عواد احمد

في ذكرى تاسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي : مكانة ودور الحزب في الخارطة الاجتماعية والسياسية

 

الحزب الشيوعي العمالي العراقي تنظيم ماركسي ثوري ورديكالي في تاريخ القوى السياسية اليسارية في العراق تأسس في 21 تموز عام 1993 وعقد مؤتمره الاول في مدينة السليمانية في كردستان العراق . ورد في الفقرة الاولى من النظام الداخلي ))الحزب الشيوعي العمالي العراقي : تنظيم ثوري ماركسي شكل من اجل تنظيم و توجيه الطبقة العاملة لانجاز الثورة الشيوعية- )) تكمن اهمية الحزب في انه اعاد الاعتبار من الناحية النظرية لشيوعية ماركس ولينين اي لدور الطبقة العاملة في مقابل احزاب الشيوعية التقليدية الداعية للثورة الديمقراطية والتحرر الوطني .ومن الناحية التاريخية ولد الحزب متاخرا بعض الشيء اذ لم يستطع اليسار العراقي بكل تلاوينه حتى في فترات تسيده الشارع ان يفرز تيارا او حزبا ثوريا يسعى الى التغيير الجذري وذلك بسبب تقاليده غير الثورية والاصلاحية وتبعيته حينها للمحور السوفييتي وتوجهاته لم يخرج من عباءته اي تيار شيوعي ثوري .. هنا تكمن اهمية وجود تيار ثوري عمالي ورديكالي اقصوي يدافع بجرأة وشجاعة عن الدور والمكانة التاريخية للطبقة العاملة ويتبنى قضايا الجماهير الطامحة للحرية والمساواة ويناضل في سبيل تحقيقها .

وهنا نود التأكيد للذين لا يدركون حتى الان لماذا توجد تيارات متعددة في الحركة الشيوعية ذلك لان الاحزاب السياسية في نهاية المطاف تعبير عن الصراع الاجتماعي وهي تمثل مصالح وتصورات الطبقات الاجتماعية المتصارعة عن نفسها ودورها السياسي ومكانتها الاقتصادية الاجتماعية وكل حزب سياسي يساري يمثل ميل معين داخل الطبقة العمالية والجماهير فالحزب الشيوعي العمالي العراقي يمثل الميل الثوري للطبقة العاملة وجماهير الشباب والنساء بينما هناك احزاب اخرى يسارية تمثل الميل الوسطي او المحافظ في الوسط العمالي والجماهيري فالميول السياسية في نهاية الامر تنتج عن طبيعة الصراع الاجتماعي والايديولوجيات السائدة التي تصنع الوعي السياسي البسيط لدى الجماهير تحت تأثير عوامل المصالح وموازين القوى .

بهذا المعنى فان (الشيوعية العمالية ) وفقا للتصور الذي اعطاه منصور حكمت لهذا المفهوم هي تيار سياسي رديكالي يتميز بخصوصيات نظرية وفكرية وهو واحد من التيارات الماركسية الجذرية نشأ في ايران ثم في العراق للتعبير عن الميل الثوري لدى العمال والكادحين والشرائح الاجتماعية المحرومة في حقبة تاريخية محددة كانت فيها الظروف الموضوعية مهيأة لظهور هذا التيار الجذري ، وفي تاريخ الحزب الشيوعي العمالي العراقي مجموعة من مراحل الصعود

والهبوط والتقدم والتراجع املتها وفرضها الظروف الموضوعية والتحديات الكبيرة التي واجهت وتواجه الحزب وهو ما يزال يمثل بديلا رديكاليا وثوريا من الناحية السياسية والنظرية بالرغم من كل ما حصل من منعطفات ومن الضروري الحفاظ عليه وتطويره سياسيا وعمليا .

لقد حاول مؤسسو الحزب الشيوعي العمالي العراقي وضع تصور لطبيعة الحزب ودوره ومكانته في خارطة القوى السياسية المختلفة بالرجوع الى فكرة البيان الشيوعي التي تؤكد على : ((انّ الشيوعيين ليسوا حزبا منفصلا في مواجهة الأحزاب العمالية الاخرى و ليست لهم مصالح منفصلة عن مصالح عموم البروليتاريا. و هم لا يطرحون مبادئ خاصة يريدون قَولَبَة الحركة البروليتارية بقالبها.

