذا الامر على صعيد اليسار قاطبة، واصبحت عملية تاسيس الحزب موضوع الساعة.

ولهذا، اقرت، من الناحية المبدئية، كل المنظمات اليسارية بضرورة تأسيس الحزب استناداً الى النقاشات وتأكيدات المنظمات والحلقات، انحسم امر تأسيس الحزب خاصة بعد نشر منصور حكمت مقالاً له في جريدة انترناسيونال العدد الرابع "الشيوعية العمالية في العراق بحاجة الى حزب"!.ولكن بقيت الاسئلة المطروحة هل يؤسس على صعيد العراق ام كردستان فقط؟ والسؤال الثاني باي صيغة يتم التأسيس؟ اتفق الاغلبية على ان الحزب يؤسس على صعيد العراق ولا يقتصر على كردستان فقط. اما مسالة التاسيس فيمكن ان تمر عبر هيئة تحضيرية ومؤتمر تأسيسي للحزب. لكن لم يخلو هذا المسار من مواجهة صعوبات، من قبيل تأجج الصراعات بين منظمات اليسار التي كانت تصر كل منها في حينها على انها اكثر تمثيلاً للشيوعية العمالية من نظيراتها، ودعواها بان تكون لها حصة اكبر في قيادة الحزب.فكانت الصراعات المحفلية من الحدة الى حد كان يمكن ان تتحطم هذه العملية برمتها، وذلك بدءا من لحظة النقاش حول كيفية اقرار المندوبين للمؤتمر، ناهيك عن اختيار اللجنة المركزية المقبلة، اذ ترى كل منظمة نفسها انها اولى بان تكون "دفة القيادة" بايديها. رد منصور حكمت هذه الشخصية العملية المذهلة، على هذا الامر، ادراكا منه من بصعوبة عقد المؤتمر التأسيسي، "ليس شرطاً ان نؤسس الحزب عبر هذه الطريقة، اي المؤتمر بل يمكن لعدد واسع من ناشطي الحركة بتوقيعهم واسمائهم، ان يصدروا بياناً يؤكدون فيه على

توفر ارضية والضرورة الفورية لتأسيس الحزب وتخويل 10 من الكوادر القيادية المعروفة في الحركة لاعلان تأسيس الحزب، ويكونوا هم (مع اضافة اخرين عند الضرورة) اللجنة المركزية للحزب ويقودون الحزب حتى المؤتمر الاول. مع اعلان هؤلاء الرفاق العشرة لتاسيس الحزب، اعلنت المنظمات والحلقات الشيوعية العمالية انهاء وجودها السياسي والتنظيمي وانضمت للحزب.

ومن هناك شرعت مرحلة اخرى من نشاط الحزب، مرحلة لم تخلوا من الصعوبات والصراعات الشللية التي تنبأ بها منصور حكمت.

يتبع

مقالات

فارس محمود

23/11/2015