توما حميد

العنصرية في ظل الرأسمالية! (2-2 )


العنصرية في وقتنا الحاضر.

كما تحدثنا، تقوم الرأسمالية في الوقت الحاضر بانتاج واعادة انتاج العنصرية، لانها مهمة من اجل التراكم الرأسمالي بحيث ترسخ ارتباط وثيق بين العنصرية والرأسمالية. فالعنصرية في وقتنا الحالي، ليست شئ من "الارث الماضي الاستعماري"، بل هي ضرورة انية لعدة اسباب:

1- تبرر العنصرية انتاج واعادة انتاج جيش احتياطي صناعي "فائض من العاملين" الحياتي لادامة نمط الانتاج الرأسمالي. إن وجود هذه المادة البشرية يسمح للرأس المال بتشغيلها واستغلالها خلال فترات النمو والتخلص، على الاقل من بعضها، في فترة الأزمة. لقد ساعد ابقاء جزء من الطبقة العاملة على هامش المجتمع الرأسمالي على اساس العرق (مثل السود في امريكا والمهاجرين في اوربا) وتحميلها كل الويلات الناتجة عن الازمات الدورية للرأسمال (فهم اول من يُسرح من العمل واخر من يُوظف)، البرجوازية على حماية جزء اخر من الطبقة العاملة التي تبدو مستفيدة من التقسيم الحالي (خاصة الرجال ذوي البشرة البيضاء) من تبعات هذه الازمات الى حد ما، وبالتالي كسب ولائها. اذ يستخدم العمال السود والمهاجرين، والى حد ما النساء في امريكا واوربا، لامتصاص الصدمات التاتجة من الازمات الاقتصادية. يعني هذا تقسيم الطبقة العاملة الى شريحة امنة واخرى غير امنة من تبعات الازمات الاقتصادية.

يعتبر جميع العمال في ظل الرأسمالية مضطهدين ، لكن بعض العمال يواجهون مزيدًا من القمع بسبب التمييز الإضافي مثل العنصرية، التحيز الجنسي ، رهاب المثلية الجنسية ، الأفكار المعادية للمهاجرين وما إلى ذلك. بالمقارنة مع الشرائح الاخرى، أن العمال البيض في المجتمع الغربي مثلا كانوا على الاقل لحد ازمة كوفيد -19 يتلقون بعض المزايا، وهذه المزايا هي مهمة لادامة العنصرية. إذا لم يحصلوا على بعض المزايا - ومعها الوهم بأن النظام يعمل لصالحهم - فعندئذ لن تكون العنصرية فعالة في تقسيم العمال الى عمال بيض وسود وعمال من السكان الاصليين والمهاجرين.

2-كما ان العنصرية مهمة لتشديد الاستغلال على شريحة معينة على اساس العرق و"الاختلافات الثقافية". في عام 2016 ، كان متوسط صافي الثروة للأسر البيضاء من


اصول غير الإسبانية في امريكا 143.600 دولار، بينما كان متوسط صافي الثروة للأسر السوداء 12,920 دولارًا. وتشير الإحصائيات التي لا تعد ولا تحصى إلى أن السود لديهم أكثر الوظائف خطورة وهشاشة، ويتقاضون أجوراً أقل بكثير من العمال البيض حتى لو كانوا يقومون بالعمل ذاته. تمكن العنصرية ارباب العمل من دفع اجور اقل للعمال السود، ورميهم في الشارع عندما تنتفي الحاجة الى خدماتهم اي تكثيف الاستغلالهم.

3- تبرر العنصرية تحويل شريحة من الطبقة العاملة الى كبش فداء مناسب لتفسير البطالة ونقص السكن والرعاية الصحية وكل مشكلة أخرى تثيرها الأزمة الرأسمالية. ان معاداة المهاجرين والسود هي طريقة مفيدة لتحويل الانظار عن المشاكل الحقيقية التي تواجه البشرية في ظل الرأسمالية.

4- استخدمت العنصرية ايضا للتفرقة وشق صف الطبقة العاملة وتقسيمها الى معسكرين "متعاديين": الابيض والاسود، المواطن الاصلي والمهاجر، وتحريض قسم منها ضد القسم الآخر مما يجبرها على تقديم تنازلات والخضوع لإملاءات رأس المال، وبالتالي خفض الاجور والظروف المعيشية للطبقة العاملة ككل. ان زيادة مستويات استغلال العامل الاسود، وخاصة من النساء والعامل المهاجر، يخلق ضغط على كل الطبقة العاملة. إن قدرة أصحاب العمل على استخدام العنصرية لتبرير دفع أجور اقل للعمال السود والمهاجرين يضع ضغط نحو الاسفل على أجور جميع العمال. وبالتالي يرى العامل ذو البشرة البيضاء في العامل الاسود والعاطل عن العمل والمهاجر منافس وعدو يساهم في خفض الاجور ومستوى المعيشة، وهذا العداء هو الذي يساهم في ادامة العنصرية. .

واحيانا يستخدم ارباب العمل في العديد من البلدان الصناعية العمال من مختلف الجنسيات والأعراق ضد بعضهم البعض لكسر الإضرابات، ومهاجمة أجور وظروف جميع العمال، وهي امور تؤدي الى نمو العنصرية حيث تدفع العمال الى لوم زملائهم العمال بدلاً من ارباب العمل.

