فالح مكطوف

التظاهرات بعد انتفاضة أكتوبر (اتجاه واحد له المصلحة في التغيير)

لم تكن الجماهير المنتفضة في أكتوبر ذات أهداف ومطالب واحدة لذا لا يمكن أن ندعو إلى أن تكون كل السلطة لها، هكذا وبهذه السهولة، فهذا الموضوع أقرب إلى الفنتازيا منه إلى الواقع، وأحياناً فأن وصف الأشياء كما هي لا يحمل في ذاته دعوة إلى التقليل من شأنها وانما محاولة لوضع تصور حقيقي عنها، وإن الأحداث التي لا تحمل مضامين ملموسة ولا تدعو لتحقيق أهداف محددة إنما تجري هكذا فقط لتترك ذكرى عظيمة، وهذا الأمر في جزء منه ينطبق على انتفاضة أكتوبر التي جاءت بأهداف عديدة ولكن يمكن تلمس شقين مهمين من تلك الأهداف وممثليها الواقعيين، فمن ضمنها وما يقع في الشق الأول هي أهداف غير محددة ولم تبرز كما برز غيرها من الشعارات مثل شعار (نريد وطن) أو (نازل آخذ حقي) وغيرها من الشعارات التي مثلت الاتجاه الثاني، وربما كان ذلك يعكس الافتقار للتنظيم الذي يسرّع الوصول إلى تحقيقها لدى هذا الاتجاه وربما كان الاعتماد على الجانب العفوي منه أكثر من الجوانب الواعية التي ترسم وتخطط، وكان الركون إلى وسائل التواصل الاجتماعي قد مثل الدور الكبير في تحشيد الثوار الذين عبروا بشجاعة عظيمة عن رفضهم الواقع الذي يعيشون فيه، وفي الشق الثاني وفي الوقت ذاته هنالك أهداف محددة عبر عنها اتجاه ثاني أكثر تنظيما. وإن ما نلمسه من صراع الأهداف في انتفاضة أكتوبر يعكس حقيقة الصراع الخفي والمستتر بين التيارات السائدة في هذه الانتفاضة وكان قد برز هدفان وتياران يستطيع المرء الإشارة إليهما الأول هو التيار الذي يعبر عن هدف التغيير الجذري لكل العملية السياسية وكنسها وإنهاء عمرها وكل ما أتت به من احتلال أمريكي وتواجد إيراني وما تمخض عن ذلك الاحتلال والتواجد من مليشيات وقتل وتقاسم للفساد ومحاصصة وانعدام الأمن والأمان وفرص العمل والضمان الصحي والاجتماعي، وبالتالي فان البديل هو توفير بديل الجماهير التي تحكم نفسها بنفسها، إضافة الاستقرار الاقتصادي والحريات السياسية ومحاكمة القتلة ومصادرة أموال الفاسدين وتوفير فرص العمل أو ضمان البطالة، وهذا الاتجاه تناغم مع تمثيل المصلحة المباشرة لتغير معيشة الناس كمطالب العاطلين عن العمل الذين كان لهم الدور الأكبر في إشعال فتيل الانتفاضة وكذلك من ضمنهم الخريجين وأصحاب الشهادات العليا وعمال العقود والمحاضرين وغيرهم، هذه هي المطالب الواقعية لذلك نرى أن حكومة عبد المهدي سارعت إلى الإعلانات الكاذبة عن إيجاد آلاف الفرص للعاطلين وفي حينها قامت وزارة العمل بإدراج عشرات الآلاف من الأسماء في سجلاتها وأخذ عبد المهدي يطلق الوعود التي تلو الوعود، بغية تهدئة الأمور لتجاوز الأزمة الخانقة ولكن ما يؤسف له، أن هذا الاتجاه لم يكن منظماً بما يكفي، بل كان يعتمد العفوية في مناهضة السلطة كما أنه لم يقدم


لائحة من الأهداف وبالتالي كان يقوم بدور الساند إلى الاتجاه الثاني وإن كان لا يعي ذلك.