إن الشيوعيين لا يتميزون عن الأحزاب البروليتارية الأخرى إلاّ في أنّهم: من ناحية, يُبرزون و يُغلِّبون المصالح المشتركة في الصراعات القومية المختلف للبروليتاريين, بصرف النظر عن تابعية عموم البروليتاريا, و من ناحية أخرى, يمثِّلون دائما مصلحة مُجمل الحركة في مختلف أطوار التطور, التي يمر بها الصراع بين البروليتاريا و البرجوازية. إذن الشيوعيون عمليّا هم الفريق الأكثر حزما من الأحزاب العمالية في جميع البلدان, و الدافع دوما إلى الأمام, و نظريا هم متميزون عن سائر جُموع البروليتاريا, بالتبصّر في وضع الحركة البروليتارية, و في مسيرتها و نتائجها العامّة. والهدف الأول للشيوعيين هو الهدف نفسه لكل الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكّل البروليتاريا في طبقة, إسقاط هيمنة البرجوازية, و استيلاء البروليتاريا عن السّلطة السياسية. ))

وهكذا فان دور الحزب الشيوعي العمالي العراقي باعتباره فصيل اكثر جذرية وحزما من الكثير من فصائل الحركة العمالية وجد ليهدف الى :

توحيد صفوف وفصل وتمييز العمال والجماهير الكادحة عن تاثيرات وضغوط البرجوازية واحزابها وتكوين موقف سياسي مستقل مبني على مصالح الجماهير العمالية وسائر الكادحين والمحرومين .

ان فلسفة وجود الحزب الشيوعي العمالي العراقي تقوم على تنظيم وتوحيد الطبقة العاملة لتحقيق الثورة الشيوعية والوصول الى السلطة السياسية وتاريخ الحزب المليء بالمواقف السياسية والعملية كان شهد محاولات حثيثة للارتقاء بدور الحزب وجعله طرفا مؤثرا في المعادلة السياسية .غير ان امكانية تحقيق هذا الهدف السياسي ليست فقط رهنا بالارادة الفردية او رهنا للافكار النظرية والسياسية بل تقف امامها تحديات واقع موضوعي معقد وملتبس يسود فيه العنف والارهاب والتقسيم الطائفي والاثني للبشر في العراق فقد شكل حاجزا قويا في وجه نمو الحزب واتساعة وتجذره اضافة الى عوامل ذاتية معروفة في مقدمتها امور سياسية وتنظيمية ومالية .

ان اهمية الحزب تكمن في انه لم يبنى على اساس مزاج ورغبة افراد معزولين عن الواقع الاجتماعي بل ولدته الظروف والحاجة الموضوعية لنضال العمال وكل دعاة التحرر والمدنية والمساواة من اجل الوصول الى عالم افضل خال من الاستغلال والتفاوت الطبقي واستثمار الانسان لاخيه الانسان .

ان اهم ما يميز الحزب الشيوعي العمالي العراقي من الناحية السياسية هو الجرأة في عرض المواقف والسياسات من وجهة نظر طبقية وثورية في مجرى الاحداث ولدى الحزب تصورات ورؤى متكاملة حول القومية ، الدين ، وتحرر المرأة ، الاسلام السياسي ، وقضايا اخرى كثيرة فهو لا يجامل ولا يساوم الاحزاب البرجوازية والطبقات المالكة .

ان بإمكان اي عامل شجاع اي انسان مضطهد ومظلوم التمييز بين من يمثل مصالحه وتطلعاته واهدافه في الحرية والمساواة والعيش الكريم وبين القوى الاخرى بمختلف اشكالها من اليسار الى اليمين التي لا تمتلك مواقف حاسمة تجاه مختلف قضايا المجتمع والصراع الطبقي .

وفي التحليل الاخير فأن الحزب الشيوعي العمالي العراقي هو حزب ثوري وجد للتعبير عن مصالح الحركة العمالية والجماهيرية الطامحة للتغيير وخلق عالم اشتراكي فبدون قلب الرأسمالية وتحقيق الثورة الاجتماعية لا يمكن ازالة الكوارث والمصائب الحالية ومعاناة الجماهير في العراق وبقية البلدان ومواجهة الاضطهاد والفقر .

ان مدى نجاح الحزب في تحقيق اهدافه مرهون بخطه السياسي السليم وبرنامجه الواقعي وبالتفاف الجماهير الكادحة حوله ودعمها له ومساهمتها الفعلية في تغيير نمط حياتها بشكل جذري بواسطة الفعل الثوري الجماعي المنظم ولسنا هنا بصدد تهويل عوامل التقدم اوالاخفاق التي واجهها الحزب منذ تاسيسه عام 1993 فالاحزاب عموما تظل رهينة البيئة الاجتماعية والسياسية التي تنشأ وتعمل فيها بما تحويه من امراض اجتماعية ورواسب تقاليد رجعية ليس من السهولة تجاوزها دون ارادة ثورية صلبة وعمل دؤوب يؤدي الى التغيير الذاتي الفردي والجماعي اولا ثم الى التغيير للواقع الموضوعي في سياق حركة تاريخية اجتماعية غاية في الصعوبة والتعقيد .

عواد احمد

16/7/2020



مقالات