يلعب الاعلام دور كبيرا في تخليد العنصرية وبالتالي ادامة وتخليد الانشقاق في صفوف الطبقة العاملة والعداوة بين شرائحها المختلفة. اذ يساهم بشكل مكثف وفعال في خلق وعي كاذب، والذي هو انعكاس لايدولوجية الطبقة الحاكمة التي تتستر على حقيقة الواقع المادي وتفسره بشكل سطحي ومخادع واستناداً الى المظاهر والمعلومات السطحية والتي تتفادى اي نقد للنظام نفسه والاستغلال وغياب المساواة. فمثلا ان "العبيد" من السود و معظم موجات المهاجرين لم تاتي عن شكل موجات غزو، بل تم استيرادها نتيجة حاجة الرأسمالي في اوقات النمو الى الايدي العاملة وخاصة الايدي العاملة الرخصية، ولكن هذه الحقيقة تغيب عن الخطاب ويتم التركيز على سرقة المهاجرين لفرص العمل والهجرة غير الشرعية الخ.

من جهة اخرى، تستخدم ظواهر معينة حقيقية عن المهاجرين والامريكيين الافارقة مثل كونهم افقر ويسكنون مساكن واحياء اسوا، ومدارسهم ادنى مستوى، ولديهم نط حياة اقل صحي واعمارهم اقصر لخلق صورة غير صحيحة عنهم مثل كونهم من عرق

ادنى، او كسالى لايحبون العمل او يحبون التخلف، بدلا من البحث في الظروف الموضوعية التي تؤدي بهم الى العيش في ظروف اسوأ .

ويتم التغاضي عن حقيقة ان الحفاظ على مدى هائل من التفاوت في الثروة، والبطالة وغياب برامج الرعاية الاجتماعية وضعف التعليم تؤدي الى نمو الامراض الاجتماعية مثل معدلات عالية من الجريمة والمخدرات والانتحار، وتتطلب قوة بوليسية ضخمة وعنيفة، ويتم التركيز على العنف المتبادل بين الشرطة و السود او المهاجرين.

النضال ضد العنصرية

أن الرأسمالية نظام مثل بقية الانظمة الطبقية يقوم على استغلال الاغلبية من قبل اقلية وعلى عدم المساواة الصارخة، لذا يحتاج الى تقسيم صفوف الأغلبية على اسس مختلفة مثل لون البشرة والجنس ومكان الولادة واللغة. العنصرية هي احدى اسس تقسيم الاغلبية اي الطبقة العاملة . توظف العنصرية كوسيلة تجعل من العمال الذين لديهم مصالح مشتركة اعداء بسبب أفكار ذاتية ، قومية وعنصرية .

العنصرية هي ليست صفة من صفات الطبيعة البشرية، وليست فكرة نشات من العدم منفصلة عن اسسها المادية، اي ان العنصرية كايديولوجية لا تسبق الظروف المادية والاجتماعية، بل هي انعكاس لها، وبدورها، تساهم في صياغة الظروف المادية للانسان والمجتمع. ان الاضطهاد العنصري للمهاجرين والسود هو تعبير للاضطهاد الاقتصادي ويعزز الاضطهاد العنصري من الاستغلال الاقتصادي وبالعكس.

ولدت العنصرة من العلاقات المادية التي شكلتها الرأسمالية والاستغلال الاقتصادي الذي يحدث في ظل هذا النظام. فالبنية المادية والاقتصادية للمجتمع هي التي تؤدي إلى ظهور مجموعة من الأفكار والأيديولوجيات لتبرير وشرح والمساعدة في إدامة هذا النظام. العنصرية هي واحدة من تلك الأيديولوجيات. استخدمت العنصرية في ظل النظام الراسمالي لتبرير حقائق اقتصادية مثل حاجة المستعمرات الى العمال، وبالتالي، الى تجارة العبيد لتلبية هذ الحاجة وتبرير ازمة الرأسمالية في المانيا من خلال تحويل اليهود والزنوج الخ الى كبش الفداء.

من جهة اخرى، نوكد ان نظام اقتصادي يستند الى الاستغلال لابد ان يستخدم ايديولوجيات لتفسر هذا الاستغلال، بما فيها العنصرية. ولذلك لم نجد راسمالية غير عنصرية لحد الان، و لايمكن انهاء العنصرية بشكل نهائي مع الابقاء على ألرأسمالية. انهاء العنصرية يحتاج الى انهاء عدم المساواة الذي يستحيل تحت النظام الرأسمالي. يجب ان نتذكر بان العنصرية هي ليست ظاهرة مقتصرة على المجتمعات الغربية، بل هي ظاهرة موجوة في كل المجتمعات الرأسمالية بما فيها المجتمع العراقي.

ان النضال ضد العنصرية هو نضال ضد الظروف المادية التي تعيد انتاجها والنضال من اجل المساواة، اكثر ما هو نضال على مستوى الافكار .هذا يعني ان النضال ضد العنصرية في وقتنا الحاضر هو نضال ضد الراسمالية وهو جزء من نضال الطبقة


العاملة من اجل تحسين وضعها وبناء المجتمع الاشتراكي، ولكن يجب ان لايؤجل الى ان يتم تحقيق الثورة الاشتراكية.

يجب ان يكون الحزب الشيوعي العمالي وسيلة للنضال ضد كل اشكال الاضطهاد بما فيه الاضطهاد العنصري. والظروف اليوم مواتية لمثل هذا النضال اذ لايوجد جزء كبير من الطبقة العاملة بمنأى من الازمة الاقتصادية الحالية

مقالات