وكانت هذه المطالب الواقعية التي تهم مصالح الجماهير تصارع المطالب (الفوقية) لتيار البرجوازية الصغيرة، التي لا تهتم بتحقيق المصالح المطلبية للمنتفضين، لأنها ابتداء تريد بقاء النظام ولكن بشروط محددة، تمثلت بإقالة الحكومة وتعيين رئيس وزراء غير جدلي يمهد إلى انتخابات تشريعية جديدة. وهذا الاتجاه كان منظماً أكثر من الاتجاه الأول وقد مثله التيار الصدري وشقيقه وحليفه الحزب الشيوعي العراقي وكذلك الجماعة المدعومة من حيدر العبادي والحكيم، وأن لم يكن بين هذه المجموعات تنسيق إلا أن الأهداف هي التي تجمعها في النهاية كانت واحدة. وهؤلاء أيضاً من ضمن (الجماهير المنتفضة)

وعموما هؤلاء جميعهم إضافة إلى أطراف بعثية خفية ربما تواجدت ودعمت الانتفاضة كلهم يشكلون اتجاه (قومي محلي) لديه لائحة مطالب بعكس الاتجاه الأول وبالتالي تم احتواء مطالب الاتجاه الأول من أجل ركنها ودون الالتفاف إليها، وقد تغلبت أهداف التيار القومي المحلي ممثل بتلك الأحزاب. وتم إسقاط حكومة عادل عبد المهدي وجاء مصطفى الكاظمي فتنفس هذا الاتجاه المنتفض الصعداء، لذا فإنه لا يرى ضرورة قصوى لاستمرار الانتفاضة التي حققت من وجهة نظره أهدافها وهذا الاتجاه يتعجب ويسأل ماذا يريد الناس وقد تحققت أهداف الانتفاضة. ولكنه يقف محرجاَ أمام استمرار التظاهرات المطلبية للاتجاه الأول ويأتي واقع الإحراج من حقيقة النظر إلى أن أهداف الاتجاه الثاني المتمثلة بإسقاط عادل عبد المهدي ومجيء حكومة جديدة لم تغير من الواقع شيء. والسؤال هو كيف أنها لم تغير من الواقع شيء؟

يكمن الجوب لدى جماهير لها مطالب واقعية جماهير منتفضة ترى ذاتها في استمرار التظاهرات المطلبية بعد مجيء حكومة الكاظمي التي لم تحقق شيء للمحاضرين المجانيين، والأطباء المتخرجين، وخريجي العلوم السياسية، والحاصلين على الشهادات العليا، وموظفي العقود والأجر اليومي الذين استمروا في انتفاضتهم التي لم تحقق أهدافها، هذا السؤال المدوي يلقى بثقله على شرعية الأهداف ويؤكد أن الأهداف التي سعى إلى تحقيقها الطرف الثاني، هي أهداف فوقية حافظت على ذات النظام العاجز الذي لن يمضي إلى حل المطالب الضرورية لهؤلاء المنتفضين. لذا فليس كل من يتظاهر ترفع له القبعة ويحدد الشعارات ونقول له كل السلطة لك، قبل أن نرى جوهر مطالبه وبنيته الطبقية وتحت أي قطب يعمل وأي اتجاه يمثل.

ونحن نرى أنه لا يمكن لنظام يخضع لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن يضع الحلول أو يجيب على متطلبات الجماهير التي فرزت نفسها عن أولئك الذين يبحثون عن انتخابات مبكرة، نعم إن انتفاضة أكتوبر جمعت الكل وبأهداف شتى ولكن المصالح فرقتهم، فقد حقق الاتجاه الثاني كل أمنياته


بحكومة جديدة ولا يهم أن تكون الانتخابات مبكرة أو غير مبكرة، ولكن الاتجاه الأول الذي خرج من انتفاضة أكتوبر خالي والوفاض عليه أن يغادر العفوية التي سببت هزيمة مطالبه وركنها على درج النسيان عليه أن يشرع في انتفاضة جديدة محددة المطالب وربما توفير فرص العمل أو إقرار ضمان البطالة لحين إيجاد تلك الفرصة هو الجواب المؤقت لهذا الاتجاه الذي من مصلحته هو وحده فقط إحداث التغيير

مقالات